اخبار دولية
أخر الأخبار

نحو تقسيم غير معلن؟ الفاشر كنقطة تحول في مستقبل السودان

سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في تشرين الأول 2025، يمثل تحولاً استراتيجياً يعيد تعريف طبيعة النزاع السوداني برمته ، بحيث تكتمل سيطرة الدعم السريع على الإقليم، مما يمنحه عمقاً جغرافياً واقتصادياً غير مسبوق، ويؤسس لواقع جديد تتراجع فيه سلطة الدولة المركزية لصالح قوى إقليمية متنازعة.

نحو تقسيم غير معلن؟ الفاشر كنقطة تحول في مستقبل السودان

🧾 ✍️ كتب العقيد المتقاعد محسن الشوبكي

🔴 

سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في تشرين الأول 2025، يمثل تحولاً استراتيجياً يعيد تعريف طبيعة النزاع السوداني برمته ، بحيث تكتمل سيطرة الدعم السريع على الإقليم، مما يمنحه عمقاً جغرافياً واقتصادياً غير مسبوق، ويؤسس لواقع جديد تتراجع فيه سلطة الدولة المركزية لصالح قوى إقليمية متنازعة.

⚙️ السيطرة الميدانية وإعادة توزيع النفوذ

السيطرة على الفاشر تمنح قوات الدعم السريع امتيازات استراتيجية هائلة، أبرزها تأمين خطوط إمداد مفتوحة عبر الحدود الغربية مع تشاد وليبيا، والوصول المباشر إلى مناجم الذهب الحيوية في جبل عامر وغيرها. هذا التحول يغيّر طبيعة الصراع من معركة على العاصمة إلى صراع على ملكية الأقاليم، ويضع الجيش السوداني في موقف دفاعي حرج، خاصة إذا لم ينجح في إعادة التموضع عبر كردفان أو تعزيز عملياته الجوية في الشمال. كما أن هذا التوسع الجغرافي يرسّخ الدعم السريع كقوة أمر واقع، قادرة على فرض شروطها في أي تسوية سياسية محتملة.

🧭 الانعكاسات الاجتماعية والسياسية

لكن البعد الشعبي المحلي في الفاشر يكشف عن مستوى أعمق من التحول، يتجاوز الخرائط العسكرية إلى إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والسياسي في دارفور. فالفاشر كانت حاضنة لآلاف النازحين من مختلف القبائل، ومركزاً لتوازن هش بين مكونات دارفور العرقية والسياسية. انهيار هذا التوازن تحت وطأة السيطرة المسلحة، وما رافقه من فظائع موثقة، لا يهدد فقط حياة المدنيين، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء والانتقام الذي غذّى حروب دارفور السابقة.

شهادات الناجين، التي بدأت تظهر عبر وسائل التواصل، تشير إلى تهجير قسري ممنهج، وانهيار كامل للخدمات الطبية والغذائية، وفقاً لتقارير منظمات مثل “أطباء بلا حدود”. هذا الانهيار الإنساني لا يمكن فصله عن التحول السياسي، إذ إن فقدان الثقة بين المكونات المحلية، وتآكل قدرة الدولة على الحماية، يفتح الباب أمام نشوء سلطات محلية مسلحة ذات طابع قبلي أو جهوي، ما يهدد بإعادة إنتاج نموذج “السلطة المجزأة” الذي عرفته ليبيا واليمن بعد انهيار الدولة المركزية.

⚖️ التحذيرات الأممية والتصعيد

في الجانب الإنساني الأوسع، تشير تقارير الأمم المتحدة، بما فيها بيان المفوض السامي لحقوق الإنسان بتاريخ 25 تشرين الأول 2025، إلى ارتكاب “فظائع واسعة النطاق” و”إعدامات ذات طابع قبلي” في الفاشر، ما يرفع مستوى الأزمة إلى خطر الإبادة الجماعية. هذا التصعيد، الذي يتزامن مع دعم خارجي متزايد للأطراف المتحاربة، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لآليات المساءلة، ويزيد من احتمالية تصنيف الدعم السريع كـ “منظمة إرهابية أجنبية” من قبل الولايات المتحدة، وهو ما قد يغيّر قواعد اللعبة ويقطع شرايين الدعم المالي والتسليحي عن الحركة، ويعيد ترتيب المواقف الإقليمية والدولية تجاه الصراع.

🪖 توازنات القوة والشرعية

سيطرة الدعم السريع على دارفور ترفع سقف مطالبها في أي مفاوضات مستقبلية، وتجعلها تتحدث كسلطة أمر واقع تملك إقليماً شاسعاً. في المقابل، يضعف موقف الحكومة السودانية والجيش، خاصة بعد فقدان حركات دارفور المسلحة لآخر معاقلها، مما يهدد بتفكك التحالف العسكري والسياسي. هذا التعقيد الميداني يُجبر الوسطاء الدوليين، مثل بعثة الأمم المتحدة والرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، بريطانيا)، على إعادة تقييم استراتيجيتهم، حيث أشار تقرير أممي بتاريخ 27 تشرين الأول إلى أن “الحل الدبلوماسي بات شبه مستحيل في ظل التصعيد الدموي”، ما يفتح الباب أمام خيارات أكثر حزماً، مثل فرض عقوبات أشد أو آليات حماية مدنية تحت الفصل السابع.

🧩 السيناريوهات الثلاثة لمستقبل السودان

في ظل هذا الواقع، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية: أولها استمرار سيطرة الدعم السريع على دارفور وكردفان، مما يؤدي إلى نشوء مناطق نفوذ متناحرة تُدار كل منها بسلطة محلية منفصلة، وهو ما يشبه التقسيم الفعلي غير المعلن. ثانيها تدخل دولي تحت الفصل السابع، في حال استمرار الفظائع، قد يشمل فرض آليات حماية مدنية أو حظر الطيران أو تجميد الأصول. أما الثالث، فيتمثل في إعادة تموضع الجيش السوداني عبر تعزيز وجوده في الشرق والشمال، واستغلال الدعم الجوي لإعادة التوازن الميداني، وهو سيناريو محفوف بالتحديات اللوجستية والسياسية.

📘 عن الكاتب

العقيد المتقاعد محسن الشوبكي — باحث في الشؤون السياسية والعسكرية  والإستراتيجية،

 

.

🔶 أبرز النقاط في المقال 

  • سقوط الفاشر تحوّل استراتيجي يعيد تعريف النزاع السوداني.
  • الدعم السريع يرسّخ نفسه كقوة أمر واقع بعمق جغرافي واقتصادي.
  • انهيار التوازنات الاجتماعية يهدد بنموذج “السلطة المجزّأة”.
  • تحذيرات أممية من فظائع قد ترقى للإبادة الجماعية.
  • ثلاثة سيناريوهات: تقسيم فعلي، تدخل دولي، أو إعادة تموضع الجيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »