كتب محسن الشوبكي:حلب في ميزان السيادة: قسد بين المناورة والكماشة الإقليمية
الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية تتجاوز طابعها المحلي، إذ تشكّل اختبارًا مباشرًا لاتفاق العاشر من آذار 2025 بين الحكومة السورية وتنظيم قسد.

حلب في ميزان السيادة: قسد بين المناورة والكماشة الإقليمية
🧾✍️محسن الشوبكي باحث وخبير أمني واستراتيجي
الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية تتجاوز طابعها المحلي، إذ تشكّل اختبارًا مباشرًا لاتفاق العاشر من آذار 2025 بين الحكومة السورية وتنظيم قسد.
التحرك الكردي يبدو محسوبًا، يستثمر لحظة استنزاف تعيشها الدولة السورية بفعل تداخل ملفات الجنوب، تنامي النزعات الانفصالية، عودة خلايا داعش، واتساع شبكات المخدرات، في محاولة لانتزاع مكاسب مناطقية في حلب تعزز الموقع التفاوضي لـقسد في أي مسار سياسي مقبل.
في المقابل، يواجه هذا المسعى سقفًا إقليميًا صلبًا. فإيران، رغم فتور علاقتها مع دمشق، ترفض أي نموذج للحكم الذاتي الكردي خشية انعكاساته الداخلية، وهو موقف تلتقي معه تركيا التي ترى في أي تمدد سياسي أو أمني لـقسد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. هذا التقاطع، وإن لم يتخذ شكل تحالف معلن، يضع قسد تحت ضغط كماشة إقليمية تحدّ من قدرتها على تحويل المناورة الميدانية إلى إنجاز سياسي مستدام، وتجعل أي تصعيد طويل الأمد محفوفًا بالمخاطر.
في هذا السياق، يواصل الكيان الصهيوني لعب دور غير مباشر عبر تغذية عوامل الفوضى من خلال أدواته القومية في الداخل السوري، مستندًا إلى استراتيجية تقوم على إضعاف المركز في دمشق ومنع إعادة تشكّل دولة متماسكة. سواء عبر تحريك الجنوب أو تشجيع الطموحات الانفصالية في الشمال والغرب، يبقى الهدف واحدًا: إبقاء سوريا في حالة انكفاء داخلي تستنزف قدرتها على استعادة قرارها السيادي الكامل.
يبقى الحسم في حلب مرتبطًا بمدى صلابة التفاهمات بين الشرع ومظلوم عبدي. فدمشق تمتلك أدوات القوة العسكرية التقليدية وشرعية فرض السيادة، بينما تراهن قسد على الدعم الأمريكي وتعقيد البنية الديموغرافية في المدينة لفرض صيغة شراكة أمنية بديلة عن الاندماج الكامل.
من هنا، لا تبدو المواجهة مجرّد صدام ميداني، بل رسالة سياسية مغلّفة بالرصاص، تختبر قدرة الدولة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى استنزاف مفتوح، كما تختبر في الوقت ذاته قدرة قسد على قراءة موازين القوة دون تجاوز الخطوط التي قد تفقدها هامش المناورة.
ما يجري في حلب يشي بمحاولة لإعادة تعريف حدود الشراكة الممكنة بين الدولة وقسد أكثر مما يشير إلى قطيعة نهائية. نجاح دمشق في احتواء التصعيد أو فرض وقائع ميدانية مضبوطة سيعيد تثبيت معادلة الدمج بشروط المركز، ويدفع قسد إلى مراجعة رهاناتها على فرض نموذج أمني مستقل في بيئة شديدة الحساسية.
أما في حال جرى تدوير الاشتباكات سياسيًا أو إطالة أمدها، فقد تتحول حلب إلى ساحة ضغط تفاوضي مفتوح، تستخدمها قسد لانتزاع مكاسب مرحلية دون الذهاب إلى مواجهة شاملة، مستفيدة من الغطاء الأمريكي وحساسية التوازنات الإقليمية.
في المحصلة، تبدو حلب اختبارًا مزدوجًا: لقدرة الدولة السورية على فرض السيادة بأسلوب مدروس لا يفتح جبهات استنزاف جديدة، ولقدرة قسد على المناورة ضمن هوامش تضيق كلما اشتد التقاطع الإقليمي ضد أي مشروع يتجاوز إطار الدولة.
والمرجّح أن الفترة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه المواجهة ستفضي إلى إعادة ترميم التفاهمات على أسس أوضح، أم ستدشن مرحلة شدّ وجذب طويلة، تُدار تحت عناوين أمنية بينما تحمل في جوهرها صراعًا على معنى السيادة وحدود الشراكة في سوريا ما بعد الحرب.
محسن الشوبكي
باحث وخبير أمني واستراتيجي

📌 أبرز نقاط المقال:
📌 الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية تجاوزت الطابع المحلي، واختبار مباشر لاتفاق العاشر من آذار 2025 بين الحكومة السورية وقسد.
📌 التحرك الكردي محسوب لاستثمار لحظة استنزاف الدولة بفعل ملفات الجنوب، النزعات الانفصالية، عودة خلايا داعش، واتساع شبكات المخدرات.
📌 إيران وتركيا ترفضان أي نموذج للحكم الذاتي الكردي، مما يضع قسد تحت ضغط كماشة إ



