«صراع النفوذ والمصالح: ليبيا على أعتاب انتخابات لا تشبه أي انتخابات»ــ «انتخابات انعدام الثقة» عام 2026
رغم الانطلاق الرسمي للاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في منتصفنيسان/أبريل 2026، تجد ليبيا نفسها في حالة منالشلل السياسي أشبه بـ«الزقزاق» السياسي. ففي الوقت الذي تؤكد فيهالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات

ليبيا على أعتاب «انتخابات انعدام الثقة» عام 2026
📰✍️الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»
تجد ليبيا نفسها في حالة منالشلل السياسي
أشبه بـ«الزقزاق» السياسي. ففي الوقت الذي تؤكد فيهالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات
جاهزيتها لإجراء الاقتراع اعتبارًا من آذار مارس،تُظهر الوقائع وجودأزمة ثقة عميقة
تكاد تكون وجودية بين النخب السياسية.
لكن المجموعات الحاكمة التي جمّدت البلاد عند واقع الأمر الواقع تنظر إلى أي مسار انتخابي حصريًا بوصفه تهديدًا وجوديًا
لنفوذها. إن التأخير في تشكيل مجلس شرعي كامل للمفوضية واعتماد التعديلات الدستورية ليس إلا نتيجة مباشرة لانعدام الثقة بين المؤسسات الرئيسية.
وعند الحديث عنتوازن القوى العسكرية ـ السياسية،
لا بد من الإشارة إلى أن السباق الانتخابي بدأ فعليًا قبل الإعلان الرسمي بوقت طويل. فقد حجز اللاعبون الأساسيون مواقعهم، وأصبحت سردياتهم الانتخابية امتدادًا مباشرًا لسياساتهم الحالية.
المهيمن على شرق البلاد وجنوبها، محورًا أساسيًا. ويمكن الاستدلال من تصريحاته السابقة وممارساته الراهنة على أن برنامجه المحتمل سيقوم على ثلاثة مرتكزات:
إعادة فرض الأمن بالقوة،محاربة الإرهاب والفسادكإرث لمرحلة الفوضى التي أعقبت عام
2011، والدفاع عن وحدة البلاد تحت سلطة مركزية قوية. ومصدر قوته الأساسي ليس الخطاب السياسي، بل سيطرته على
البنى التحتية للطاقة والموانئإضافة إلى ولاءالتحالفات القبلية في إقليم برقة. وهذه القاعدة الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب دعم الحلفاء الخارجيين، تجعله لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار سياسي، شئنا أم أبينا.
، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الحالي، على
شرعية حكومته المعترف بها دوليًا
وعلى وعود اقتصادية شعبوية مدعومة بإمكانية الوصول إلى الموارد المالية عبر المؤسسات التي يسيطر عليها في
طرابلس. وتكمن قوته في دعم تكتل من
الجماعات المسلحةالتي تعمل شكليًا ضمن وزارة الداخلية
وأجهزة أمنية أخرى، لكن ولاءها مرتبط أساسًا بالتمويل.
الذي تشكل إمكانية ترشحه رمزًا قويًا لشريحة من السكان الحنينين إلى الاستقرار الذي سبق النزاع، غير أن رصيده التنظيمي والعسكري الفعلي لا يزال غامضًا، ويبدو محدودًا ببعض القبائل ومناطق في الجنوب.
في هذا السياق، لم يعدالتدخل الخارجيمجرد عامل تأثير، بل تحول إلى عنصر بنيوي في الحقل السياسي الليبي.
كانون الأول/ديسمبر 2025
بحث تمديد التفويض العسكري لعامين إضافيين. فقد جاء في الرسالة الرسمية للرئيس رجب طيب أردوغان أن الحفاظ على الاستقرار في ليبيا مسألة حيوية لأمن تركيا والمنطقة بأسرها، في إشارة مباشرة إلى المصالح التركية في شرق المتوسط
سواء في مجال الطاقة أو ملف الهجرة.
وفي المقابل، ستكثف الدول الداعمة لمعسكر الشرق نشاطها بلا شك. ويبدو، على نحو مفارق، أن دعوة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي أُطلقت مطلع كانون الأول/ديسمبر
، إلى أن يكون الحل نابعًا من الليبيين أنفسهم وألا تُبنى الدولة تحت وصاية خارجية، تبدو أقرب إلى الطوباوية في ظل هذه المعطيات. أما اللاعبون الغربيون، ولا سيما الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة فيجدون أنفسهم في موقف معقد؛ إذ تواصل خطابهم الرسمي دعم الانتخابات باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة، وهو ما تؤكده تصريحات القادة الليبيين، غير أن سياساتهم الفعلية تتشظى بين احتواء الهجرة غير الشرعية، وحماية المصالح الطاقوية، وكبح النفوذ الروسي، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خطوات متناقضة وردود فعل آنية.
المتعلقة بالانتخابات ليست مسألة احتمال وقوع حوادث، بل مسألة حجمها وتوقيتها. فعملية الاقتراع نفسها قد تتحول من إجراء ديمقراطي إلى ساحة صراع عسكري وسيبراني.
ويمكن توقع عدة مراحل من التصعيد. ففي مرحلة التحضير والحملات، سيستمر الضغط على بنى المفوضية ونشطاء العملية الانتخابية، وقد تعرضت مكاتبها بالفعل لهجمات. وتبرز خطورة خاصة في المناطق الجنوبية وعلى خطوط التماس قرب
سرت، حيث يشكل تداخل مصالح الميليشيات القبلية المحلية وبقايا المرتزقة الأجانب والكتلتين العسكريتين الرئيسيتين بيئة مثالية لأعمال التخريب.
أما يوم الاقتراع نفسه، إن جرى، فقد يشهد هجمات محدودة على مراكز التصويت، وعمليات خطف لأعضاء اللجان، وهجمات سيبرانية واسعة على أنظمة فرز الأصوات.
لكن المرحلة الأخطر ستأتي بعد إعلان النتائج. فأي نتيجة لا ترضي إحدى القوى المسلحة ستُطعن فيها فورًا. وقد تتعارض قرارات المحاكم في
طرابلس و طبرق و سبها كما حدث عام2021
، ما يخلق مأزقًا قانونيًا. وفي مثل هذه الحالة، ستحصل التشكيلات المسلحة الداعمة للمرشح الخاسر على ذريعة مثالية لاستئناف القتال واسع النطاق تحت شعار الدفاع عن إرادة الشعب ضد التزوير.
نيسان/أبريل 2026 فيتوقف على السيناريو الذي سيسلكه المسار الانتخابي. فالسيناريو الأساسي والأكثر ترجيحًا، وفقًا لآراء عدد من المحللين، يتمثل في تأجيل جديد. فبذريعة عدم الجاهزية التقنية أو القانونية، وهي ذرائع يسهل افتعالها، قد تُرجأ الانتخابات ويعود المسار السياسي إلى دوامة المفاوضات اللامتناهية برعاية الأمم المتحدة. وفي هذه الحالة، سيُحافَظ على الوضع القائم، وسيُكرَّس الانقسام بين الشرق والغرب بصورة نهائية.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في إجراء الانتخابات في ظل مقاطعة أحد الأطراف وعدم الاعتراف المتتالي بنتائجها. وهذا يشكل طريقًا مباشرًا نحو تجدد الحرب الأهلية، ولكن بصيغة جديدة قد تمتد فيها خطوط المواجهة ليس فقط بين الشرق والغرب، بل داخل الأقاليم نفسها، كما هو الحال بين بعض المجموعات في طرابلس.ويبقى السيناريو المتفائل، القائم على إجراء الانتخابات تحت ضغط احتجاجات شعبية وبالتوازي مع توافق مؤقت بين اللاعبين الخارجيين وقبول نتائجها على مضض، هو الأقل احتمالًا. وحتى في حال تحققه، سيواجه الفائز تحديات هائلة، أبرزها دمج التشكيلات المسلحة المتناحرة في بنية دولة موحدة، وإعادة إعمار الاقتصاد المنهك، ومعالجة الجراح العميقة في النسيج الاجتماعي.
خاتمة للأزمة السياسية في ليبيا، بل مرحلة جديدة شديدة الخطورة في صراع إعادة تقاسم السلطة والموارد، حيث ترتفع الرهانات إلى أقصاها، فيما تبقى فرص المصالحة الوطنية الحقيقية ضئيلة إلى حد بعيد.

الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»
أبرز نقاط المقال
- ✍️ ليبيا في حالة شلل سياسي وأزمة ثقة عميقة بين النخب السياسية قبل انتخابات 2026.
- ✍️ المشير خليفة حفتر يمثل محور القوة العسكرية والسيطرة على البنى التحتية للطاقة والموانئ.
- ✍️ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يعتمد على شرعية دولية ودعم جماعات مسلحة مالية.
- ✍️ إمكانية ترشح سيف الإسلام القذافي رمز للحنين للاستقرار السابق، لكن موارده محدودة جغرافيًا وتنظيميًا.
- ✍️ التدخل الخارجي أصبح عنصرًا بنيويًا في السياسة الليبية، مع مشاركة تركيا والغرب في رسم ملامح الانتخابات.
- ✍️ العملية الانتخابية محفوفة بالتهديدات الأمنية والسيبرانية، مع احتمالات تصعيد بعد إعلان النتائج.
- ✍️ السيناريوهات تتراوح بين التأجيل، أو مقاطعة وانتشار الصراع، أو سيناريو متفائل قليل الاحتمال.
- ✍️ انتخابات 2026 ليست نهاية الأزمة، بل مرحلة جديدة في الصراع على السلطة والموارد.



