اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب إدريس آيات:ترامب يشعل نيجيريا: كيف صنعت واشنطن وإسرائيل وهمَ “إبادة المسيحيين” ولماذا بدأت الحملة تتوسّع؟

صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغطية إعلامية عن مزاعم -بدعمٍ من إسرائيل- إبادة" الإسلاميين المتطرفين" للمسيحيين في نيجيريا ، وأن أمريكا قد تتدخل عسكريا إن تحلّ الحكومة النيجيرية ذلك.

ترامب يشعل نيجيريا: كيف صنعت واشنطن وإسرائيل وهمَ “إبادة المسيحيين” ولماذا بدأت الحملة تتوسّع؟

✍️ كتب إدريس آيات – أكاديمي وباحث متخصص في الشؤون الإفريقية

صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغطية إعلامية عن مزاعم -بدعمٍ من إسرائيل- إبادة” الإسلاميين المتطرفين” للمسيحيين في نيجيريا ، وأن أمريكا قد تتدخل عسكريا إن تحلّ الحكومة النيجيرية ذلك.
ضجيج هذه الدعاية السياسية الأمريكية ، الذي استند عليه دونالد ترامب كان مستندًا إلى روايات إسرائيلية – تفيد بأنّ “الإسلاميين المتطرفين” يمارسون إبادةً جماعية بحقّ المسيحيين في نيجيريا، وأنّها مجازر تفوق ما يتهم به إسرائيل في فلسطين، بينما ” العالم المسحي” ساكت، ولذا لوّح ترامب بتدخّل عسكري أمريكي إذا ما عجزت الحكومة النيجيرية عن “احتواء الموقف”. في إعادةٍ كاشفة وإنتاج السردية الاستشراقية القديمة بملامح معاصرة، دون اعتبارٍ للحقائق التي يسهل دحضها نظريًا وعمليًا.

فجميع الأرقام، بلا استثناء، الصادرة عن مراكز الأبحاث الغربية نفسها، تُجمع على أنّ النصيب الأكبر من ضحايا الإرهاب يقع في ولايات الشمال ذات الغالبية المسلمة، حيث تنتشر نشاطات جماعة بوكو حرام الموالية للقاعدة، وتنظيم “ولاية غرب أفريقيا” التابع لـداعش.وهذه التنظيمات رسّخت وجودها في بؤر وولايات مثل بورنو وكانو وسوكوتو، وهي ولايات إسلامية خالصة في شمال نيجيريا. صحيح أنّ الإرهابيين لا يسألون ضحاياهم عن معتقداتهم، والمسيحيون جزء من ضريبة الدم، إلا أنّ تقارير الأمم المتحدة تُشير بوضوح إلى أنّ أكثر من ثلثي ضحايا العمليات الإرهابية في نيجيريا هم من أهالي الشمال المسلم، فيما تكاد الولايات المسيحية في الجنوب تخلو من الهجمات الكبرى، ولا تعاني إلا من جرائم اللصوصية والعنف السياسي، وإن كان لبعضها نصيبٌ محدود من الإرهاب.

لكنّ التعقيد لا يقف عند حدود الأرقام؛ فالمسألة تداخلت مع حراكٍ انفصالي قديم لدى قومية الإيغبو المسيحية في الجنوب الشرقي، التي رأت في ضجة ترامب فرصة ذهبية لإحياء مشروعها السياسي، واتخذت من الدين جسرًا لاستدرار التعاطف الدولي.ولعلّ الأخطر أنّها وجدت آذانًا صاغية لدى تيار الإنجيليين الأمريكيين، ولدى بعض رجال الكونغرس المعروفين بتطرفهم الديني وموالاتهم الصلبة لترامب. وتزامن ذلك مع حملة مُكثفة شنتها قنوات إسرائيلية، استغلت المناخ المشحون لتشويه صورة الإسلام في نيجيريا، والتلميح – بخبثٍ واضح – إلى أنّ المسلمين يرتكبون “فظائع” بحق المسيحيين أشدّ مما ارتكبته إسرائيل في غزة، فقط لأنّ الرئاسة النيجيرية يتولاها اليوم رئيس مسلم.

وهكذا، ما إن اشتعلت الشرارة حتى تكالبت القنوات الأمريكية، وحسابات اليمين المتطرف في أوروبا وكندا وبريطانيا ، على تضخيم هذه السردية، رغم أنّ المراكز البحثية المتخصصة نفسها سبق أن نسفتها وأكدت تهافتها وعدم وجود أي سند واقعي لها.

ولم يكد الجدل يخفت، حتى خرج بيرس مورغان – سيّئ الذكر، وصاحب العبارة الشهيرة “هل تدين حماس؟” – ليمنح قناته منبرًا لبعض القساوسة النيجيريين، في مشهدٍ إعلامي بالغ الانحطاط، يؤكّد فيه ضيوفه الادعاءات نفسها دون مستند. والأسوأ أنّ بعض هؤلاء القساوسة كانوا قبل سنوات يؤكدون علنًا أنّ الإرهاب يطال المسلمين والمسيحيين بلا تمييز، ويدعون للوحدة في مواجهته، ثمّ بدأوا اليوم بمسح تلك التغريدات خوفًا من غضب جمهور الإنجيليين والرعاة المتشددين.

وزاد الطين بلّة أنّ الإدارة الأمريكية منحت النجمة الأمريكية ومغنيّة الراب “نيكي ميناج” – المعروفة فقط بعروض التعري والكلمات البذيئة وجاهلة حتى بجغرافيا الولايات المتحدة الأمريكية التي تعيش فيها– منصة أمام الأمم المتحدة 🇺🇳 نهار اليوم للحديث عن “الإبادة المزعومة للمسيحيين في نيجيريا”، في خطوة تعكس السقوط الأخلاقي للإعلام السياسي عندما يتحول إلى سيرك استعراضي لا علاقة له بالعدالة ولا بالحق، ومحاولة تسييس الدين لأجندات جيوسياسية.

نتيجة ذلك كله أنّ نسيج نيجيريا الاجتماعي بدأ يتصدّع بصورة مقلقة: فبعض قوميات الجنوب وخاصة من ” الإيغبو” شنّت هجمات على المسلمين المقيمين في مناطقها، وبدأت مواجهةٌ عقدية تتشكل بين المسلمين من جهة والمسيحيين من جهة أخرى. بل وصل الانقسام إلى داخل الكنيسة نفسها، إذ بات القساوسة الذين يرفضون سردية ترامب يُتّهمون بـ“الخيانة الإيمانية للمسيحية” وجعلوا الانتماء الديني رهينة لولاء سياسي عابر للحدود.

وما يزيد المشهد ريبةً أنّ الجماعات الجهادية التي كان نشاطها، حتى وقت قريب، محصورًا في الولايات الإسلامية في الشمال، حيث سعت إلى إقامة “إمارات” هناك، بدأت – وعلى نحوٍ يثير الأسئلة – في استهداف بعض الكنائس المسيحية منذ أسبوع فقط، بالتزامن مع حملة ترامب الإعلامية. وتوقيت هذه الهجمات يبدو مثاليًا إلى حدّ ينسف فكرة “الصدفة” من أساسها، ويفتح الباب أمام فرضية أنّ هذه التنظيمات الإرهابية تتحرك أحيانًا وفق إيقاع سياسي يخدم مصالح قوى خارجية، وأنّ ما كان يُعدّ سابقًا مجرّد شك بدأ يتحول اليوم إلى يقين أقرب للبداهة.

لكن جوهر المشكلة أعمق من جميع ما سبق، فهنالك محاولة تأديب نيجيريا في قربها مؤخرًا من الصين ومجموعة بريكس، وفرصة أمام إسرائيل لتبييض جرائمها، وصرف النظر الغربي المسيحي عن إبادتها، بخلق إبادة ” إسلامية” مصطنعة في منطقة أخرى، وهذه المنطقة في الوقت ، هي نيجيريا.

🔶 أبرز النقاط في المقال:
  • 📌سردية “إبادة المسيحيين” في نيجيريا تُستخدم لتبرير ضغوط وتدخلات أمريكية–إسرائيلية.
  • ✍️تقارير مراكز الأبحاث والأمم المتحدة تؤكد أن أغلب ضحايا الإرهاب من سكان الشمال المسلم.
  • 📍الحراك الانفصالي لقومية الإيغبو يستثمر الضجة الدينية لتحقيق مشروع سياسي قديم.
  • ⭕️القنوات الغربية وبعض القساوسة غيّروا خطابهم ومسحوا مواقف سابقة تدعو للوحدة ضد الإرهاب.
  • 🔷️منح منصة لرموز استعراضية مثل “نيكي ميناج” في الأمم المتحدة يكشف تسييسًا فجًّا للدين والحقوق.
  • 🗓توقيت استهداف بعض الكنائس بالتزامن مع الحملة الإعلامية يعمّق الشك في توظيف الإرهاب لخدمة أجندات خارجية.
  • 💭الهدف الأعمق: تأديب نيجيريا على تقاربها مع الصين والبريكس، وتبييض جرائم إسرائيل عبر اختراع “إبادة إسلامية” مضادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »