التهويل والتشكيك: سلاح معركة الداخل اللبناني… والإعلام جُنّد فيها
في معركة الداخل اللبناني، لم تكن المدافع ولا الطائرات وحدها ما يُقلق الهدوء، بل كانت الكلمات، والعناوين، والنشرات العاجلة التي تُفرغ من شاشات الإعلام كالرصاص. التهويل صار خبزًا يوميًا، والتشكيك أصبح رياضة يمارسها البعض باحتراف، دون حساب للأثر، ودون اعتبار للعقل الجمعي الذي أنهكته الأزمات.

التهويل والتشكيك: سلاح معركة الداخل اللبناني… والإعلام جُنّد فيها
✍️📰بقلم: فاطمة يوسف بصل
في معركة الداخل اللبناني، لم تكن المدافع ولا الطائرات وحدها ما يُقلق الهدوء، بل كانت الكلمات، والعناوين، والنشرات العاجلة التي تُفرغ من شاشات الإعلام كالرصاص. التهويل صار خبزًا يوميًا، والتشكيك أصبح رياضة يمارسها البعض باحتراف، دون حساب للأثر، ودون اعتبار للعقل الجمعي الذي أنهكته الأزمات.
لم تعد القضية أن تنقل خبراً، بل أن تصنعه. أن تشكّك في ثوابت الناس، وتعبث بأعصابهم، وتحوّل كل إنجاز إلى سؤال، وكل صبر إلى استهزاء. في هذا المشهد، الإعلام – أو جزء منه – تحوّل إلى جبهة، لكن ليس في وجه العدو، بل في وجه الحقيقة.
أمثلة جسدت الواقع:
حين صمدت المقاومة أمام التهديدات، خرجت بعض الأبواق تتحدّث عن “أزمات داخلية”، و”مواجهات قادمة”، وعن “انهيار وشيك”… كلها عبارات تُلقى لتقويض الثقة.
وحين وقف الجنوب متماسكًا، تساءلوا إن كانت الصواريخ تُخيف أحدًا أصلًا.
وفي كل مرة يشتد الحصار الاقتصادي، يخرج من يحذّر من “الانفجار الداخلي”، وكأنهم يستدعون الفوضى بالتحليل والتحريض.
نعم، المعركة تغيّرت. بات الإعلام الموجَّه وسيلة لترهيب الداخل، وصناعة الذعر، وتمرير الرسائل السوداء، بدلًا من بناء وعي حقيقي يحمي الوطن من السقوط.
في زمن تتشابك فيه الحقائق مع الأوهام، ويختلط الصوت الصادق بنبرة التهويل، يبقى العقل النقيّ والضمير الواعي هما المعيار الأصدق للثبات. فالمعركة اليوم لم تعد على الجبهات فحسب، بل أصبحت في أذهان الناس، في ثقتهم، في صبرهم، وفي قدرتهم على التمييز بين من يريد بناء الوطن ومن يريد تسويقه كسلعة على موائد الخارج.
إنّ أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُشنّ على الوعي. عندما يُحاصَر الإنسان بالخوف، وتُزرَع فيه بذور الشك، وتُفرَغ روحه من الأمل، حينها تسقط المدن حتى لو لم تُقصف.
لكن لبنان، هذا البلد الذي قاوم بصدور أبنائه، والذي نفض رماد الحروب أكثر من مرة، ما زال قادرًا على الانبعاث. لأن في داخله شعبًا اعتاد أن يقرأ ما بين السطور، أن يفتّش عن النور وسط العتمة، وأن يسمع الحقيقة حتى لو همست وسط صخب الكذب.
التهويل سلاح الجبناء، والتشكيك درع من لا يملك مشروعًا، أما نحن، فمشروعنا هو الحقيقة، والكرامة، والحرية التي لا تُشترى ولا تُباع.
فلنحذر من الحرب على العقول، ولنتحصّن بالمعرفة، والوعي، والانتماء.
ولنتذكّر دائمًا: من لا تهزّه فوضى الإعلام، لا تهزمه عواصف السياسة.
ومن يمتلك الوعي، لا يُهزم حتى لو سقط من حوله كل شيء.



