اخبار دولية
أخر الأخبار

ترامب والعلاقات الأميركية _الأوروبية 

ترامب والعلاقات الأميركية _الأوروبية 

✍️بقلم السفير المتقاعد مسعود معلوف 

منذ أن تسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الأولى في مطلع عام 2017، لم يتأخر في اتخاذ مواقف غير إيجابية تجاه الدول الأوروبية الأعضاء مع الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي.

فبدأ بالضغط على تلك الدول بطريقة فوقية لا تخلو من التحذير والتهديد كي تخصص %2% من دخلها القومي على الدفاع، وانتقد بقوة الدول التي لم تحقق ذلك، كما أن علاقاته مع المستشارة الألمانية أنذك أنغيلا ميركل لم تكن جيدة

وانتقاداته اللاذعة لم توفر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وغيره وتذكر جيدا كيف وقف ماكرون وميركل ورئيس حكومة كندا جاستن ترودو في أحد اجتماعات الحلف في بريطانيا مع بعضهم بهروون ويسخرون من ترامب دون علمهم أن أحد أجهزة المايكروفون كان مفتوحا بالقرب منهم بدأ ترامب حملته الانتخابية العام الماضي للعودة إلى البيت الأبيض بإطلاق الوعود المتتالية بإنهاء حرب روسيا على أوكرانيا في اليوم الأول في حال فوزه وحتى قبل تسلمه الرئاسة، كما أنه كان يشيد بعلاقته الجيدة مع الرئيس الروسي بوتين مدعيا أنه يستطيع إقناعه بإنهاء هذه الحرب بصورة فورية، هذا مع العلم ان تصريحاته كانت تشير إلى موافقته على أن تسيطر روسيا على الأراضي الأوكرانية التي احتلتها وعلى عدم إمكانية انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي وهذا فعلا ما يريده بوتين.

النتيجة لمواقفه السابقة والتصريحاته اثناء الحملة الإنتخابية الرئاسية الأخيرة، أعرب بعض القادة الأوروبيين عن تخوفهم من فوز ترامب في هذه الانتخابات وبعد فوزه في الخامس من نوفمبر الماضي ودخوله البيت الأبيض من جديد في العشرين من يناير من هذه السنة، عادت ملامح ابتعاده عن حلفائه الأوروبيين تظهر تباعا.

المؤشرات الأولى السياسة ترامب تجاه الدول الأوروبية بدأت تظهر أثناء زيارة نائبه جاي دي فانس لباريس للمشاركة في اجتماعات دولية حول الذكاء الاصطناعي حيث برزت مواقف متناقضة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة عندما شدد فانس بلهجة فوقية على عدم الموافقة إطلاقاً على الخطوات الأوروبية الآيلة إلى وضع ضوابط وقيود لتطور الذكاء الإصطناعي كما لمح إلى إعادة النظر بالتزامات الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي في حال تعرضت الدول الأوروبية لمنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالسيد ايلون ماسك المكلف من قبل الرئيس ترامب بدراسة كفاءة وجدارة القطاع العام الأميركي وقد أدى ذلك إلى امتعاض واضح من قبل المجموعة الأوروبية.

 

ثم تلا هذا الموقف غير الودي تجاه الدول الأوروبية ما صرح به وزير الدفاع الأميركي بيت هيغيت في اجتماع وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي في بروكسل في الثاني عشر من شهر شباط فبراير حيث أوضح أن على الأوروبيين تأمين الحصة الكبرى من الدعم المادي لأوكرانيا، ملمحا بذلك إلى أن إدارة الرئيس ترامب لن تقدم الكثير من الدعم لهذه الدولة بعد الآن.

 

ثم أعلن بكل وضوح عدم إمكانية انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي مضيفا أنه من غير الواقعي أن تأمل أوكرانيا العودة إلى حدود ما قبل 2014، أي أن شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها روسيا في ذلك العام وحوالي 20% من الأراضي الأوكرانية التي احتلتها روسيا منذ بدأت هجومها على أوكرانيا منذ ثلاث سنوات ستبقى تحت السيطرة الروسية، وهذه أمور لا يمكن أن تقبل بها أوروبا بعد أن اتخذت مواقف داعمة جدا لأوكرانيا ومعادية لروسيا.

 

والخطوة الأخرى التي أبعدت الدول الأوروبية عن الولايات المتحدة كانت الاتصال الهاتفي الذي اجراء الرئيس ترامب مع الرئيس بوتين حول الحرب في أوكرانيا دون إعلام حلفائه الأوروبيين وأوكرانيا بهذا الاتصال إلا بعد انتهائه، كما تلا ذلك عقد لقاء في الرياض بين وزير الخارجية الأميركي ونظيره الروسي بغياب الدول الأوروبية وأوكرانيا

في محاولة لرأب الصدع بين دول الإتحاد الأوروبي من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، قام الرئيس الفرنسي ماكرون بزيارة إلى واشنطن للقاء ترامب وتلاه بعد ذلك بيومين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وبالرغم من مظاهر اللياقة التي شاهدناها في هذين اللقاءين، كان واضحا أن الرئيس الأميركي

لم يغير موافقه تجاه أوكرانيا ويستمر في تصريحاته الخاطئة بأن الولايات المتحدة قد قدمت لأوكرانيا أكثر بكثير مما قدمته الدول الأوروبية، وأن على أوكرانيا أن تقبل بوقف إطلاق النار متهما هذه الدولة بأنها هي التي بدأت الحرب في حين أن الجميع يعلم أن روسيا هي التي اجتاحت أوكرانيا وطوقت العاصمة كييف، وأن الرئيس الأميركي أنذاك جو بايدن عرض على الرئيس الأوكراني زيلينسكي إرسال طائرة خاصة لإخراجه من البلاد، ولكن زيلينسكي رفض الطلب قائلا أنه بحاجة إلى سلاح المقاومة الاحتلال وليس بحاجة إلى وسيلة المغادرة بلاده من التصريحات الأخرى غير المبنية على حقائق التي أطلقها الرئيس ترامب في هذه المرحلة أن الولايات المتحدة ساعدت أوكرانيا منذ بداية حربها بثلاثماية وخمسين مليون دولار، مع العلم أنه طرح في مناسبات أخرى رقم خمسماية مليون دولار بينما الدعم الأميركي لأوكرانيا وفق مصادر أميركية موثوقة لم يتجاوز ماية وعشرين مليون دولار الأرقام المضخمة وغير الصحيحة التي يطلقها ترامب جذافا الغاية منها الحصول من أوكرانيا على حصة كبيرة من منتجات المناجم الأوكرانية الغنية بالمعادن ومنها الليثيوم الذي يستعمل في إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية بعد رفض زيلينسكي طلب ترامب الحصول على كامل الرديات المالية من هذه المناجم الاسترجاع الأموال الأميركية تم الإتفاق بين الرئيسين على أن 

تحصل الولايات المتحدة على نصف هذه الرديات، فتم إعداد مشروع اتفاقية لهذه الغاية ودعا ترامب الرئيس .

الأوكراني لزيارة واشنطن والتوقيع على الاتفاقية والمفاجاة التي شهدها العالم بأسره كانت أن الاجتماع بين الرئيسين تم أمام شاشات التلفزة مباشرة بحضور نائب الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ومستشار الأمن القومي، بينما لم يضم الوفد الأوكراني إلا السفيرة في واشنطن، وشاهد الجميع كيف كان ترامب وثانيه فانس پریخان زيلينسكي ويتهمانه بعدم الوفاء وعدم .

تقديم الشكر للولايات المتحدة، وكان الرئيس ترامب  يلوح باصبعه أمام الرئيس الأوكراني بطريقة تهديدية وانتهى الاجتماع بالطلب من زيلينسكي مغادرة البيت الأبيض كي لا تقول طرده، دون أن يتم توقيع الاتفاق .

هذه الحادثة أثارت الإشمئزاز والكثير من الانزعاج لدى الدول الأوروبية، فتمت دعوة زيلينسكي مباشرة إلى لندن حيث استقبل بحفاوة بالغة كما استقبله الملك تشارلز في القصر الملكي، وتم عقد اجتماع للقادة الأوروبيين الذين أعربوا عن دعمهم التام لأوكرانيا وانزعاجهم القوي من الموقف الأميركي، كما صدر انتقاد لترامب على ابتعاده بهذه الطريقة عن الحليف الأوكراني واقترابه من الرئيس الروسي بوتين الذي تعتبره أوروبا عدوا لها وقد فرضت عليه وعلى دولته عقوبات قاسية.

الوضع كما هو الآن يمكن اختصاره بالقول أن ترامب  أجرى تغييرا جوهريا على سياسة الولايات المتحدة .

تجاه الإتحاد الأوروبي، إذ أن هنالك جفاء واضحا بينه وبين حلقاته الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي.

وتقارباً ملموساً بينه وبين بوتين المعتبر عدوا للولايات المتحدة وعدوا للدول الأوروبية التي هي أصلا أقرب الحلفاء الولايات المتحدة والسؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هو: ما مستقبل العلاقات الأميركية – الأوروبية في عهد الرئيس دونالد ترامب؟ معروف عن الرئيس ترامب أنه ليس لديه استراتيجية رفاته، يطلق الموقف ثم بهمه مصلحته الشخصية قبل واضحة بل هو عفوي في يناقض نفسه دون أي أي شيء مدعيا أنه بذلك هو يسعى إلى تحقيق المصلحة الأميركية العليا، لذلك يستحيل التنيز بما يمكن أن يتخذه ترامب من مواقف في المستقبل المنظور، ولكن ابتعاده حاليا عن أوروبا قد يكون بالنتيجة وعلى المدى الطويل لمصلحة هذه الأخيرة.

فمنذ بضع سنوات عرض الرئيس الفرنسي ماكرون فكرة إنشاء جيش أوروبي مستقل للخروج من تحت المظلة العسكرية الأميركية، ولكن هذه الفكرة لم  تلق في حينه التأييد الكافي، أما الآن، وبعد اجتماع تم مؤخرا للقادة الأوروبيين في بروكسل، تم التوافق ،على ضرورة تخصيص مبالغ اضافية للدفاع والدعم  أوكرانيا، كما حصل تقارب ملفت من بريطانيا باتجاه الإتحاد الأوروبي بعد خمس سنوات على الانسحاب البريطاني من هذا الاتحاد، وكل ذلك كنتيجة لمواقف ترامب السلبية تجاه أوروبا.

كذلك ظهر تقارب قوي فيما بين الدول الأوروبية التي أصبحت ترى في روسيا عدوا لها، وفي الصين منافسا عنيفاً لها، وفي الولايات المتحدة برئاسة ترامب حليفاً سابقا لم يعد من الممكن الاعتماد عليه عند الإضطرار

وقد سمعنا كيف لمح الرئيس الفرنسي ماكرون الى إمكانية تقديم الحماية النووية للدول الأوروبية الأخرى كون فرنسا وبريطانيا وحدهما بين الدول الأوروبية تمتلكان السلاح النووي، كما قال أن مستقبل أوروبا لا يتقرر في موسكو أو واشنطن هذه التطورات من شأنها أيضا أن تنعكس سلبا على سمعة ومصداقية الولايات المتحدة في العالم إذ يتبين أن هذه الدولة العظمى تغير سياستها ومواقفها بتغير الرئيس، وقد شاهدنا ذلك عند السحاب ترامب من عدد من المنظمات الدولية ثم عودة بايدن إليها بعد تسلمه الرئاسة عام 2021 وبعد ذلك انسحاب ترامب مجددا منها في مطلع هذه السنة ولا تعلم ماذا سيحصل عند انتهاء ولايته بعد أربع سنوات.

الإنعكاس السلبي الآخر على الولايات المتحدة سيظهر عبر سعي الاتحاد الأوروبي إلى التقارب مع الصين التي هي المنافس الأكبر للولايات المتحدة إذ تحتاج أوروبا إلى أسواق جديدة بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية عليها، هذا بالإضافة إلى أن الصين ستتمكن من توسيع وجودها ونشاطها في دول أفريقيا بعد أن أوقفت إدارة ترامب نشاط الوكالة الدولية للتنمية التي كانت تؤمن مساعدات اجتماعية وانسانية للدول الفقيرة كما أن أوروبا قد تتمكن أيضا من الحلول بدرجة ما محل الولايات المتحدة في هذا المجال.

يبقى أن الولايات المتحدة، سواء كان ترامب رئيسها أم لاء بحاجة إلى أوروبا في مجالات عديدة بما فيها المجال الدفاعي في حلف شمال الأطلسي الذي تلمحمواقف ترامب إلى احتمال السحاب الولايات المتحدة منه، خاصة بعد أن أعلن أن أميركا لن تساعد الدول الأوروبية التي لم تخصص النسبة المئوية المطلوبة الدفاع في حال تعرضت لاعتداء خارجي، كما أن أوروبا بحاجة إلى الولايات المتحدة دفاعيا، أفلا في المستقبل المنظور، إلى أن تكون قد تمكنت من بناء قدراتها الدفاعية الذاتية، مع التوضيح أن المواقف التي يتخذها ترامب في الوقت الحاضر ليست المصلحة العالم الغربي بصورة عامة، وللولايات المتحدة بصورةخاصة، في ضوء التقدم الصيني والتحالف القائم بين روسيا والصين وكوريا الشمالية وايران، رغم محاولات ترامب غير الناجحة في إبعاد روسيا عن الصين، كل ذلك بالإضافة إلى المواقف غير الودية تجاه الولايات المتحدة التي سببها ترامب بمواقفه العنيفة وتصريحاته الهجومية ضد كل من كندا والمكسيك…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »