علاقة الصين بالصهيونية وحركات التحرر: بين المبادئ والمصالح

علاقة الصين بالصهيونية وحركات التحرر: بين المبادئ والمصالح
🖋 كتب إسماعيل النجار
في ميزان الجغرافيا السياسية، لطالما ظلّ الحديث عن العلاقة بين الصين والحركة الصهيونية طي التعتيم أو التجاهل في الخطاب العربي، رغم التحولات المتسارعة التي طرأت عليها منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم. هذه العلاقة اكتسبت أهمية استثنائية مع اشتداد التوتر بين بكين وواشنطن، بسبب ملف تايوان من جهة، والدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل من جهة ثانية.
لذلك، بات من الضروري تقديم سرد تاريخي موضوعي ومدعوم بالمصادر، لتحليل هذه العلاقة المعقدة وأثرها المباشر وغير المباشر على القضية الفلسطينية.
اليهود في الصين قبل الصهيونية
عرفت الصين تواجدًا يهوديًا منذ القرن العاشر الميلادي، حين استقرّت مجموعات صغيرة في مدينة كايفنغ. هؤلاء اليهود اندمجوا في المجتمع الصيني تدريجيًا دون أن يظهر لديهم أي ميل نحو مشاريع صهيونية أو قومية.
في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، استقبلت شنغهاي نحو 20,000 لاجئ يهودي هارب من أوروبا النازية، في وقت كانت ترفض فيه القوى الغربية استقبالهم. تعاملت الصين مع هؤلاء اللاجئين بمنطق إنساني، دون أن يتضمن ذلك أي بُعد سياسي مؤيد للصهيونية.
الصين الماوية: عداء واضح للصهيونية ودعم ثابت لفلسطين
في عهد ماو تسي تونغ (1949-1976)، تبنّت الصين موقفًا أيديولوجيًا صلبًا ضد الصهيونية، واعتبرتها شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني المدعوم من الإمبريالية الغربية.
دعمت بكين حركات التحرر الوطني، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها رسميًا عام 1965، وسمحت بفتح مكتب لها في الصين. وخلال حربي 1967 و1973، وقفت الصين بوضوح إلى جانب العرب وقدّمت دعماً إعلاميًا ودبلوماسيًا وأحيانًا لوجستيًا.
التحول البراغماتي: من العداء إلى التعاون
بعد وفاة ماو، وتحديدًا مع إصلاحات دينغ شياو بينغ في الثمانينيات، بدأت الصين بمراجعة سياساتها الخارجية وفق مبدأ البراغماتية. فافتُتحت مكاتب اتصال غير رسمية مع إسرائيل عام 1990، وصولاً إلى الاعتراف الكامل وتبادل السفراء عام 1992.
ومنذ ذلك الحين، توسعت العلاقات في مجالات التكنولوجيا، الزراعة، والأمن السيبراني. كما ظهرت استثمارات إسرائيلية في الصين ومشاريع مشتركة، لا سيما في أنظمة المراقبة.
الجذور التاريخية: اليهود في كايفنغ دون مشروع سياسي
يعود أول تواجد يهودي في الصين إلى عهد أسرة تانغ في القرن الثامن الميلادي. وقد اندمج يهود كايفنغ في المجتمع المحلي تدريجيًا، حتى اختفى معظمهم ثقافيًا ودينيًا. لم يكن لهذا الوجود أي طابع سياسي أو صهيوني.
أيديولوجيا الحزب الشيوعي ومعاداة الصهيونية
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، اعتبر الحزب الشيوعي الصهيونية امتدادًا للإمبريالية الغربية. لذلك، وقفت بكين في الستينيات والسبعينيات ضد إسرائيل ووصفتها بأنها “قاعدة استعمارية متقدمة” في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، ورغم هذا الموقف الأيديولوجي، لم تعترف الصين بإسرائيل رسميًا إلا عام 1992، مراعاةً لعلاقاتها مع منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا والجزائر ومصر.
بين الخطاب والدور الحقيقي
رغم الاعتراف بإسرائيل، لم تتبنَّ الصين مواقف داعمة لها علنًا في المحافل الدولية. كما حافظت على خطاب داعم لحقوق الفلسطينيين، واستقبلت ياسر عرفات أكثر من مرة. لكن هذا الدعم بقي رمزيًا، دون ترجمة فعلية على الأرض.
لم تستخدم الصين نفوذها الاقتصادي للضغط على إسرائيل، ولم تلعب دور الوسيط الفاعل رغم امتلاكها المؤهلات.
التحفظ الصيني: أسباب داخلية وخارجية
تحفُّظ الصين تجاه دعم المقاومة الفلسطينية يعود إلى مخاوف داخلية من الإسلام السياسي، خصوصًا في إقليم شينجيانغ. كذلك، فإن علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، وخاصة في مجال التكنولوجيا، تفرض عليها سياسة “عدم الإزعاج”.
كما تسعى الصين إلى لعب دور عالمي محايد، وتتجنّب التورّط في نزاعات الشرق الأوسط، وتوازن بين مصالحها مع إسرائيل من جهة، وعلاقاتها التقليدية مع العالم العربي من جهة أخرى.
مجازر غزة وموقف الصين بعد 7 أكتوبر
بيانات الصين الرسمية خلال العدوان على غزة لم تتعدَّ بيانات القلق والدعوة إلى ضبط النفس. في كل مجزرة، تكتفي بكين بالدعوة إلى التهدئة من “الجانبين”، دون تحميل إسرائيل أي مسؤولية مباشرة.
حتى في مجلس الأمن، امتنعت في مرات عن التصويت ضد إسرائيل. ورغم التعاطف الإعلامي النسبي مع المدنيين الفلسطينيين، لم تمارس الدولة الصينية أي ضغط فعلي.
هل يتغير الموقف الصيني مستقبلاً؟
يرى البعض أن الصين قد تسعى مستقبلًا إلى كسب تعاطف الشارع العربي والإسلامي، لكن لا مؤشرات حقيقية على تغير جوهري في سياساتها، خاصة في ظل ضعف الموقف العربي الرسمي وانخراط عدة دول عربية في مسار التطبيع مع إسرائيل.
الواقع أن علاقة الصين بالصهيونية تقوم على تبادل المصالح، فيما تبقى علاقتها بفلسطين محكومة بالرومانسية الثورية القديمة، دون أدوات فاعلة.
بينما تنزف غزة، تكتفي بكين بالمناشدات الدبلوماسية. وكأن القاتل والضحية سواء.



