اخبار دولية
أخر الأخبار

«القبة الذهبية» الأميركية: درعٌ للقرن الـ21 أم شرارة لسباق تسلح جديد؟

«القبة الذهبية» الأميركية: درعٌ للقرن الـ21 أم شرارة لسباق تسلح  جديد؟

 

في مشهد يذكّر بمبادرات الحرب الباردة، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية ليطرح مشروعاً دفاعياً غير مسبوق من حيث الطموح والنطاق: «القبة الذهبية». النظام الذي يُفترض أن يشكّل مظلة صاروخية عملاقة تغطي أجواء الولايات المتحدة وتحميها من أخطر التهديدات الجوية، بما في ذلك الهجمات القادمة من خارج الغلاف الجوي.

 

فكرة «القبة الذهبية» تستند إلى مفهوم مستقبلي معقّد، يدمج بين تقنيات الحرب التقليدية، والدفاع الفضائي، والذكاء الاصطناعي، وقد بدأ البيت الأبيض العمل على تفاصيله مباشرة بعد العودة السياسية لترمب.

 

مشروع عملاق بأبعاد كونية

أعلن ترمب، في مؤتمر صحفي من المكتب البيضاوي، أن القبة الذهبية ستحصل على تمويل مبدئي قدره 25 مليار دولار، على أن تصل تكلفتها الإجمالية إلى نحو 175 مليار دولار. ووفقاً للخطة، يُتوقع أن تدخل المنظومة الخدمة في غضون ثلاث سنوات فقط، وهو ما يعتبره محللون جدولاً زمنياً «طموحاً للغاية» بالنظر إلى تعقيد المشروع.

وأكد ترمب أن المنظومة الجديدة ستكون قادرة على التصدي لهجمات صاروخية مصدرها أي مكان في العالم، أو حتى من الفضاء، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام نقاشات مكثفة حول قانونية وأخلاقيات عسكرة الفضاء.

قفزة عن «القبة الحديدية» الإسرائيلية… نحو مستقبل مملوء بالغموض

أثارت تسمية المشروع تشبيهاً تلقائياً بـ«القبة الحديدية» الإسرائيلية، التي أثبتت فعاليتها العالية ضد الصواريخ قصيرة المدى. غير أن الفارق الجوهري بين النظامين لا يكمن فقط في التقنيات المستخدمة، بل أيضاً في نطاق الحماية. فبينما تغطي القبة الحديدية دولة صغيرة ذات جغرافيا محدودة، يتعيّن على «القبة الذهبية» حماية مساحة تزيد على 9.8 مليون كيلومتر مربع.

يقول جيفري لويس، خبير شؤون الدفاع في معهد ميدلبري: «الفرق بين القبة الحديدية والقبة الذهبية كالفرق بين قارب كاياك وبارجة حربية… الأول محلي والآخر كوني».

 

قيادة فضائية ومشاركة دولية محتملة

عيّن ترمب الجنرال مايكل غيتلاين، من قوة الفضاء الأميركية، لقيادة المشروع، ما يعكس الطبيعة الفضائية المتقدمة للمنظومة. وأشار إلى أن كندا أبدت رغبتها في المشاركة، نظراً لقلقها من تزايد التهديدات العابرة للحدود. وفي حال انضمام دول أخرى، قد يتخذ المشروع بعداً دولياً مشابهاً لتحالفات الناتو الدفاعية، لكن هذه الشراكات تطرح تساؤلات حول السيادة والمعلومات الاستخباراتية المشتركة.

 

انتقادات داخلية… وتقديرات مضاعفة للتكلفة

رغم الدعم الذي أبداه ترمب، يشكك العديد من المشرعين والخبراء في جدوى المشروع من الناحية الاقتصادية والعسكرية. فوفق مكتب الميزانية في الكونغرس، قد تتراوح تكلفة منظومة الاعتراض وحدها بين 161 ملياراً و542 مليار دولار خلال عشرين عاماً، أي أعلى بثلاثة أضعاف من التقديرات الرسمية.

ويرى مايكل أوهانلون من مؤسسة «بروكينغز» أن «القبة الذهبية قد تكون باهظة بلا مردود عملي، خاصة أن تقنيات التصدي للصواريخ الباليستية العابرة للقارات ما زالت تعاني من محدودية في النجاح حتى الآن».

 

موسكو وبكين: «مزعزع للاستقرار» وسابقة خطيرة

لم يتأخر الرد الروسي-الصيني، فقد أدانت موسكو وبكين المشروع بشدة، ووصفتاه بأنه «مزعزع للاستقرار» ويشكّل تهديداً مباشراً للأمن العالمي، ويحوّل الفضاء إلى «ساحة حرب». وأشار بيان صادر عن الكرملين إلى أن «القبة الذهبية تتضمن توسعاً خطيراً للترسانة الفضائية الأميركية، بما يتعارض مع معاهدات الفضاء القائمة».

وذكّر مراقبون بمبادرة «حرب النجوم» التي أطلقها الرئيس رونالد ريغن في الثمانينات، والتي ساهمت في سباق تسلح أنهك الاتحاد السوفياتي وأسهم في انهياره، مما يثير مخاوف من تكرار سيناريو مشابه ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.

 

هل الولايات المتحدة بحاجة فعلاً إلى القبة الذهبية؟

في السنوات الأخيرة، ازدادت التهديدات الصاروخية على المستوى الدولي، لا سيما من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. ووفق «مراجعة الدفاع الصاروخي» الصادرة عن البنتاغون عام 2022، فإن هذه الدول تطور قدرات متقدمة تشمل صواريخ فرط صوتية، طائرات مسيّرة دقيقة، وهجمات سيبرانية محتملة على أنظمة الدفاع.

ومع انخراط الولايات المتحدة في حماية حلفائها من هجمات صاروخية، كما حدث خلال المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، بات من الواضح أن تعزيز الدفاع الصاروخي ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية. ولكن، هل «القبة الذهبية» هي الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك؟

 

تحديات هندسية وسياسية

لا تزال العديد من التفاصيل غير واضحة: كيف ستتعاون الوكالات المختلفة – وكالة الدفاع الصاروخي، وقوة الفضاء، والجيش، والبحرية، وسلاح الجو؟ كيف سيتم التوفيق بين هذه الجهات التي تملك عقائد وتقاليد عمل متباينة؟ وماذا عن المسائل المرتبطة بالخصوصية، والذكاء الاصطناعي، واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي لاعتراض هجوم نووي محتمل؟

كل هذه الأسئلة تؤكد أن الطريق نحو القبة الذهبية لا يزال طويلاً، وأن المشروع – رغم ضخامته – قد يصطدم بعقبات تقنية وبيروقراطية وجيوسياسية معقدة.

خلاصة: بين الطموح والرعب

يمثل مشروع «القبة الذهبية» لحظة فارقة في تطور الاستراتيجيات الدفاعية الأميركية. فهو يجمع بين الخيال العلمي والحسابات العسكرية الباردة، بين طموحات الأمن القومي ومخاطر زعزعة التوازنات العالمية. وإذا كانت «القبة الحديدية» نجحت في حماية إسرائيل في نطاق محدود، فإن بناء درع عالمي للولايات المتحدة قد يُشعل صراعاً جديداً على السيطرة في الفضاء.

هل ستحقق أميركا الحماية القصوى عبر القبة الذهبية؟ أم أنها ستدخل سباقاً مكلفاً في وقت يشهد فيه ال

عالم اضطراباً متزايداً وتفككاً في منظومات الردع القديمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »