باقلامهم
أخر الأخبار

✍️كتب وليد عبد الحي : الجهاد الأكبر في فهم الظواهر السياسية رحلة في تفكيك الاستبداد المعرفي وكشف أسرار اللاوعي في التحليل السياسي

تتسلل منظومات المعرفة الاستبدادية في تحليل الظواهر السياسية من خلال ضغط "اللاوعي" على المراقب للظاهرة، فيتبدى المشهد له طبقًا لهذا المتواري تحت ركام كل ما نتوهمه بأنه الوعي. ولأن الظاهرة السياسية هي ظاهرة "لعوب وغوايتها عالية"، ولأنها متاحة لكل مستوى عقلي، فإن فهمها واستشراف مآلاتها يستوجب سلسلة من المضادات العقلية للحماية من التضليل.

✍️كتب وليد عبد الحي : الجهاد الأكبر في فهم الظواهر السياسية رحلة في تفكيك الاستبداد المعرفي وكشف أسرار اللاوعي في التحليل السياسي 

تتسلل منظومات المعرفة الاستبدادية في تحليل الظواهر السياسية من خلال ضغط “اللاوعي” على المراقب للظاهرة، فيتبدى المشهد له طبقًا لهذا المتواري تحت ركام كل ما نتوهمه بأنه الوعي. ولأن الظاهرة السياسية هي ظاهرة “لعوب وغوايتها عالية”، ولأنها متاحة لكل مستوى عقلي، فإن فهمها واستشراف مآلاتها يستوجب سلسلة من المضادات العقلية للحماية من التضليل.

 

إن الاطلاع على الأدبيات العربية من البحوث السياسية أو المقالات السياسية أو التداول الفكري على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، يكشف عن سطوة بُعد محدد هو “أحادية العلة”، التي هي بدورها المظهر الخارجي لترسبات اللاوعي، وهو ما يستدعي معرفة “السر وأخفى”.

وهنا يجب التمييز بين خطأين: خطأ العلم وخطأ اللاوعي. فالأول يعالجه المنطق النظري والتحليل المخبري والمراجعات المنهجية وغيرها، أما الثاني فهو بحاجة لمعاناة كبيرة ذاتية وموضوعية، وهنا تكمن إشكاليات تفكيرنا السياسي.

لا تصدقوا أن هناك مفكرًا سياسيًا أصاب في كل تحليل، فحتى الدراسات المستقبلية – بكل ما فيها من صرامة منهجية – ما زال جانب منها يَضِل طريقه بشكل واضح. أما في أدبياتنا العربية، فإن لغة القطع واليقين تسود إلى حد المكابرة الفاضحة.

تجاوز تعقيدات الربط بين السبب والنتيجة والنزوع للتبسيط: لتوضيح ذلك نقف عند المثال التالي: عندما تذهب إلى إحدى الحدائق ترى زهرة في غاية الجمال، ولها رائحة عطرية نفاذة، فإن سألت عن نموها، تبيّن أنها تنمو من تراب أولًا، وقمامة تم تحويلها لسماد ثانيًا، ومياه في الغالب ملوثة أو غير نظيفة ثالثًا. فلو سألنا كيف تحولت القذارة إلى جمال والروائح الكريهة إلى عطور، هنا تبدأ تتضح تعقيدات فهم العمليات الكيميائية المعقدة، والظاهرة الاجتماعية “قد تمر” في كل ذلك.

 

الحكم على الظواهر الكبرى كالتحولات الاجتماعية والثورات والتغيرات التقنية أو القيمية أو حتى المناهج وفلسفاتها، تستوجب عودة لتاريخ كل منها لرصد المحرك (Driver) لها. لكن الكثير من التفكير العربي السائد لا يعرف عن تاريخ الظاهرة التي يتناولها إلا النزر اليسير من ناحية، ويكون التحليل أسير اللحظة الراهنة فقط، لكنه يبني على هذا النزر أهرامًا من النتائج. بل إني قرأت لأحد المُعتدّين بعلمه دعوته “لقراءة ومقارنة نصوص الدساتير الإسرائيلية والسعودية والبريطانية لفهم سياسات الدول الثلاث”، مع أن الدول الثلاث ليس فيها دساتير.

 

طغيان الانتماء الآيديولوجي أو الوجداني على التحليل:

وهنا يتساوى الوضعي والديني، والقطري والقومي، والبدوي والحضري، والغني والفقير. ولا نقصد هنا بأن عليك التحلل من هذا الانتماء، بل المطلوب تحييد الانتماء لحظة التحليل وعدم السماح للتفكير الرغائبي بالسيطرة. وبعد أن تصل للنتائج، لك كل الحق أن تعود لانتمائك لتحاكم مصداقيته أو فشله، وتتكيف مع النتائج.

 

اعتبار الشاذ هو القاعدة: عندما تضع نتائج دراسة لظاهرة معينة، فإنك تصل لنتائج خلصت لها من عشرات المراجعات والنماذج والبيانات. فمثلًا، نسبة العولمة (الترابط العضوي بين المجتمعات تقنيًا وماليًا وثقافيًا…) تزداد عند كل المفكرين تقريبًا، وإن تباينت طرائق قياسهم. لكن خلافهم يكون حول سرعتها أو أوزان مؤشراتها في تشكيل الظاهرة. ولم يزعم أي من مفكري العولمة أنها اكتملت. فيخرج عليك أحدهم ليضرب مثلًا على حالات شاذة، ويهمل كل المؤشرات التي تم قياسها من عشرات مراكز الأبحاث والجامعات. فالقاعدة تُبنى على العام لا على الخاص، بينما الخاص له منهجيته لفهمه. ويكفي طرح السؤال التالي: لماذا عدد الحروب “بين الدول” يتراجع بينما عدد الحروب داخل الدول يزداد؟ عودوا لمفكري العولمة للاطلاع على التفسير. وليس مطلوبًا التسليم له، بل لترى أن الحكم على الظاهرة الفردية لا يصلح للتعميم.

 

لن أتوقف عند “النفاق السياسي” في التحليل، فهذه ظاهرة مرضية يغذيها تراث واسع من الشعر والأدب والأمثال وغيرها. لكن لهذا النفاق وجه يستحق التأمل، فمن يجلس على الكرسي يتلبسه زهو بأنه “علام الغيوب والسر وأخفى”، وهو ما يجعل الكرسي هو من يحدد له وزن أفكاره التي قد تكون تافهة تمامًا، لكن صمت السامعين يجعله يتورم عقليًا، فيشتط في غوايته.

 

ذلك يعني أن لدينا أحادية في السبب، وأحادية في النتيجة، وأحادية في المنهج الرابط بينهما. فلو أخذنا بعض النماذج:

 

ما يجري في سوريا: رغم أنه نتيجة لمتغيرات تاريخية وجغرافية وسياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية ونفسية واجتماعية، وتتمدد في الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، فإن أغلب التحليلات تتمترس وراء سبب واحد.

 

ما جرى في كاليفورنيا الأمريكية هذا العام ودلالاته: هو نتيجة لظاهرة تاريخية (وهناك دراسات حول النزعة الانفصالية لهذه الولاية)، وجغرافية (تأثير الموقع للولاية وعليها دراسات)، ووزنها الاقتصادي (فهي أحد مراكز الثقل في الاقتصاد الأمريكي)، والبنية الاجتماعية ونسبة المهاجرين فيها… وعشرات العوامل.

لكن أحدهم اكتفى بأنه كان في زيارة لكاليفورنيا ليحكم على كل ذلك استنادًا لمشاهدات عابرة، مع أن كل علماء العلوم الاجتماعية يقرون بأن الظاهرة الاجتماعية بمعناها الواسع لا تولد ناضجة، بل لا بد من فهم صيرورتها. فـ “كوندراتيف” عاد لقرون ليتنبأ بتراجع النظام الاشتراكي، وتبينت صحة تقديراته بعد سبعين عامًا تقريبًا، و”بول كينيدي” حفر خمسة قرون ليصل لاستنتاجاته التي صاغها وبحذر شديد… وقِس على ذلك الكثير، بينما نحن نحكم عليها من مجرد مشاهدة عابرة.

 

أتابع وبَدَأب مرهق ما يُنشر من دراسات عن طوفان الأقصى، وأكاد أجزم بأن أحدًا لم يتنبأ بأن منطقة بمساحة ضيقة جدًا، وعدد سكان محدود جدًا، ومقاومة مسلحة لا تُقارن بأي شكل مع عدوها من حيث الإمكانيات، وحصار خانق من العدو وذوي القربى منذ سنوات طويلة، تستطيع الاستمرار في المقاومة كل هذه المدة وما تزال.

رغم ذلك، فالكثير من الكتابات العربية، ووسائل إعلام النفط تحديدًا، اعتبرت الأمر “مجرد أيام”، وكان الشطط الأكبر عند شعراء ديوان خليفة التنسيق الأمني.

إنني أدعو إلى “جهاد أكبر” في مناهج تفكيرنا، عندها قد ننتصر في جهادنا الأصغر… ربما.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »