اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب رامي الدباس:سوريا والأسد: قراءة من الضفة الأخرى

في زحمة الأصوات المنتشية بسقوط بشار الأسد، ثمة أسئلة جوهرية تُطرح همساً في الكواليس، بعيداً عن ضجيج الاحتفالات: هل كان الأسد طاغيةً بالصورة التي رُسمت له في الإعلام الغربي والخليجي؟

سوريا والأسد: قراءة من الضفة الأخرى

✍️رامي الدباس -كاتب ومحلل سياسي 

حين يُكتب التاريخ من قِبَل المنتصرين

في زحمة الأصوات المنتشية بسقوط بشار الأسد، ثمة أسئلة جوهرية تُطرح همساً في الكواليس، بعيداً عن ضجيج الاحتفالات: هل كان الأسد طاغيةً بالصورة التي رُسمت له في الإعلام الغربي والخليجي؟ أم أنه كان رجل دولة واجه مؤامرة كونية حقيقية استهدفت تفكيك الدولة السورية من الجذور؟ هذا المقال لا يسعى إلى تبييض صفحة أحد، بل إلى قراءة المشهد بعيون أخرى قد يغفل عنها التحليل السائد.

أولاً: سوريا قبل 2011  ما الذي كان قائماً فعلاً؟

قبل أن تنفجر الأزمة السورية، كانت سوريا دولةً تمتلك من المقومات ما يحسدها عليه كثيرون: جيش وطني عقيدته المقاومة والتحرير، وشعب متعلم متنوع، واقتصاد يعتمد على ذاته بعيداً عن ريعية النفط. كانت دمشق عاصمةً للحضارة والثقافة، وكانت سوريا دولةً محوريةً لا يمكن تجاوزها في أي تسوية إقليمية.

وعلى الصعيد الاجتماعي، عاشت الأقليات الدينية والعرقية — من مسيحيين وعلويين وأكراد وإسماعيليين ودروز — بمستوى من الأمان والاندماج لم يتوفر في كثير من دول الجوار. كانت سوريا نموذجاً للدولة المدنية في محيط كان يتشقق على الهويات الفرعية.

ثانياً: 2011 — ثورة أم مؤامرة أم الاثنان معاً؟

الإجابة الصادقة: كلاهما، وهذا هو جوهر المأساة.

نعم، كان ثمة غضب شعبي حقيقي، وكان ثمة مظالم اجتماعية واقتصادية مشروعة. لكن ما الذي حدث لاحقاً؟ تحولت الاحتجاجات الشعبية في أشهر قليلة إلى حرب مسلحة ضخّت فيها دول الخليج وتركيا والغرب مليارات الدولارات والأسلحة. لم يكن ذلك تلقائياً؛ فلا ثورة في التاريخ تحوّلت بهذه السرعة إلى حرب بالوكالة تضم مقاتلين من أربعين جنسية دون رعاية خارجية مُحكمة التنظيم.

وفي هذا السياق، يمكن فهم — دون تبرير مطلق — لماذا لجأ النظام إلى القوة: فهو لم يواجه معارضةً سياسية يمكن التفاوض معها، بل واجه مشروع تفكيك دولة بالكامل، تماماً كما جرى في ليبيا والعراق قبله.

ثالثاً: ماذا أنتج البديل؟

السؤال الأهم الذي يتهرب منه المتحمسون لسقوط الأسد: ماذا جاء بعده؟

الواقع اليوم يكشف صورة مقلقة؛ فالدولة التي خرج الأسد منها تعاني من تشرذم واضح: مناطق خارج سيطرة الحكومة المركزية، ميليشيات متعددة الولاءات، تمدد إسرائيلي سافر في الجنوب، وحوادث عنف طائفي ضد الأقليات. الحاكم الجديد رجل كان على قوائم الإرهاب الأمريكية حتى أمس قريب، ولا يزال يبحث عن شرعية داخلية في بلد منهك ومتشقق.

فأيهما أشد وطأةً على المواطن السوري: دولة مركزية صارمة بكل ما فيها من قسوة، أم فوضى بلا سقف ولا قانون ولا أمان؟

رابعاً: الأسد بين الإدانة والتفهّم

التاريخ لا يُقرأ بأبيض وأسود. بشار الأسد ليس ملاكاً، وجرائم النظام موثّقة ولا يمكن إنكارها. لكن الأسد أيضاً لم يكن مجرد طاغية بلا سياق؛ فهو حكم دولةً تقع في قلب أشد مناطق العالم توتراً، محاطةً بإسرائيل من الجنوب الغربي، وتركيا الطامحة من الشمال، ودول خليجية تموّل تغيير النظام من الشرق، وغرب يرسم لسوريا مستقبلاً لا يتشاور معها فيه.

في هذا المحيط، كانت كلفة البقاء باهظة، وكانت كلفة السقوط — كما يتضح اليوم — لا تقل ثقلاً.

التاريخ لم يُكتب بعد

المنتصرون يكتبون التاريخ دائماً، لكن الحقيقة أوسع من أن تحتويها روايةٌ واحدة. سوريا اليوم تدفع فاتورة باهظة، وكل سوري — بغض النظر عن موقفه من الأسد — يستحق دولةً آمنة وعادلة وسيدة على قرارها. السؤال الحقيقي ليس: هل كان الأسد صالحاً أم طالحاً؟ بل: هل تسير سوريا الجديدة نحو دولة أفضل، أم أنها تستبدل استبداداً بفوضى وأجندات خارجية جديدة؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب.

🖋️ عن الكاتب

رامي الدباس
كاتب ومحلل سياسي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »