خاص pravdatv
أخر الأخبار

ما بعد الضوء في آخر النفق: إلى أين تمضي روسيا في الملف الفلسطيني؟

في لحظةٍ تختلط فيها رائحة الدم برماد السياسة، وتتعالى فيها صرخات غزة فوق صمت العواصم، تعود موسكو إلى الواجهة من بوابة “الوساطة المعقولة” في صراعٍ تجاوز حدود المنطق الإنساني. فمنذ إعلان الكرملين عن اتصالٍ هاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدا أن روسيا تسعى إلى إعادة تموضعها داخل المشهد الشرق أوسطي، لا كفاعلٍ مباشر في المعركة، بل كمهندسٍ لتوازنٍ هشّ بين الواقعية السياسية وضرورات الأخلاق الدولية.

ما بعد الضوء في آخر النفق: إلى أين تمضي روسيا في الملف الفلسطيني؟

 

📰✍️ كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب الجزائر

 

تحليل دور روسيا في المشهد الفلسطيني الحالي

في لحظةٍ تختلط فيها رائحة الدم برماد السياسة، وتتعالى فيها صرخات غزة فوق صمت العواصم، تعود موسكو إلى الواجهة من بوابة “الوساطة المعقولة” في صراعٍ تجاوز حدود المنطق الإنساني. فمنذ إعلان الكرملين عن اتصالٍ هاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدا أن روسيا تسعى إلى إعادة تموضعها داخل المشهد الشرق أوسطي، لا كفاعلٍ مباشر في المعركة، بل كمهندسٍ لتوازنٍ هشّ بين الواقعية السياسية وضرورات الأخلاق الدولية.

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما زال لروسيا مكان في معادلة فلسطين؟ أم أن “الضوء في آخر النفق” الذي تحدّث عنه بوتين ليس سوى سرابٍ دبلوماسي في نفقٍ تزداد ظلمته مع كل قذيفة تسقط على غزة؟


المرونة الروسية بين الواقعية والسياسة الأخلاقية

لقد تحوّل الموقف الروسي من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى مرآةٍ تعكس براغماتية موسكو الجديدة؛ فهي من جهةٍ تُدين الجرائم الإسرائيلية وتؤكد على مرجعيات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ومن جهةٍ أخرى تحرص على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع تل أبيب وواشنطن على حد سواء، حفاظًا على مصالحها في سوريا، ومكانتها في معادلات الطاقة والدبلوماسية الدولية. هذا التوازن الصعب جعل روسيا تظهر كـ“صوتٍ عاقل” في زمن الجنون، لكنها في الوقت ذاته تُتهم بأنها تمارس حيادًا باردًا أمام مجازر موثقة ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين.


الإشكالية المركزية

وفي خضمّ هذا المشهد، تبرز إشكالية مركزية: إلى أي مدى تستطيع روسيا أن تزاوج بين خطابها المناهض للهيمنة الغربية وممارساتها الواقعية التي تميل إلى الحذر السياسي؟

فبين بوتين الذي يرى في خطة ترامب “ضوءًا في آخر النفق“، وشارعٍ روسيٍّ بات أكثر تعاطفًا مع ضحايا الفلسطينيين، تتأرجح موسكو بين صوت الضمير وصدى المصالح. إنّ هذا الموقف المزدوج يُعيد طرح التساؤلات القديمة بصيغة جديدة: هل تسعى روسيا إلى استعادة دورها التاريخي كمدافعٍ عن الشعوب المقهورة، أم أنها تكتفي بلعب دور الحكم البارد في معركةٍ تتطلب انحيازًا أخلاقيًا لا دبلوماسية رمادية؟

 

 

الشعوب الأخرى… من صمت الحكومات إلى انتفاضة الضمير

لم يكن التعاطف الروسي استثناءً في هذا السياق؛ فقد تحرّكت موجات الغضب الشعبي في أوروبا، وأميركا اللاتينية، وآسيا، بصورةٍ غير مسبوقة، لتكشف عن فجوةٍ عالمية بين ضمير الشعوب وبرود الأنظمة الرسمية .

في باريس، خرجت مسيرات ضخمة رُفعت فيها صور الأطفال الفلسطينيين، متحدّيةً قرارات الحظر الرسمية. وفي لندن ومدريد وبرلين، صدحت الأصوات تندّد بـ”التواطؤ الغربي” في تبرير الإبادة الجماعية. أما في أميركا اللاتينية، فقد عبّر قادة الرأي والفنانون عن تضامن صريح مع الفلسطينيين، معتبرين ما يجري استمرارًا لحقبة استعمارية بوجهٍ صهيوني جديد .

هذه الموجات الشعبية العابرة للحدود أكدت أن الوعي الإنساني بات أكثر تقدّمًا من الدبلوماسية الدولية، وأنّ صورة إسرائيل كـ”دولة ضحية” قد انهارت تمامًا في عيون الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الدول الحليفة للغرب .

الازدواجية الغربية كمحرّك للغضب الشعبي

إنّ تصاعد الموجة الإنسانية العالمية ضدّ الإبادة في غزة لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة للمعايير المزدوجة التي طبّقها الغرب في التعامل مع الأزمات. فحين اندلعت الحرب في أوكرانيا، تدفّقت المساعدات الإنسانية، وامتلأت الشوارع الأوروبية بالأعلام الصفراء والزرقاء، في مشهدٍ صاغته وسائل الإعلام على أنه “دفاعٌ عن الحرية.

أما حين تعرّضت غزة للحصار والقصف والتجويع، فقد اختفى ذلك الحسّ الإنساني فجأة، وحلّ مكانه خطابٌ تبريري مقيت يصوّر الضحايا كـ”دروعٍ بشرية” والإبادة كـ”دفاعٍ مشروع عن النفس”. هذه الازدواجية الفاضحة فجّرت وعيًا جمعيًا عالميًا جديدًا، وأعادت إلى الأذهان صور الإبادة في البوسنة ورواندا، بل وحتى في أوروبا ذاتها خلال القرن الماضي .

التناقض الروسي: من صمت الدولة إلى صوت الضمير الشعبي

أمام هذه التحولات، يظلّ الكرملين حبيسًا لواقعيته الباردة، متمسكًا بخطٍّ دبلوماسي لا يجرّ موسكو إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الغرب، لكنه في الوقت ذاته يُضعف صورة روسيا كقوةٍ “عادلة” في نظر الشعوب. في المقابل، يتنامى الوعي الشعبي الرافض لهذه الحسابات الضيقة، ليطرح سؤالًا وجوديًا

 

 

هل ما زال بوسع روسيا أن تكون صوت المستضعفين كما كانت ذات يوم؟ أم أنّ الواقعية الجيوسياسية قد أطفأت شعلة الضمير الثوري التي طالما ميّزت روحها؟

إنّ التناقض بين الكرملين وشارع موسكو ليس تفصيلاً عابرًا، بل علامة على تحوّل عالمي أعمق: شعوبٌ تتجاوز حكوماتها أخلاقيًا، وضميرٌ إنسانيٌّ يحاول إعادة تعريف العدالة في زمن تُبرّر فيه الإبادة الجماعية باسم الأمن.

فمن جهةٍ، حرصت موسكو على التنسيق العسكري الدائم مع إسرائيل لتفادي أيّ اشتباكٍ مباشر فوق الأراضي السورية، ومن جهةٍ أخرى، حافظت على تحالفها الاستراتيجي مع إيران وحزب الله، باعتبارهما ركيزتين محوريتين في جبهة الممانعة التي وفّرت لموسكو عمقًا ميدانيًا في معارك تثبيت النظام السوري.

هذا التوازن الدقيق أفرز ما يمكن تسميته بـ الواقعية الروسية الجديدة، وهي مقاربة تقوم على مبدأ “التفاهم مع الجميع، والاصطدام مع لا أحد“، في محاولةٍ لتأمين المصالح دون التضحية بالحياد النسبي أو الدخول في مواجهات مكلفة.

 

 

 

من سوريا إلى غزة: كيف تعيد موسكو هندسة حضورها في الشرق الأوسط بين المصالح والرمزية الأخلاقية

منذ انخراطها العسكري في سوريا عام 2015، أعادت روسيا تثبيت نفسها كفاعلٍ مركزي في هندسة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، متجاوزة مرحلة الغياب التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. إلا أنّ الموقف الروسي من حرب غزة 2023–2025 أعاد طرح سؤالٍ جوهري حول طبيعة هذا الحضور: هل تسعى موسكو إلى بناء نفوذٍ مستدام قائمٍ على الشرعية الأخلاقية والدعم للقضايا العادلة، أم أنها تكتفي بتوظيف حضورها العسكري والسياسي لتحقيق مكاسب آنية ضمن لعبة القوى الكبرى؟

 

 

الجواب يبدو مركّبًا؛ فروسيا اليوم تمارس هندسة دقيقة لحضورها الإقليمي تتجاوز البعد العسكري لتشمل أدوات
الدبلوماسية،الاقتصاد،والطاقة،والإعلام، ولكنّها تواجه معضلةً أخلاقية حقيقية: فبينما تسعى لتقديم نفسها كقوة
“مناهضة للهيمنة الغربية”، تجد نفسها أحيانًا حبيسة منطق المصلحة الذي يفرض عليها مجاراة بعض السياسات الإسرائيلية أو تجاهل جرائمها، حفاظًا على
شبكة توازنات إقليمية معقدة.

 

من الساحة السورية إلى عقدة الشرق الأوسط

لقد كانت سوريا منصة موسكو الأولى لاستعادة موقعها كضامنٍ للأمن الإقليمي وكموازنٍ للدور الأميركي. لكنّ ذلك التدخل العسكري الذي منح روسيا نفوذًا واسعًا في المشرق العربي، جعلها في الوقت ذاته رهينة معادلاتٍ حساسة .

غير أنّ هذا الحذر المفرط الذي حفظ لموسكو نفوذها في الساحة السورية، خصم من رصيدها الأخلاقي في الساحة الفلسطينية. فبينما كانت الشعوب تنتظر موقفًا روسيًا صريحًا في مواجهة الإبادة الجماعية في غزة، اكتفت موسكو ببياناتٍ متوازنة وعباراتٍ رمزية، ما جعل صورتها كقوةٍ مناصرة للمظلومين تتراجع أمام برودة الحسابات السياسية .

 

ترتكز الرؤية الروسية في الشرق الأوسط على ثلاث دعائم استراتيجية مترابطة تُشكّل الأساس الذي تقوم عليه سياساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في الإقليم. فروسيا، التي تسعى منذ عقدين إلى استعادة دورها كفاعلٍ رئيسي في النظام الدولي، وجدت في الشرق الأوسط مسرحًا مثاليًا لاختبار مشروعها المتعدد الأقطاب ومواجهة الهيمنة الأميركية التي تحكم المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.

وفي هذا السياق، تبنت موسكو سياسة تقوم على مزيجٍ من البراغماتية الجيوسياسية والرمزية الأخلاقية، لتظهر كقوة بديلة تتحدث بلغة التوازن بدل الإملاء، وبمنطق الشراكة بدل السيطرة.

 

تسعى موسكو إلى استعادة موقعها كقوة ضامنة للاستقرار العالمي، ولكنها تفعل ذلك من خلال مقاربةٍ تتأرجح بين المصلحة الواقعية والرمزية الأخلاقية التي تمنحها شرعية معنوية لدى الشعوب العربية والإسلامية .

 

أبعاد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط

البعد الأول: دبلوماسية التوازنات المتقاطعة

تعمل موسكو على منع تمدّد النفوذ الأميركي الأحادي من خلال إقامة شراكات متوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى، كإيران وتركيا والسعودية ومصر. هذا النهج الذي يمكن وصفه بـ”دبلوماسية التوازنات المتقاطعة” يهدف إلى تقويض منطق القطب الواحد، وإحلال منطقٍ جديد يقوم على توزيع الاعتماد المتبادل، بحيث تصبح روسيا طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو سياسية تخص المنطقة. وبذلك، تحول الكرملين من مراقبٍ بعيد إلى ضامنٍ للمعادلات الأمنية والسياسية، مستفيدًا من الانكفاء الأميركي التدريجي ومن إرهاق القوى الغربية في حروبٍ طويلة خاضتها دون نتائج حاسمة.

 

البعد الثاني: الدبلوماسية الطاقوية

يتمثل في توسيع الحضور الطاقوي والاقتصادي الروسي عبر ما يُعرف بـ “الدبلوماسية الطاقوية”، وهي إحدى أبرز أدوات النفوذ الروسي المعاصر. فروسيا لم تعد تكتفي بتصدير الغاز والنفط، بل أصبحت تسعى إلى التحكم في مسارات العبور والتوريد والأسواق، وخاصة في شرق المتوسط والخليج العربي. فالموانئ السورية مثل طرطوس واللاذقية، والمشروعات المشتركة مع مصر والإمارات والسعودية، تمثل بنية نفوذٍ طويلة الأمد تتيح لموسكو دمج المصالح الاقتصادية بالأهداف السياسية، وتُكرّس وجودها كقوةٍ لا يمكن تجاوزها في هندسة الطاقة الإقليمية.

 

 

البعد الثالث: الرأسمال الرمزي والأخلاقي

يعتبر الأكثر حساسية، حيث تحاول روسيا توظيف رأسمالها الرمزي والأخلاقي الموروث عن الحقبة السوفياتية، والتي كانت فيها موسكو تُقدّم نفسها كمدافعٍ عن الشعوب المستضعفة في وجه الاستعمار والإمبريالية. غير أن هذا البعد بدأ يتآكل تدريجيًا نتيجة تحوّل الخطاب الروسي من “نصرة الشعوب” إلى “إدارة المصالح”. وقد تجلّى هذا التحوّل بشكلٍ واضح عندما وصف الرئيس فلاديمير بوتين خطة ترامب بشأن غزة بأنها “ضوء في آخر النفق”، وهو تصريحٌ فُسّر على نطاقٍ واسع بوصفه تبريرًا ضمنيًا لتسويةٍ أميركية تُفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري. كذلك، فإن الاكتفاء الروسي ببياناتٍ دبلوماسية باردة تجاه المجازر في غزة أعطى انطباعًا بأن موسكو تخلت عن بعدها الإنساني لصالح براغماتيةٍ صامتة، في وقتٍ كانت فيه الشعوب العربية تتطلع إلى موقفٍ روسي أكثر حزمًا وشجاعة.

 

 

وإدراكًا منها لتراجع بريقها الرمزي في الوعي العربي والإسلامي، حاولت موسكو تعويض هذا الفقد عبر أدوات القوة الناعمة. فقد عززت من حضور وسائل إعلامها الدولية مثل روسيا اليوم وسبوتنيك بالعربية، وأطلقت برامج ثقافية وتعليمية موجهة للعالم العربي، كما نظّمت مؤتمرات ومنتديات للحوار بين الحضارات لتأكيد احترامها للتنوع الديني والثقافي. هذه الجهود تهدف إلى رسم صورة لروسيا كقوةٍ إنسانية تحترم الخصوصيات المحلية، ولا تمارس الهيمنة الأيديولوجية الغربية. غير أن هذا المسار، على أهميته، ظل ناقصًا لأنه لم يُترجم إلى مواقفٍ سياسية ملموسة، إذ ما زالت المجتمعات العربية تنظر إلى الموقف الروسي من خلال مدى التزامه بقضايا العدالة الدولية، وفي مقدمتها فلسطين .

 

لقد مثّلت حرب غزة الأخيرة اختبارًا قاسيًا لمصداقية روسيا الأخلاقية وقدرتها على التصرف كقوةٍ مستقلة تمتلك رؤية عادلة للعالم. ففي حين دعا بوتين إلى وقفٍ فوريٍ لإطلاق النار وانتقد الانحياز الغربي لإسرائيل، لم تُقدِم موسكو على أي مبادرةٍ حقيقية تتناسب مع حجمها الدولي، لا على صعيد عقد مؤتمرٍ دولي، ولا عبر طرح مشروع قرارٍ حاسم في مجلس الأمن، ولا حتى باستعمال أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية للضغط على الأطراف المتورطة. هذا التردد جعل الموقف الروسي يُقرأ على أنه تحفّظ دبلوماسي محسوب أكثر من كونه موقفًا مبدئيًا نابعًا من قناعة أخلاقية. ونتيجة لذلك، ملأت تركيا وإيران الفراغ السياسي بخطاباتٍ ومواقف أكثر وضوحًا، ففقدت موسكو المبادرة الأخلاقية التي كانت تُؤهلها لتكون قطبًا ثالثًا حقيقيًا بين الغرب ومحور المقاومة.

وفي المقابل، يبرر عدد من المحللين الروس هذا السلوك باعتباره تعبيرًا عن العقلانية الواقعية، مؤكدين أن موسكو لا تستطيع المجازفة بعلاقاتها مع تل أبيب نظرًا لحساسية الملف السوري، إذ تمتلك إسرائيل القدرة على إرباك المعادلات الميدانية في سوريا عبر استهداف المواقع الإيرانية، ما قد يُعرض الوجود الروسي للخطر. ومن ثم، فإن موسكو تفضل الحفاظ على توازنٍ استراتيجي يجنّبها الصدام مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، ولو على حساب جزءٍ من مصداقيتها الأخلاقية.

 

وفي خضم هذه التوازنات الدقيقة، تبدو روسيا اليوم في قلب ما يمكن تسميته بـ “الشرق الأوسط الرمادي”، أي فضاء العلاقات المتداخلة بين القوة والمصلحة والرمز. فهي لا تريد أن تكون وريثة الاتحاد السوفياتي في خطابه الأيديولوجي الحاد، ولا أن تتحول إلى قوةٍ تقليدية تحاكي الغرب بأساليبه ذاتها. لذلك نسجت موسكو شبكةً من العلاقات تمتد من دمشق إلى طهران، ومن القاهرة إلى الرياض، قائمة على مبدأ “الربح المتبادل” بدل التحالف المطلق. إلا أن هذا التموضع الرمادي، على الرغم من نجاعته الاقتصادية والدبلوماسية، أفقد السياسة الروسية شيئًا فشيئًا بوصلتها الأخلاقية التي كانت تمنحها سحرها الرمزي في الوعي العربي والعالمي .

 

إنّ غزة اليوم لم تعد مجرد ساحةٍ للنزاع العسكري، بل تحوّلت إلى مرآةٍ أخلاقية للنظام الدولي بأسره، وروسيا ليست بمنأى عن هذا الاختبار. ففي الوقت الذي يبرر فيه الغرب الإبادة باسم الأمن، تلوذ موسكو بالصمت باسم الواقعية، فيدفع الأبرياء ثمن تواطؤ الصمت العالمي.

وبالتالي فإن الموقف الروسي من الإبادة في غزة لا يحدد فقط مكانة موسكو في الشرق الأوسط، بل يرسم ملامح صورتها في الذاكرة الإنسانية: هل ستكون البديل الأخلاقي للنظام الغربي أم مجرد قوةٍ أخرى تعيد إنتاج منطقه بلغةٍ شرقية أكثر نعومة؟

 

 

وما بين دمشق وغزة، وبين حسابات القوة ومنطق العدالة، تعيد موسكو رسم حدود حضورها في فضاءٍ عربيٍّ يبحث عن توازنٍ جديد بين القيم والمصالح. إلا أن سعيها المفرط لتحقيق التوازن بين المصلحة والضمير يجعلها مهددة بفقدان رسالتها التاريخية التي جعلت منها ذات يوم نصيرًا للشعوب المقهورة. فالعدالة الأخلاقية لم تعد ترفًا في عالمٍ مأزومٍ بالازدواجية، بل أصبحت شرطًا أساسيًا للقيادة والشرعية الدولية. وما لم تُدرك موسكو أن الشرعية الأخلاقية هي ما يميز القوة العظمى عن القوة الغاشمة، فإنها ستتحول، من حيث لا تدري، إلى صورةٍ أخرى من الغرب الذي طالما أدانته: قوية في الحسابات، ضعيفة في الضمير .

“بين الواقعية السياسية وامتحان الضمير الإنساني: إلى أين يتجه الموقف الروسي من فلسطين؟”

في نهاية المشهد، تبدو موسكو اليوم أمام اختبارٍ تاريخيٍّ يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة إلى امتحانٍ عميقٍ لضميرها الإنساني. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من رمزية عالمية، لم تعد مجرّد ملفٍّ جيوسياسي أو ورقة تفاوضية في لعبة النفوذ الإقليمي، بل تحوّلت إلى مرآةٍ تعكس مدى صدقية القوى الكبرى في احترامها للقيم التي ترفعها شعارات. وهنا، يظهر التناقض الروسي بوضوحٍ بين خطابٍ يندّد بالهيمنة الغربية ويُدافع عن التعددية القطبية، وبين ممارسةٍ تميل إلى الحذر والبرود حين يتعلّق الأمر بمأساةٍ إنسانية تُبثّ على شاشات العالم لحظةً بلحظة .

 

موسكو والواقع السياسي في الشرق الأوسط

لقد جعلت موسكو من الواقعية السياسية مبدأها الأول في إدارة ملفات الشرق الأوسط، غير أنّ الواقعية إذا فقدت بعدها الأخلاقي تحوّلت إلى نفعيةٍ صامتةٍ تُضعف من مكانة الدولة في الوجدان الإنساني. فروسيا التي قدّمت نفسها كصوتٍ للعدالة الدولية في مواجهة الغرب المتصهين، تجد نفسها اليوم مطالبةً بإثبات أن رؤيتها للعالم ليست مجرّد مواجهةٍ للغرب، بل دفاعٌ عن الإنسان ذاته، أينما كان.

ذلك أن الشعوب – وليس الحكومات – هي التي تُعيد كتابة التاريخ حين تُداس القيم، وتُطفأ العدالة، ويُصمت الضمير.

لا شكّ أن القيادة الروسية تدرك حجم التعقيد الذي يكتنف المشهد الفلسطيني، وأنها لا ترغب في خسارة توازناتها الدقيقة مع كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران والعالم العربي. لكنها في المقابل، تواجه خطرًا استراتيجيًا لا يقلّ خطورة عن أي خسارة مادية، وهو خطر فقدان المصداقية الأخلاقية في عيون الشعوب التي كانت ترى فيها امتدادًا تاريخيًا لمعسكر العدالة والتحرر.

فالموقف من غزة ليس تفصيلًا دبلوماسيًا؛ إنه معيارٌ أخلاقي يُقاس به جوهر أي قوةٍ كبرى تدّعي الدفاع عن تعددية الأقطاب والعدالة الدولية.

 

 

لقد علّمت الحروب الحديثة، من الشيشان إلى أوكرانيا، ومن سوريا إلى غزة، أن السياسة الخالية من البُعد الإنساني تتحوّل سريعًا إلى لغةٍ رمادية لا تترك أثرًا في الذاكرة الجماعية للشعوب. ومن هنا، فإنّ موسكو إن أرادت استعادة دورها كقوةٍ بديلة، فعليها أن تُعيد تعريف الواقعية السياسية لا كفنٍّ للمصالح فقط، بل كمنظورٍ يُزاوج بين حكمة القوة وعدالة المبدأ. فالقوة بلا ضمير ليست سوى ظلٍّ باهتٍ للقيم التي سقطت باسمها إمبراطورياتٌ كثيرة في التاريخ الحديث .

صوت الشعوب… من الغرب إلى موسكو

في موازاة الصمت الرسمي، ارتفع صوت الشعوب في الشرق والغرب على السواء، مُعيدًا الاعتبار للضمير الإنساني الذي حاولت السياسة خنقه. ففي شوارع لندن وباريس ومدريد وواشنطن، خرج مئات الآلاف من المواطنين يرفعون علم فلسطين ويهتفون ضد الإبادة، متحدّين الرقابة والوصاية الإعلامية التي تسعى لتبرير الجرائم باسم “الأمن الإسرائيلي”. هذه الموجة العالمية من الاحتجاجات تُشكّل ما يمكن تسميته بـ “ثورة الوعي الإنساني ضدّ الازدواجية”، حيث لم يعد المواطن الغربي يقبل بأن تُمارس دوله ازدواجية المعايير باسم الديمقراطية أو الدفاع عن الحلفاء .

أما في روسيا، فقد ظهر صوتٌ إنساني موازٍ يعبّر عن تعاطفٍ شعبي صادق مع الفلسطينيين، على الرغم من تحفظ الإعلام الرسمي. فالمثقفون الروس والطلبة ورجال الدين الأرثوذكس والمسلمون عبّروا عن رفضهم للقتل الجماعي وعن إدانتهم للسياسات التي تُشرعن العنف باسم مكافحة الإرهاب. وبرزت في الخطاب الشعبي الروسي مقارناتٌ رمزية بين صمود غزة في وجه الدمار وصمود لينينغراد في الحرب العالمية الثانية، وهو تشبيهٌ يعكس عمق البعد الإنساني في الذاكرة الروسية .

إنّ هذا الصوت الشعبي، سواء في الغرب أو في روسيا، يُعيد التذكير بأنّ الضمير الإنساني لا يخضع لميزان التحالفات، وأنّ الشعوب – مهما خنقها الإعلام والسياسة – تبقى أكثر وعيًا وعدلاً من حكوماتها. فحين تصمت الدول، تتكلم الجماهير، وحين تتواطأ الأنظمة، تنهض الضمائر لتكتب التاريخ من جديد

من الواقعية الصامتة إلى المسؤولية الأخلاقية

التحولات المتسارعة في النظام الدولي تُحتّم على روسيا أن تتجاوز موقع “الوسيط الحذر” إلى موقع “القوة الأخلاقية الفاعلة”. فالمعادلات الجيوسياسية، مهما بدت محكمة، تبقى ناقصة إن لم تستند إلى رؤيةٍ إنسانية تُعطي لسياسة موسكو معناها ورسالتها. إنّ القيادة الدولية لا تُقاس فقط بمدى السيطرة العسكرية أو التأثير الاقتصادي، بل بقدرة الدولة على الدفاع عن القيم الكونية حين يتراجع الآخرون. ومن هنا، فإنّ الموقف الروسي من فلسطين سيُحدّد مستقبل صورتها في الوعي العالمي .

هل تظلّ قوةً عظمى تسعى إلى إعادة توازن القوى، أم تتحوّل إلى قوةٍ رمادية تبحث عن موطئ قدمٍ في صفقات الآخرين؟

إنّ العالم اليوم يعيش ما يمكن تسميته بـ”انقسام الضمير”: ضميرٌ سياسي ملوّث بالمصالح، وضميرٌ إنساني يبحث عن العدالة. وموسكو، إن أرادت أن تكون قطبًا إنسانيًا لا مجرد قطبٍ سياسي، فعليها أن تُصغي لصوت الشعوب لا لصدى الدبلوماسية. فالشعوب لا تنسى المواقف، ولا تُسامح من يساوم على الدماء باسم الواقعية .

الاستشراف: أي مستقبل للموقف الروسي؟

من المرجّح أن تواصل موسكو، في المدى القريب، سياستها الحذرة والمتوازنة حيال الملف الفلسطيني، مع الاكتفاء بخطابٍ نقديٍّ للغرب دون تبنّي مواقفٍ ميدانية حاسمة. لكنّ هذا الحذر، وإن كان يخدم مصالحها الآنية، قد يكلّفها خسارة طويلة الأمد في ميدان الرمزية الأخلاقية، وهو الميدان الذي تصنع فيه الأمم شرعيتها التاريخية .

أما في المدى المتوسط، فإنّ استمرار انهيار صورة الغرب في الوعي الإنساني، نتيجة دعمه الأعمى لإسرائيل، سيفتح لموسكو فرصة استراتيجية لاستعادة خطابها القيمي القديم، إن هي أحسنت توظيفه عبر مبادرات سياسية وإنسانية حقيقية، مثل الدعوة إلى نظام أممي أكثر عدلاً، وإطلاق مبادرات إنسانية مباشرة في غزة والضفة الغربية، والمشاركة في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب .

وفي المدى البعيد، سيبقى مستقبل الدور الروسي مرهونًا بقدرته على دمج الواقعية السياسية بالضمير الإنساني، لأنّ العالم يسير نحو عصرٍ جديدٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على تمثيل الضمير الإنساني، لا فقط بترسانتها العسكرية أو اقتصادها. ومن هنا، فإنّ موسكو أمام خيارٍ وجودي .

إما أن تكون ضمير العالم الجديد الذي يوازن بين العدالة والقوة، أو أن تتحول إلى مجرّد رقمٍ آخر في معادلة القوى التي تقتل باسم المصلحة وتصمت باسم العقلانية .

إنّ الموقف من فلسطين ليس تفصيلًا عابرًا في السياسة الدولية، بل هو ميزان الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. فكما كشفت غزة عريّ الغرب المتحضر، فإنها اليوم تختبر صدق الشرق في شعاراته حول العدالة والتعددية. وبين ضجيج الواقعية السياسية وصوت الشعوب الصاعد من شوارع موسكو وباريس ولندن، يتحدّد مستقبل النظام الدولي القادم: نظامٌ يعيد الاعتبار للإنسان، أو يواصل دفنه تحت ركام المصالح .

وفي هذا الامتحان الأخلاقي، ستُحاكم روسيا – مثل غيرها – لا بما تملكه من صواريخ أو فيتو، بل بما تمتلكه من شجاعةٍ أخلاقية في قول كلمة الحق. فالتاريخ لا يخلّد المتفرجين، بل أولئك الذين جعلوا من السياسة وجهًا آخر للضمير الإنساني .

 

ما بعد الضوء في آخر النفق: إلى أين تمضي روسيا في الملف الفلسطيني؟

الكاتب: الأستاذ الدكتور حكيم غريب – خبير استراتيجي وأمني، الجزائر

🔹 الموقف الروسي الحالي: تحوّل من دعم فلسطيني أخلاقي إلى براغماتية سياسية وواقعية باردة تحاول الموازنة بين المبادئ التاريخية والمصالح الاستراتيجية.

🔹 الاتصال بين بوتين ونتنياهو: مؤشر على سعي روسيا لإعادة تموضعها كمهندس توازن وليس كطرف مباشر في الصراع.

🔹 التناقض الداخلي: الدولة الروسية تتّسم بالبرود الدبلوماسي، بينما الشعب الروسي يعبر عن تعاطف متزايد مع الفلسطينيين، بما في ذلك مثقفون وطلاب ورجال دين.

🔹 الحياد البراغماتي: روسيا تدين الانتهاكات لكنها تتجنب الصدام مع إسرائيل حفاظًا على مصالحها في سوريا والطاقة والدبلوماسية الدولية.

🔹 تراجع البعد الأخلاقي: تصريحات بوتين بشأن خطة ترامب “ضوء في آخر النفق” تعكس تحوّل روسيا نحو لغة “التسوية الممكنة” بدل الخطاب الأخلاقي التقليدي.

🔹 الأبعاد الاستراتيجية لموسكو في الشرق الأوسط:

📌منع التمدد الأميركي الأحادي عبر شراكات متوازنة مع إيران وتركيا والسعودية ومصر

📌 توسيع النفوذ الطاقوي والاقتصادي والسيطرة على مسارات العبور والتوريد.

📌 توظيف الرأسمال الرمزي والأخلاقي الموروث من الحقبة السوفياتية للدفاع عن المستضعفين.

📌🔹 الصراع بين الواقع والمصداقية: حرص موسكو على توازناتها الاستراتيجية أدى إلى فقدان جزء من مصداقيتها الأخلاقية في الشارع العربي

 

  • 📌🔹 الوعي الشعبي العالمي: موجات تضامن واسعة في أوروبا، أميركا اللاتينية، وآسيا، تُظهر فجوة بين ضمير الشعوب وصمت الحكومات

 

  • 🔹📌 الدرس المركزي: الواقعية السياسية دون بعد أخلاقي تتحوّل إلى “نفعية صامتة”، ما يضع روسيا أمام امتحان الضمير الإنساني والتوازن بين القوة والعدالة.

 

📌🔹 الاستشراف المستقبلي:

قصير المدى: استمرار الحذر والدبلوماسية النقدية دون تحرك ميداني.

 

📌متوسط المدى: فرصة لاستعادة الخطاب القيمي عبر مبادرات سياسية وإنسانية.

📌طويل المدى: مصير روسيا مرهون بقدرتها على دمج الواقعية السياسية بالضمير الإنساني، لتكون “ضمير العالم الجديد” أو مجرد قوة رمادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »