“من رحم الجائحة إلى صناديق الاقتراع: صعود حزب MFG كنموذج جديد للسياسة في النمسا”
في لحظة مفصلية من تاريخ النمسا، وفي خضم التوترات التي فجرّتها جائحة كورونا على المستويين الصحي والاجتماعي، ولدت حركة سياسية جديدة قلبت المعادلات وطرحت نفسها بديلاً حقيقيًا للنخب التقليدية. حزب "الناس – الحرية – الحقوق الأساسية" (MFG) لم يكن مجرد رد فعل مؤقت، بل تعبير صادق عن نبض الشارع، تطوّر سريعًا من تيار احتجاجي إلى قوة سياسية فاعلة تُعيد رسم خريطة الديمقراطية النمساوية.

“من رحم الجائحة إلى صناديق الاقتراع: صعود حزب MFG كنموذج جديد للسياسة في النمسا”
في لحظة مفصلية من تاريخ النمسا، وفي خضم التوترات التي فجرّتها جائحة كورونا على المستويين الصحي والاجتماعي، ولدت حركة سياسية جديدة قلبت المعادلات وطرحت نفسها بديلاً حقيقيًا للنخب التقليدية. حزب “الناس – الحرية – الحقوق الأساسية” (MFG) لم يكن مجرد رد فعل مؤقت، بل تعبير صادق عن نبض الشارع، تطوّر سريعًا من تيار احتجاجي إلى قوة سياسية فاعلة تُعيد رسم خريطة الديمقراطية النمساوية.
تأسيس في قلب العاصفة
تأسس حزب MFG في 2 فبراير 2021، في ذروة الإجراءات الحكومية الصارمة لمكافحة كورونا، وسط سخط شعبي متصاعد على ما اعتُبر آنذاك تعديًا على الحريات الشخصية. الإغلاقات المتكررة، إلزامية ارتداء الكمامات، والتطعيم الإجباري فجّرت مشاعر غضب لدى شرائح واسعة من المواطنين شعروا بأن حقوقهم الدستورية باتت مهددة. وفي مواجهة هذا الواقع، تبنّى الحزب شعار “الحرية أولًا”، معلنًا رفضه لأي تدخل حكومي يتجاوز إرادة الفرد، ومدافعًا عن مبدأ “الاختيار الحر” في القضايا الصحية والاجتماعية.
اختراق انتخابي… ومفاجأة للخصوم
لم تكد تمر أشهر على تأسيسه، حتى قلب حزب MFG موازين المشهد السياسي في ولاية النمسا العليا، محققًا في انتخابات سبتمبر 2021 نسبة 6.23% من الأصوات، ما خوّله دخول البرلمان الإقليمي بثلاثة مقاعد. لم تكن النتيجة مجرد نجاح انتخابي، بل إشارة قوية على حجم القاعدة الشعبية التي بدأت تتماهى مع خطابه، خاصة من بين المتضررين من الإغلاقات وأصحاب الأعمال الصغيرة، وكذلك المشككين في توجهات النخبة السياسية الحاكمة.
لاحقًا، واصل الحزب إثبات حضوره، ففاز بمقاعد في 47 بلدية خلال انتخابات ولاية تيرول، مؤكدًا قدرته على الانتشار خارج معقله الأول.
من شعار الاحتجاج إلى برنامج متكامل
رغم أن انطلاقته ارتبطت بأزمة كورونا، لم يختزل حزب MFG نفسه في هذه القضية فقط، بل سرعان ما طوّر رؤيته ليشمل ملفات وطنية ومجتمعية شاملة، منها:
الدفاع عن الحرية الفردية برفض التطعيم الإجباري كأصل عام.
إلغاء العضوية الإجبارية في الغرف المهنية لضمان استقلال الأفراد.
تعزيز العلمانية من خلال الفصل التام بين الدولة والمؤسسات الدينية.
إدراج مادة “الأخلاقيات” كمادة إلزامية مستقلة في المناهج المدرسية.
إصلاح النظام الضريبي وضمان العدالة الاجتماعية عبر ضرائب عادلة على الشركات الكبرى.
رفع إعانات البطالة إلى 70% من آخر راتب لدعم الفئات العاملة.
الاعتراف بالتعليم المنزلي كخيار متساوٍ مع التعليم النظامي.
حزب من الشعب لا من النخبة
بعيدًا عن النخب السياسية الكلاسيكية، يتألف حزب MFG من مهنيين مستقلين: محامون، أطباء، علماء ومواطنون عاديون، أرادوا استعادة القرار السياسي من قبضة المصالح الحزبية والمالية. ويقدّم الحزب نفسه كـ”منصة شعبية نزيهة”، تُعيد للمواطنين صوتهم الحقيقي من خلال أدوات الديمقراطية المباشرة.
نمو تنظيمي وتغيير قيادي
في فبراير 2023، شهد الحزب إعادة هيكلة داخلية تمثلت في انتخاب يواخيم آيغنر رئيسًا للحزب، بينما انتقل المؤسس مايكل برونر إلى منصب الرئيس الفخري. يضم المكتب التنفيذي عددًا من الشخصيات المؤثرة مثل كريستيان فيالا، داغمار هاوسلر، ومانويل كراوتغارتنر، في مؤشر على توجه الحزب لترسيخ نفسه كقوة مؤسسية دائمة.
وبوصول عدد أعضائه إلى أكثر من 23,000 عضو، أصبح MFG أحد أسرع الأحزاب نموًا في البلاد.
انتقادات لا توقف الزخم
رغم حضوره المتزايد، لا يخلو طريق الحزب من الانتقادات. فخصومه يتهمونه بالشعبوية وترويج نظريات المؤامرة، فيما يتهمه البعض بتقويض الثقة بالمؤسسات العلمية والصحية. لكنّ أنصاره يرون فيه “صوت العقل وسط فوضى القرارات”، ويعتبرونه الضمانة الوحيدة لعدم تكرار تجاوزات السلطة في أوقات الأزمات.
نحو المستقبل: حزب موقت أم قوة دائمة؟
المستقبل القريب سيحمل الإجابة. فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة، يستعد حزب MFG لخوض تحدٍ جديد على مستوى الدولة. وإذا نجح في ترجمة شعبيته إلى حضور وطني قوي، فقد يشهد المشهد السياسي النمساوي تحولًا جذريًا يعكس تغير المزاج الشعبي وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية.
حزب MFG ليس مجرد صدفة سياسية، بل تعبير عن رغبة عميقة في التغيير والعودة إلى المبادئ الأساسية: الناس، الحرية، والحقوق.



