اخبار روسيا
أخر الأخبار

ما هي ردود الفعل الروسية المحتملة على الضربات التي استهدفت طائراتها الاستراتيجية؟ هل ينفد صبر موسكو الاستراتيجي هذه المرة؟

اتصل الرئيس بوتين بدونالد ترامب أمس الأربعاء، مؤكدًا أن "هناك سيكون ردٌّ". كما نشرت موسكو معلومات تفيد باستخدام متفجرات أمريكية في الهجمات الإرهابية التي استهدفت خطوط السكك الحديدية.

ما هي ردود الفعل الروسية المحتملة على الضربات التي استهدفت طائراتها الاستراتيجية؟ هل ينفد صبر موسكو الاستراتيجي هذه المرة؟

✍️كتب المحلل والكاتب السياسي الروسي الكسندر نازاروف 

اتصل الرئيس بوتين بدونالد ترامب أمس الأربعاء، مؤكدًا أن “هناك سيكون ردٌّ”. كما نشرت موسكو معلومات تفيد باستخدام متفجرات أمريكية في الهجمات الإرهابية التي استهدفت خطوط السكك الحديدية.

 

برأيي، كلتا الخطوتين مجرد ذريعة، ستار دخان، والرسالة الحقيقية هي أن موسكو وضعت ترامب أمام خيارين: إما تحمّل مسؤولية الهجمات، أو قبول موقف موسكو المتشدد، الذي عُبّر عنه بشكل غير مباشر في محادثات إسطنبول. ستقاتل روسيا حتى النصر، وحتى تقبل أمريكا بجميع مطالبها. ستفعل موسكو ما تراه ضروريًا تجاه أوكرانيا، وإلا فستكون لديها مبررات كافية لاستخدام الأسلحة النووية ضدها وضد دول الناتو، وستُلقي مسؤولية أي تصعيد نووي محتمل على عاتق ترامب.

 

يبدو لي أن حجم وشكل رد روسيا على هذه الهجمات ليس ذا صلة جوهرية، وأن التركيز عليه مبالغ فيه بسبب العواطف قصيرة المدى. صحيح أن روسيا تكبّدت خسائر فادحة في أحد مكونات الثالوث النووي، لكنها لا تُغير ميزان القوى أو نتائج الحرب في أوكرانيا ولو بنسبة ضئيلة، كما أنها لا تؤثر فعليًا في قدرة روسيا على تدمير الغرب.

 

هناك مشكلة أخرى تتمثل في غياب أهداف مماثلة في أوكرانيا لضربة انتقامية. ربما، إلى حد ما، يكون الهدف هو تدمير ليس فقط زيلينسكي، بل قيادة أوكرانيا بأكملها، ولكن فقط بغرض إحداث نوع من الفوضى في حال شن الجيش الروسي هجومًا واسع النطاق. وإلا، فإن زيلينسكي ليس ذا أهمية حاسمة، بل على العكس، وجوده يخدم موسكو، إذ إن قصوره وعدم استعداده لتقديم تنازلات صعبة يبرّران موقفها المتشدد. لذا، أعتقد أن احتمال القضاء عليه ضئيل جدًا.

 

سيتحدد حجم الرد بالحاجة إلى تهدئة الرأي العام، وحتى تُخفف وطأة الدعاية الغربية وتأثيرها في العقول غير الناضجة، قبل أن تُنسى هذه الحادثة. لا أشك في أن الجمهور سينساها خلال أسابيع، كما نُسيت غارة الطائرات المسيّرة على الكرملين، أو انفجار جسر القرم، أو الهجوم السابق على مطار الطيران الاستراتيجي في مدينة إنجلز، أو الهجوم على رادار الإنذار المبكر من الهجمات النووية. لا يوحي مسار الحرب في أوكرانيا بأي تغييرات تصبّ في صالح كييف والغرب، بل على العكس، هناك كل الأسباب لتوقّع تسارع سقوط نظام زيلينسكي. وفي ظل هذه الخلفية، سيخفت سريعًا الانفعال المؤقت حيال الطائرات الروسية.

 

وأود أن أشير إلى أن تصفيق الجمهور أو خيبة أمله، أو حتى تأثير هذه الأحداث على صورة روسيا في الخارج، هي آخر ما يأخذه الكرملين في اعتباره عند اتخاذ قراراته.

 

إذًا، ما الذي سيُحدد الرد؟ وسؤال ذو صلة: لماذا لا يكون الغرب هدفًا مباشرا للرد؟ أنا واثق من أن الضربة ستُوجّه إلى أوكرانيا، لا إلى بريطانيا مثلًا، رغم أن الجزء العاطفي مني يتمنى ذلك بشدة، وهو ما تستحقه لندن لمشاركتها في هذه الاستفزازات…

 

للإجابة على هذا السؤال، علينا أن ننظر إلى ما وراء تداعيات اليوم، ونعود إلى جذور الصراع. هدف الغرب هو إزاحة فلاديمير بوتين وزعزعة الاستقرار الداخلي الروسي، تمهيدًا لتدمير الدولة. قبل أيام قليلة، قال الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في مقابلة إن بايدن أخبره بأنه “يعتقد بضرورة تدمير روسيا”. وأرى أن هذه ليست مجرد كلمات عابرة لرجل مسن، بل تعبير عن إجماع راسخ بين نخب الغرب.

 

دعوني أذكّركم أنه قبل انطلاق العملية العسكرية الخاصة، سبقتها سلسلة من الضربات السياسية والأمنية ضد روسيا. حاول الغرب تنظيم تمرد داخلي من خلال بثّ فيلم من إنتاج وكالة المخابرات المركزية حول ما يسمى “قصر بوتين”، تزامنًا مع عودة نافالني إلى روسيا. كما نُظّمت محاولات انقلابية موالية للغرب في بيلاروسيا وكازاخستان، وركّزت أوكرانيا قوة ضاربة حول دونباس، واضعة موسكو أمام خيارات ثلاثة: إما أن تبدأ العملية بنفسها، أو تقبل بتفكيك الجمهوريتين، أو تخوض حربًا على أراضيها إذا بادرت أوكرانيا بالهجوم.

 

وفي بيلاروسيا، خلال محاولة الانقلاب، كانت القوات البولندية على وشك دخول البلاد، وهو ما كان سيؤدي إلى صدام مباشر بين روسيا وحلف الناتو، لكن لوكاشينكو تمكن من استعادة السيطرة على الموقف.

 

الاستفزازات الحالية لا تختلف في جوهرها عن تلك السابقة، وهدفها هو جرّ موسكو إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب، ما سيُتيح له استخدام تفوّقه التقليدي لهزيمة روسيا ثم تفكيكها وتحويل ما تبقى منها إلى مستعمرات تابعة.

 

صحيح أن روسيا تمتلك ترسانة نووية، لكن أي حرب تقليدية مع الناتو ستكون مضبوطة الإيقاع، تتصاعد تدريجيًا كما يحدث الآن، ولن يكون الرهان على الهزيمة العسكرية المباشرة، بل على استنزاف روسيا وزعزعة استقرارها الداخلي، في ظل السردية الغربية التي تقول: “بوتين هو من بدأ الحرب مع الغرب، وهو من يخسرها”. وفي الوقت ذاته، سيبقى خطر الحرب النووية عند مستوى “مقبول”.

 

في الحرب العالمية الجارية، الجبهة الداخلية هي الجبهة الأهم، وما يجري في ميدان المعركة ثانوي إلى حين اندلاع التفجيرات النووية.

 

لذا، ربما أكون مخطئًا، لكنني لا أعتقد أننا سنشهد ضربة روسية ضد الغرب، رغم تضخيم الدعاية الغربية لأهمية الضربات الأخيرة ومحاولتها دفع بوتين إلى التصرف تحت ضغط الانفعال.

 

في المقابل، تكتسب هذه الهجمات أهمية كبيرة لأنها تُبدّد ما تبقى من شكوك حول اختبار الغرب لفكرة “الضربة الاستباقية” ضد القدرات النووية الروسية وقيادتها السياسية. لقد أثبتت هذه الضربات عمليًا إمكانية تحييد جزء كبير من القدرات النووية لأي دولة، بدءًا بروسيا، باستخدام وسائل غير نووية زهيدة الثمن وسريعة التأثير.

 

في المجتمعات الحيوانية، بما في ذلك الإنسان، لا يحتل قمة الهرم السلطة الأذكى أو الأجدر أو الأقوى، بل الأكثر عدوانية. والأنجلو ساكسون، ككيان سياسي، هم كائنات مفترسة أثبتت مرارًا عبر التاريخ شغفها الهائل بالهيمنة، واستعدادها لتحمّل الألم وخوض المخاطر لتحقيق أهدافها. لذلك، لا أشك في أن احتمال اندلاع حرب نووية يجب أن يُؤخذ على محمل الجد، لأنه في حال خسارة الغرب في أوكرانيا، ستتبخّر فرصه في كبح صعود الصين، ما سيجعل المواجهة المباشرة مع روسيا الخيار الوحيد المتبقي أمامه.

 

أعتقد أن بوتين يُدرك جيدًا أهداف الغرب وفخاخه، ولذلك يتمسك بمبدأ “الصبر الاستراتيجي” بشدة. لكن عليه أيضًا أن يُدرك أن الأحداث الأخيرة قرّبتنا كثيرًا من لحظة الضربة الاستباقية من أحد الطرفين. ويبدو لي أن موسكو بحاجة إلى اتخاذ خطوة تُظهر استعدادها للتصعيد النووي، وإلا فإن الطرف الآخر سيُضاعف استفزازاته، ما يزيد من احتمال الانزلاق نحو تبادل الضربات النووية.

 

لكنني أعتقد أن هذه الخطوة الروسية المحتملة لن تكون ردًا على الوضع الحالي، بل ستأتي في اللحظة المناسبة، بعد هزيمة كييف، لمنع القوات الغربية من دخول أوكرانيا في مرحلة لاحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »