باقلامهم
أخر الأخبار

زيلينسكي.. ليس وحده “إسرائيلي الهوى”: غولدا مائير وشارون أيضًا من أوكرانيا

عندما يُذكر اسم فولوديمير زيلينسكي في أوساط المثقفين العرب، لا يُستدعى بوصفه رئيسًا أوكرانيًا فحسب، بل يُستدعى أيضًا كرمز لانحياز فجّ للكيان الإسرائيلي في واحدة من أكثر مراحل التاريخ دمويةً تجاه الشعب الفلسطيني. فرغم حضوره الإعلامي الطاغي، وخطاباته العاطفية فوق المنصات الدولية، لم يُسجل له يومًا موقفٌ واحدٌ يُدين الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين، من المجازر اليومية في غزة إلى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.  

زيلينسكي.. ليس وحده “إسرائيلي الهوى”: غولدا مائير وشارون أيضًا من أوكرانيا

✍️ كتبت الإعلامية هند نجم 

عندما يُذكر اسم فولوديمير زيلينسكي في أوساط المثقفين العرب، لا يُستدعى بوصفه رئيسًا أوكرانيًا فحسب، بل يُستدعى أيضًا كرمز لانحياز فجّ للكيان الإسرائيلي في واحدة من أكثر مراحل التاريخ دمويةً تجاه الشعب الفلسطيني. فرغم حضوره الإعلامي الطاغي، وخطاباته العاطفية فوق المنصات الدولية، لم يُسجل له يومًا موقفٌ واحدٌ يُدين الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين، من المجازر اليومية في غزة إلى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. 

بل إن بلاده امتنعت أكثر من مرة عن التصويت في الأمم المتحدة ضد قرارات تُدين الاحتلال، وكأنها لا ترى في كل ما يجري شيئًا يستحق التنديد أو حتى التريّث. أما في عيون العرب، فإن زيلينسكي لم يكن يومًا ضحية فقط، بل أيضًا شريك في تزييف معايير الأخلاق الدولية، حين يغضّ الطرف عن أفظع المآسي الإنسانية التي تقع على مرمى حجر من عالمه “الحر”.

ورغم كل ما بذله من استعطاف مسرحي في قمة جدة العربية عام 2023، لم يفلح في اختراق وجدان الشارع العربي، الذي لم ينسَ ولن ينسى أن فلسطين ليست قضية سياسية فحسب، بل عنوان كرامة وهوية وذاكرة جماعية.

لكن السخرية الأشد قسوة تكمن في جذور هذا الانحياز؛ فزيلينسكي لا يجمعه مع إسرائيل فقط الخطاب السياسي، بل البيئة الثقافية والمعتقد والمنشأ. فها هي غولدا مائير، أحد رموز النكبة الفلسطينية، قد خرجت من رحم كييف الأوكرانية، ووقفت ذات يوم تقول: “لا وجود لشعب يُدعى الفلسطينيون”. وها هو أرييل شارون، مهندس مجازر صبرا وشاتيلا، قد حمل إرثًا عائليًا أوكرانيًا وجاء ليُدوِّن إحدى أكثر الصفحات دمويةً في تاريخ العرب الحديث.

ذاكرة الشعوب لا تسقط بالتقادم. الشارع العربي لا ينسى أن أوكرانيا، بوصفها عضوًا في التحالف الأمريكي، شاركت في غزو العراق عام 2003، وأرسلت قواتها لدعم الاحتلال، وسُجّلت ضدها تقارير تتحدث عن انتهاكات ضد المدنيين في كربلاء وجنوب البلاد. فالديمقراطية التي بُشّرت بها الشعوب تحت جنازير الدبابات، كانت دائمًا بوابةً للهيمنة لا للحرية.

وفي زمن الحرب الروسية الأوكرانية، يتكرر المشهد ذاته: شعارات كبرى تُرفع باسم “الديمقراطية”، فيما الواقع يُترجم بصفقات اقتصادية مُجحفة واتفاقيات تسرق ثروات أوكرانيا لصالح شركات الغرب العابرة للقارات، تحت رعاية واشنطن ولندن. حربٌ تُقدَّم على أنها “صراع من أجل الحرية”، بينما تبدو في حقيقتها مسرحًا لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، على أرض بلدٍ صار أداة لا فاعلاً في تقرير مصيره.

في المقابل، تحتفظ الشعوب العربية بصورة نقيضة تمامًا عن الموقف الروسي، الذي ورث عن الاتحاد السوفياتي إرثًا في دعم القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد عبّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوضوح حين قال: “لا نريد الحل من أمريكا بل من روسيا”.

وهذا الموقف، سواء اختلفت حوله الآراء أو اتفقت، يُجسد شعورًا عميقًا بعدم الثقة بالغرب، وبأن زيلينسكي مجرد وكيلٍ في معركة لا تخدم إلا مصالح من يقفون خلفه.

ولعل ما يُفسّر القطيعة النفسية بين زيلينسكي والرأي العام العربي، هو أن الرجل لم يحاول يومًا أن يتفهم طبيعة هذه المنطقة، ولا وجدان شعوبها. فهو قادم من جغرافيا صنعت شارون، ومن ذاكرة أنجبت مائير، وجاء ليُكمل الدور ذاته بأسلوب مختلف: بوجه ناعمٍ، وخطاب إنساني، لكنه منحازٌ حتى العظم لإسرائيل.

 هكذا، حين يقف زيلينسكي على منصات العالم باكيًا يطلب الدعم، لا يسمعه الشارع العربي إلا كصوتٍ مكررٍ من الماضي الاستعماري ذاته، وكأن كل ما تغيّر هو اللغة واللهجة فقط. أما القضية، فقضية واحدة: الكرامة لا تتجزأ، والذاكرة لا تُخدع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »