اخبار دولية
أخر الأخبار

ظاهرة زهران ممداني : حدث ام اتجاه؟

لماذا هذا الاهتمام بانتخاب عمدة نيويورك زهران ممداني؟ مع انه فوز "محلي كعمدة لمدينة"؟

ظاهرة زهران ممداني : حدث ام اتجاه؟


✍️كتب الدكتور وليد عبد الحي

🔹 النظام الفيدرالي الأمريكي: الحاكم والعمدة

لكي لا يلتبس الامر على البعض ، من الضروري الاشارة الى ان النظام الفيدرالي الامريكي يفرق وبوضوح بين حاكم الولاية(Governor) وبين عمدة المدينة(Mayor)، فحاكم الولاية هو السلطة العليا في الولاية ،مما يجعل كل مدن او مقاطعات الولاية ضمن سيطرته استنادا للنصوص الدستورية ،ويتم انتخابه من جميع سكان الولاية، وهو من يساهم في اقرار او رفض الهيئات التشريعية في ولايته ،،ويشرف على الحرس الوطني فيها ، وهو من يمثل الولاية امام الحكومة الفيدرالية ، بينما يقتصر دور العمدة على مدينة محددة ،ودوره في اتجاهه العام هو دور خدماتي( الاشراف على شرطة المدينة وتعيين مدراء الدوائر البلدية وتحديد ميزانية المدينة ومواردها…الخ)، ذلك يعني ان العمدة يخضع لحاكم الولاية والسلطة التشريعية للولاية.

وهنا يأتي التساؤل المهم: لماذا هذا الاهتمام بانتخاب عمدة نيويورك زهران ممداني؟ مع انه فوز “محلي كعمدة لمدينة”؟
في تقديري ان الاهتمام نابع من كون ممداني تعبيرا عن تأكيد لتنامي اتجاه(Trend ) اجتماعي سياسي يثير نقاشا واسعا في الادبيات الامريكية حول ” التحول البنيوي” في توجهات (Attitudes) المجتمع الامريكي بمضمون يبدو ان غايته “كسر احتكار” ما يسمى الواسب(WASP)( البيض-الانجلوساكسون-البروتستانت) لمراكز النفوذ وآليات الحراك الاجتماعي السياسي في المجتمع الامريكي.

🔹 زهران ممداني واتجاه التحول البنيوي

ولكن ما هي مؤشرات هذا التحول؟
✍️إن انتخاب ممداني هو تكريس لتوجه يتنامى منذ اكثر من عقد ،وهذا التوجه يتمثل في تزايد في تحولات عميقة تصيب الحزب الديمقراطي بخاصة في شرائح الشباب والاقليات والمنتمين لتيار اليسار التقدمي، واللافت ان هذا التيار يتمدد في عدد من المدن الأخرى.
✍️ تكرار المشهد لتقدم الشرائح الثلاث التي اشرت لها في مدن وازنة مثل نيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو ولوس انجيلوس ،والتي تنزع نحو رفع الضرائب على الطبقات العليا بهدف تعميق العدالة الاجتماعية،بخاصة ان الولايات المتحدة هي الأسوأ بين الدول الصناعية في مؤشر غيني(Gini Index) لعدالة توزيع الثروة.
✍️ اتساع دائرة الطروحات الفكرية الخاصة بالعدالة الدولية ،وهي من ضمن اهتمامات التيار الجديد الذي يولي موضوع غزة ونهب افريقيا والتحرش بامريكا اللاتينة عناية كبيرة ويعتبره انتهاكا للعدالة الدولية.
✍️ يلاحظ ان وسائل التواصل الاجتماعي والتنظيم القاعدي(Grassroots) اضعف الهيمنة التقليدية للاحزاب التاريخية على المجتمع ،فالتنظيمات الشعبية وبتمويل يسير اصبحت قادرة على خلق قدر من التوازن النسبي مع احتكارات ” الواسب ” للفضاء الاعلامي.

ولكن هل من دلائل ميدانية على ما سبق ذكره؟ دعونا نتأمل في الأمثلة التالية:

 

👤 تولت “ميشيل وو” المهاجرة الآسيوية اليسارية رئاسة بلدية بوسطن بشعار العدالة والإسكان منذ 2021.

👤 تولى براندون جونسون الافريقي و المرشح النقابي اليساري عمدة مدينة شيكاغو منذ 2023

👤تولت المرأة السوداء ” كارين باس” منصب عمدة لوس انجيلوس بشعار مكافحة التشرد والعدالة الاجتماعية.

👤 وصول تشيسا بودين لمنصب المدعي لسان فرانسيسكو ،وهو الاكثر تقاربا في توجهاته مع زهران ممداني.

📢 ظهور حركة ” Defund the Police” في مينابوليس التي تسعى لاعادة النظر في آليات العلاقة بين السلطات الامنية والمجتمع.
تلك أمثلة تدعمها مؤشرات تشير الى زيادة وزن المهاجرين والاقليات في المجالس المحلية والكونجرس ،وقد يكون ما يجري حاليا في بنية الحزب الديمقراطي مماثلا لنموذج دور حزب “Tea Party” في الحزب الجمهوري سابقا .

🔹 المستقبل والتحولات الأمريكية

المستقبل:
من الضروري ادراك ان التحولات البنيوية لها ايقاع بطيء، وظاهرة التحول التي نشير لها بدأت بشكل واضح عام 2016 تحت ما اصبح يسمى “التيار التقدمي الحضري”، ولعل فوز ممداني مؤشر على ان هذا الاتجاه ما زال حيويا ،ويبدو ان القلق الشديد لدى ترامب من هذا التيار هو ما يفسر “ردة فعل اليمين الامريكي”.

📍من جانب آخر، فان ثقافة القوة التي تشكل سنام المنظومة القيمية الامريكية ، قد تعيد تكييف مطالب الكتلة” اليسارية المهاجرة الاقلوية” بشكل أطلت بعض ايحاءاته في كاليفورنيا قبل بضعه شهور(واشرت الى تداعيات ذلك)، بخاصة ان الاستقطاب الحالي لا يناظره في التاريخ الامريكي الا مرحلة ستينات القرن الماضي،وهو لا يقتصر على النخب بل يأخذ طابعا “عرقيا دينيا ثقافيا”،ويتعزز ذلك بتراجع في نسب الثقة الشعبية في المؤسسات السياسية الامريكية طبقا لاستطلاعات الراي العام الامريكي .

لكن الضوابط الامريكية غير غائبة عن تفكير المؤسسة الامريكية ، فبعد أحداث الكابيتول عام 2021 اصبحت قوى “الواسب” اكثر يقظة من الناحية الامنية وتساندها قوى الضبط الاجتماعي مثل النقابات والجامعات وبعض النخب الدينية.
ذلك يعني ان احتمالات العنف الرمزي أمر وارد، لكن الحرب الاهلية تبقى بحاجة لاحتقانات اعمق ،وهو ما يعني ان الولايات المتحدة تتجه نحو ” عنف مزمن لكنه منخفض الكثافة “، اي ان مظاهر العنف الرمزي ستتزايد ومدفوعة بصراع هوياتي يجعل فكرة “بوتقة الصهر ” تتحول الى “تعددية متوترة”،وهو ما حذر منه صموئيل هنتينغتون عام 2004 في كتابه :Who We Are: Challenges to American National Identity

ولكن هل يؤثر ذلك على التوجه الخارجي الامريكي؟ ذلك ما سنبحثه لاحقا..

📌 أبرز النقاط التحليلية

  • 📌 النظام الفيدرالي الأمريكي يميز بوضوح بين حاكم الولاية والعمدة من حيث الصلاحيات والمسؤوليات.
  • 📌 الحاكم يتمتع بسلطة عليا على جميع المقاطعات والمدن ضمن ولايته بينما العمدة يختص بإدارة مدينة واحدة فقط.
  • 📌 العمدة يخضع إداريًا وتشريعيًا لحاكم الولاية ويؤدي دورًا خدماتيًا أكثر منه سياسيًا.
  • 📌 فوز زهران ممداني رغم محليته أثار اهتمامًا وطنيًا لأنه يعبر عن ظاهرة اجتماعية–سياسية أوسع.
  • 📌 ممداني يمثل تيارًا تقدميًا يسعى لكسر احتكار الواسب (WASP) للسلطة والنفوذ في المجتمع الأمريكي.
  • 📌 التحول البنيوي الجاري في الحزب الديمقراطي يتجلى في صعود الشباب والأقليات والتيار اليساري التقدمي.
  • 📌 التيار التقدمي الحضري يزداد قوة في مدن كبرى مثل نيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس.
  • 📌 السياسات الجديدة تميل إلى زيادة الضرائب على الطبقات الغنية لتحقيق العدالة الاجتماعية.
  • 📌 الولايات المتحدة من أسوأ الدول الصناعية في توزيع الثروة وفق مؤشر غيني.
  • 📌 التيار الجديد يتبنى قضايا العدالة الدولية: غزة، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
  • 📌 وسائل التواصل الاجتماعي والتنظيم القاعدي أضعفت احتكار الإعلام والسيطرة التقليدية للأحزاب.
  • 📌 أمثلة ميدانية تدعم التحول: ميشيل وو، براندون جونسون، كارين باس، تشيسا بودين، وحركة Defund the Police.
  • 📌 تصاعد تمثيل المهاجرين والأقليات في الكونغرس والمجالس المحلية.
  • 📌 التغير داخل الحزب الديمقراطي يشبه في أثره التاريخي دور حركة Tea Party في الحزب الجمهوري.
  • 📌 التحولات البنيوية بدأت بوضوح عام 2016 مع ظهور التيار التقدمي الحضري.
  • 📌 ردة فعل اليمين الأمريكي بقيادة ترامب تعكس خوفًا من تمدد هذا التيار.
  • 📌 الاستقطاب الأمريكي الحالي هو الأشد منذ ستينات القرن الماضي بطابعه العرقي–الديني–الثقافي.
  • 📌 انخفاض الثقة في المؤسسات السياسية الأمريكية يعمّق الانقسام ويزيد من هشاشة الدولة.
  • 📌 بعد أحداث الكابيتول 2021 أصبحت النخب التقليدية أكثر حذرًا وأقرب للتعاون الأمني–المؤسسي.
  • 📌 الولايات المتحدة تتجه نحو “عنف رمزي منخفض الكثافة” بدلاً من حرب أهلية شاملة، في ظل تعددية متوترة.

✍️ وليد عبد الحي

باحث وأكاديمي مختص في العلاقات الدولية والدراسات المستقبلية. أستاذ العلوم السياسية بجامعة اليرموك، وله مؤلفات عديدة في الفكر السياسي والاستراتيجيات الدولية.
🔗 نبذة موسّعة عن الكاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »