ماغا، ملف إبستين، والدولة العميقة: صراع أميركي في عمق المستنقع
تفاعلات ملف جيفري إبستين ليست سوى قمة جبل الجليد، تخفي وراءها صراعًا محتدمًا بين أطراف الدولة العميقة من جهة، وبين من هم خارجها من جهة أخرى.

✴️ ماغا، ملف إبستين، والدولة العميقة: صراع أميركي في عمق المستنقع
✍️📰 كتب هاني عرفات
تفاعلات ملف جيفري إبستين ليست سوى قمة جبل الجليد، تخفي وراءها صراعًا محتدمًا بين أطراف الدولة العميقة من جهة، وبين من هم خارجها من جهة أخرى.
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، صاحب شعار “تجفيف المستنقع” خلال حملته الانتخابية الأولى، كان قد وعد أنصاره بكشف ملف إبستين بالكامل. ولمن لا يعرف، فإن جيفري إبستين هو المحامي الذي وُجد مشنوقًا في زنزانته بعد أن أدانته المحكمة بتهمة إدارة بيت دعارة للقاصرات في إحدى الجزر المعزولة، حيث كان عدد من المسؤولين الأميركيين السابقين والحاليين يترددون على جزيرته. وقد أشار بعض المعلقين إلى احتمال ارتباط نشاطاته بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”.
وفاته جاءت في ظروف غامضة، بعد فترة وجيزة من احتجازه، وقيل آنذاك إنه انتحر، فيما يعتقد كثير من المراقبين أنه في الحقيقة “نُحر”.
أسباب تراجع ترامب عن نشر الملف، كشف عنها حليفه السابق إيلون ماسك، الذي قال في تغريدة إن “الرئيس الحالي” لن يكشف الملف، لأنه هو نفسه كان أحد زوار الجزيرة المشؤومة.
ورغم أن قضية إبستين ربما كانت ستمر مرور الكرام في بلد اعتاد على فضائح السياسيين، وغالبًا ما يتم دفنها أو تحويرها حسب الحاجة، إلا أن التحولات الجارية في المجتمع الأميركي حالت دون ذلك. التحول الأبرز يتمثل في الانقسام داخل التيار اليميني، المهيمن على الساحة السياسية الأميركية منذ مطلع هذا القرن، وظهور تيار “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا” المعروف اختصارًا بـ”ماغا”، الذي وُلد في رحم المحافظين الجدد والإنجيليين الصهاينة، لكنه اليوم يسعى للتمرد عليهم.
تيار “ماغا” يُعبّر عن محاولة للخروج من الأزمة المتعددة الأوجه التي تعيشها الولايات المتحدة منذ سنوات، ويرى منظّروه أن أميركا تهدر مقدراتها الاقتصادية في صراعات أجنبية لا تعنيها، ويطالبون بتوجيه هذه الثروات لتحسين مستوى الحياة داخل البلاد، لا لدعم دول أجنبية، حتى لو كانت “صديقة” مثل إسرائيل.
من داخل هذا التيار، بدأت تظهر أصوات تنتقد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، ومن بين هؤلاء الإعلامي اليميني المعروف تاكر كارلسون، وعضو الكونغرس الجمهورية مارجري تايلور غرين. هؤلاء وغيرهم حذروا الرئيس الأميركي من مغبة الانجرار إلى حرب مع إيران خلال اجتماع عقدوه معه في نيوجيرسي، وقالوا لوسائل الإعلام إنه “لا مصلحة لأميركا في خوض حروب الشرق الأوسط نيابة عن إسرائيل”.
ورغم التداخل العميق بين المصالح الأميركية والإسرائيلية، فإن أنصار هذا التيار يرون أن واشنطن لا يجب أن تخضع لرغبات تل أبيب في خوض حروب غير ضرورية، وأن هناك سبلًا أخرى لتحقيق المصالح الأميركية في المنطقة.
أهمية هذا التيار لا تنبع فقط من مواقفه السياسية، بل من خلفيته الأيديولوجية، إذ إن جزءًا كبيرًا منه نشأ داخل التيار المسيحي الصهيوني، الذي شكّل لعقود الأساس العقائدي للعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل دون قيد أو شرط. وعندما يبدأ النقد من داخل هذا التيار، فإن ذلك يشكّل بلا شك محاولة جادة لإعادة تشكيل الواقع الأيديولوجي من الداخل.
وقد بدا ذلك جليًا في مقابلة كارلسون مع السيناتور الجمهوري تيد كروز، حين أربكه بسؤاله عمّا إذا كانت “إسرائيل التوراتية” هي نفسها “إسرائيل الحديثة” بحدودها الحالية، في محاولة لنقض الرواية من جذورها.
وبغضّ النظر عن مدى جذرية هذه الحركة، فإنها تحاول بكل ما أوتيت من نفوذ أن تُبعد الرئيس عن سطوة الدولة العميقة، التي تُعد الأقرب والأوثق ارتباطًا بإسرائيل. ونجاح هذا التيار يتفاوت من مرحلة إلى أخرى، كما يتضح من التقلّبات في المسار السياسي للرئيس، وربما يعود ذلك إلى أن أدوات الدولة العميقة، مثل ملف إبستين وغيره من الملفات غير المعروفة للعامة، ما زالت هي الأقوى، رغم التغيّرات الجارية في بنية النظام السياسي الأميركي.



