خطر كبير يهدد دول الخليج العربي ومستقبل سوريا
قبل سقوط النظام في سوريا باسبوعين، كتبت مقالاً بعنوان: "اغتيالات فوضى ودويلات عنوان المرحلة المقبلة في سوريا" وأبدى يومها عدد كبير من الإعلاميين والمسؤولين السوريين انزعاجهم من المقال، ولم يكن أحد يصدق أن مرحلة جديدة بدأت إسرائيل وأمريكا بتنفيذها فعليًا، وهي تقوم على إزاحة بشار الأسد وتقسيم سوريا، وذلك ليس كرهاً منهم لبشار، بل خدمة للمشروع التوسعي الإسرائيلي، الذي يحتاج أن تدب الفوضى في المنطقة، ليسهل تقسيمها إلى دويلات متناحرة ضعيفة، لا تُشكّل خطراً على إسرائيل، وتسمح لها باقتطاع قدر ما تشاء من الأراضي

خطر كبير يهدد دول الخليج العربي ومستقبل سوريا
رئيس تحرير موقع “الثائر” اكرم كمال سريوي 📰 📰 ✍️
قبل سقوط النظام في سوريا باسبوعين، كتبت مقالاً بعنوان: “اغتيالات فوضى ودويلات عنوان المرحلة المقبلة في سوريا” وأبدى يومها عدد كبير من الإعلاميين والمسؤولين السوريين انزعاجهم من المقال، ولم يكن أحد يصدق أن مرحلة جديدة بدأت إسرائيل وأمريكا بتنفيذها فعليًا، وهي تقوم على إزاحة بشار الأسد وتقسيم سوريا، وذلك ليس كرهاً منهم لبشار، بل خدمة للمشروع التوسعي الإسرائيلي، الذي يحتاج أن تدب الفوضى في المنطقة، ليسهل تقسيمها إلى دويلات متناحرة ضعيفة، لا تُشكّل خطراً على إسرائيل، وتسمح لها باقتطاع قدر ما تشاء من الأراضي. ف “إسرائيل صغيرة” في نظر نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحتاج إلى مزيد من الأراضي.
منذ عام 2010 بدأ تنفيذ مخطط التقسيم، وتجرّع السوريون الطعم، دون أن يشكّوا بذلك، معتقدين أن الغرب جاء لينقذهم من ظلم بشار وحكم آل الأسد، الذي دام أكثر من خمسة عقود، وسيبني لهم دولة ديمقراطية، تنقلهم إلى جنات النعيم.
عشرات الآلاف من المرتزقة تم نقلهم إلى العراق وسوريا، وسُمح لهم بإقامة معسكرات تدريب، وفُتحت لهم مزاريب التمويل، ثم في ليلة ليلاء حصلوا على كميات كبيرة من السلاح والمال في العراق، وتوجهوا لفتح بغداد ودمشق، بعد أن أُشبِعوا بأيديولوجية دينية تكفيرية متطرفة، فاجتاحوا مناطق واسعة، وأقاموا الدولة الإسلامية في العراق والشام.
خرجت داعش عن سيطرة الأمريكين وشكّلت خطراً على دول عربية حليفة لأمريكا، ودخلت روسيا عسكرياً على خط الصراع الشرق أوسطي، وحمت نظام بشار الأسد، الذي كان مدعوماً من إيران وحزب الله في سوريا.
في عام 2022 تورطت روسيا في حرب مع أوكرانيا، ما زال يلفها الكثير من الغموض حول الأسباب والأهداف الحقيقية لتلك الحرب، وبعد أن تحولت سوريا إلى شبه مستعمرة روسية، ترك بوتين نظام الأسد يسقط، وذاك الجيش السوري البالغ عديده أكثر من نصف مليون، ومُجهّز بالدبابات والطائرات والمروحيات وراجمات الصواريخ والمدفعية، وترسانة ضخمة من الأسلحة والذخائر، تهاوى أمام رتل من المقاتلين، الذين انتقلوا في وضح النهار، وساروا مئات الكيلومترات على طرق مكشوفة، مستخدمين بضع عربات رباعية الدفع، عليها مدافع رشاشة ثقيلة ومتوسطة.
لا يمكن فهم ما حصل وفق أي معايير عسكرية، ولماذا لم يقاتل جيش الأسد، ولماذا لم تبيد الطائرات الروسية تلك الارتال المتوجهة نحو دمشق، في حين نجح عدد قليل من الطائرات الإسرائيلية بالحاق خسائر كبيرة بهذه الارتال ذاتها، التي دخلت دمشق سابقاً، عندما قرر الرئيس السوري أحمد الشرع إرسالها إلى الجنوب السوري، ونحو محافظة السويداء. ضربات إسرائيلية قليلة كانت كافية لردع أحمد الشرع، فلماذا لم تفعل روسيا ذلك، لإنقاذ بشار الأسد؟!!!
ولماذا لم يستخدم بشار ما كان لديه من طائرات ومروحيات وأسلحة؟ ولماذا هذا الجيش الذي دافع عن نظام بشار، وقاتل على الجبهات مدة حوالي 14 عاماً، توقف فجأة عن القتال؟؟؟
من يريد أن يعرف ماذا حصل، عليه أن يبحث عن الاتفاقات السياسية التي حصلت تحت الطاولة، لأنه في العلم العسكري، لن يجد أي إجابات مقنعة.
طرح الشرع على أمريكا وإسرائيل أكثر من السلام، فهو أعرب عن رغبته بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، والتطبيع الكامل مع إسرائيل، لكن من الواضح أن إسرائيل غير مهتمة بالسلام، لا مع سوريا ولا مع لبنان، فهي لا تحتاج لتقديم أي تنازلات، طالما لا سوريا ولا لبنان لديهم اليوم أي قدرة على تهديد أمن إسرائيل، وطالما إسرائيل قادرة على تنفيذ كل ما تريده بالقوة، وها هي تسيطر على جزء مهم من أراضي سوريا ولبنان، وهناك من يطالب الآن بحماية إسرائيلية له، خوفاً من خطر الجماعات المسلحة التكفيرية، التي تنشر الفوضى وترتكب المجازر بحق المدنيين.
جماعات تكفيرية عديدة منتشرة على طول الجغرافية السورية وعرضها، خارجة عن طاعة حكومة أحمد الشرع، بل إن بعضها يكفّر الشرع نفسه، ويدعو إلى الانقلاب عليه.
هذه الجماعات التكفيرية باتت خطراً على استقرار ووحدة سورية، لا بل أكثر من ذلك، فكلما اشتد عضدها، باتت خطراً على كل دول الجوار.
تحدث مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون عن هشاشة الأنظمة العربية، وبعضهم دعا علناً إلى تقسيم تلك الدول، وأطلق ويتكوف تهديدات مبطنة، للسعودية والأردن ومصر، وهذا يدل على وجود مخطط حقيقي لتفتيت تلك الدول، ومحاولات ستتكشف في المستقبل القريب، لزعزعة النظام، وخلق الفوضى في عدة دول عربية.
لن تهاجم إسرائيل ولا أمريكا الدول العربية بشكل مباشر، طالما لديهم طرق عديدة تسهل عليهم تفتيت تلك الدول من الداخل، ولن يكون هناك من شيء أفضل من دعم الجماعات السلفية، لتتمدد داخل تلك الدول العربية والإسلامية، والآن بعد أن أصبحت هذه الجماعات قادرة على تثبيت مواقع ومراكز سيطرة لها في الأراضي السورية، سيكون من السهل تحريكها باتجاه دول الخليج العربي، خاصة أن الغطاء الديني بات يحمي تلك الجماعات، مرة باسم الشريعة الإسلامية، ومرة باسم الحرية الدينية للأقليات، وفي الحالين سيكون الخطر داهماً، وسيتم استخدام تلك الجماعات في أي لحظة، ترفض فيها أي دولة عربية تنفيذ الرغبات الأمريكية الإسرائيلية.
بعد عشرين عاماً من احتلال أفغانستان ترك الأمريكيون البلد لحكم طالبان مع أسلحة بقيمة أكثر من ثمانين مليار دولار، واليوم سوريا تكافح كي لا تكون أفغانستان جديدة في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن ذلك مخطط له أن يحدث، وسيكون على حساب وحدة سوريا، ومزيد من حركات الانفصال ومشاريع الفدرالية والتقسيم، وحتماً سيُسفك المزيد من الدماء.



