اخبار دولية

“الشرق الأوسط”: قصة حاكم مصرف لبنان مِن حائز على جوائز عالمية إلى ملاحَق قضائيًا

أشارت صحيفة “الشّرق الأوسط”، إلى أنّه “ليس سهلاً أو عابراً أن يتحول الحائز على عشرات الجوائز العالمية التي تصنفه كواحد من أفضل حكام المصارف المركزية على مستوى العالم، كما مصدر الثقة الأول للبنانيين وحامي ليرتهم، بسحر ساحر، إلى المسؤول الأول عن الانهيار المالي الذي يشهده البلد منذ عام 2019، وإلى مطلوب من السلطات الفرنسية، بعد إصدار القضاء الفرنسي والألماني مؤخراً مذكرات توقيف دولية بحقه، على إثر تغيبه عن جلسة استجوابه في باريس؛ بتهم مرتبطة بـ”اختلاس وغسل أموال وتحويلها إلى حسابات في الخارج وبإثراء غير مشروع”.

 

 

ولفتت، في تحقيق بملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلى أنّ “الرّجل السّبعيني الّذي طالما صُوّر “بطلاً خارقاً”، ومهندس السياسات المالية في مرحلة تعافي الاقتصاد اللبناني بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، والذي يشغل منصب حاكم مصرف لبنان منذ 30 عاماً، أي أحد أطول حكام المصارف المركزية عهداً في العالم، أصبح ومنذ نحو عامين محور تحقيقات قضائية في لبنان والخارج، من دون أن يؤثر ذلك على استمراره في موقعه الذي ينهي ولايته الخامسة فيه نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل، في ظل تفاهم سياسي داخلي وخارجي على عدم التجديد له مرة أخرى؛ واتجاه الأمور لتولي نائبه الأول وسيم منصوري مهامه حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية”.

وركّزت الصّحيفة على أنّه “ليس خافياً أن رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري كان اختار سلامة حاكماً لمصرف لبنان عام 1993، ليكون شريكه في عملية النهوض ببلد نهشته الحرب الأهلية. وبعدما نجح في لجم انهيار العملة اللبنانية وتثبيتها عند حدود الـ1500 ليرة للدولار الواحد، بقرار سياسي واضح كان يتم التصديق عليه مع كل بيان وزاري، فرض نفسه “الحاكم بأمره” بال​سياسة​ النقدية في البلد، مما أدى لتجديد ولايته التي تمتد 6 سنوات لأربع مرات متتالية في 1999 و2005 و2011 و2017″.

وأوضحت أنّ “خلال هذه الفترة، حاز سلامة على أوسمة وجوائز عالمية عديدة أبرزها: أفضل حاكم لمصرف مركزي عربي وأفضل حاكم في الشرق الأوسط أكثر من مرة، كما يعد واحداً من أفضل 9 حكام مصارف مركزية في العالم. أضف إلى ذلك أنه أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك عام 2009”.

كما شدّدت على أنّ “المرحلة الذهبية هذه، التي دامت عشرات السنوات، لامست نهاياتها مع بدء الانهيار الاقتصادي وانطلاق مظاهرات شعبية غير مسبوقة في تشرين الأوّل 2019، ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وبتغليب منطق الصفقات في إدارة البلاد. ومنذ ذلك الحين، وسلامة يسعى لاستيعاب الانهيار الصاروخي للعملة اللبنانية من 1500 ليرة للدولار الواحد لحدود 95 ألفاً للدولار، من خلال إجراءات وتعاميم شتى، يقول خبراء إنها تؤخر الارتطام وتجعل وقعه أخف”.

 

وذكرت “الشّرق الأوسط” أنّ “فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ جمّدت قبل عام، 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية، إثر تحقيق استهدف سلامة وأربعة من المقربين منه، بينهم شقيقه رجا، بتهم غسل أموال و”اختلاس أموال عامة في لبنان بقيمة أكثر من 330 مليون دولار و5 ملايين يورو على التوالي، بين 2002 و2021″. وهو يُحاكم حالياً في لبنان كما في فرنسا ودول أوروبية أخرى”.

 

في هذا الإطار، أفاد الباحث في الشّؤون الاقتصاديّة محمود جباعي، للصّحيفة، بأنّ “بعد عودة الحريري إلى لبنان بعد الحرب الأهلية، وفي ظل الأزمة المالية الكبيرة التي كان يمر بها البلد وانهيار عملته من 3 ليرات إلى 3 آلاف ليرة، استُدعي سلامة نظراً لخبرته العالية بإدارة الملفات النقدية والمالية في العديد من الشركات الدولية. وعندما تسلم الحاكمية، بدأ العمل على تحسين سعر الصرف الذي انخفض من 3 آلاف ليرة إلى 1500 ليرة وصولاً لتثبيته من خلال عدة سياسات وأفكار، منها اجتذاب الرساميل إلى البلد والتوظيفات المالية والودائع الخليجية، إضافة لاستقدام الحريري لمساعدات مالية من خلال مؤتمرات “باريس 1 و2 و3”.

وبيّن أنّ “كل ما سبق أدى لثقة بالحاكم وأكد الحاجة إليه، وهو ما أبقاه في منصبه طوال هذا الوقت، خاصة أنه في كل مرة كان يتعرض فيها البلد لاهتزازات مالية ونقدية، كان يستطيع بسياساته وهندساته تهدئة سعر الصرف، بغض النظر عن التكلفة التي دُفعت من المركزي؛ علماً أن تثبيت سعر الصرف كان يصدر بالبيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة”.

 

من جهتها، اعتبرت الباحثة في الشأنين الاقتصادي والمالي والأستاذة الجامعية ليال منصور، لـ”الشرق الأوسط”، أنّ “تفاهمه مع المنظومة السياسية، سمح ببقائه كل هذه الأعوام في منصبه”، شارحةً أن “الجوائز التي نالها، هي نتيجة نجاح سياسات تثبيت سعر الصرف، خاصة خلال الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي مرت بها البلاد طوال الأعوام الماضية. وبالتالي ما يمكن تأكيده، أن الجوائز لم يحصدها لأنه عمل على تحسين وتطوير الليرة واستيعاب الاستثمارات”.

وأشارت إلى أنّ “سلامة أصاب عندما أتى إلى الحاكمية، فثبّت العملة، لأنه في أي بلد مدولر لا يمكن أن يطبق عليه تحرير العملة. لكن بعد استيعاب المرض كان يُفترض معالجته. بعد عام 2000، شهد البلد مراحل من الاستقرار، وهو أخطأ لأنه لم يضع هدفاً أمامه بتخفيف الدولرة، كما أنه يمكن لومه على النقص بالشفافية وإصراره على القول إن الليرة بخير وبألف خير”.

أمّا الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، فتحدث عبر الصّحيفة، عن “هدف نقدي واضح لسلامة ضمن السياسة الاقتصادية التي وضعها الحريري، وهي استقرار سعر الصرف بهدف استقرار الأسعار عامّة. وهو ما نجح في تحقيقه”.

 

ورأى أنّ “ما احتواء البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة على عبارة “الاستمرار بسياسية الثبات النقدي”، إلا إثبات على هذا الأمر. لذلك من الضروري القول إن الرخاء الاجتماعي الذي عاشه الشعب اللبناني منذ عام 1997 وحتى عام 2019، يعود إلى ثبات العملة، وليس إلى السياسات الاقتصادية للحكومات؛ على الرغم من الظروف السياسية والأمنية التي مرّ بها لبنان. وبالتالي فإن خيار الاستقرار النقدي كان خياراً صائباً”.

في حين ركّز الكاتب والباحث في الشؤون الماليّة والاقتصاديّة مارون خاطر، على أنّ “رياض سلامة ليس حيثية قائمة بذاتها، بل هو جزءٌ من منظومةٍ متكاملة وزّعَت الأدوار فيما بينها، وغالت في المُرور عبر بعض مواد قانون النَّقد والتسليف، وفي تبذير أموال الدولة والمودعين على حدٍ سواء”.

ولفت في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، إلى أنه “إذا كان قانون النقد والتسليف يُلزِم المصرف المركزي بإقراض الدولة بناءً على طلب الحكومة، فهو لا يُلزم حاكماً أن يبقى في كرسيِّه”، مضيفًا: “جعلت استدامة تمويل الدولة للمصارف عبر “المركزي” من رياض سلامه، حاجةً للسياسيين المتعاقبين وهم بأغلبيتهم من الفاسدين. وأمَّنت وفرة التدفقات تمويل الزبائنية السياسية والمحاصصة والفساد، وجعلت الإصلاح غائباً بسبب تضارب المصالح”.

 

وشدد على أنّ “لبنان لم يصل إلى ما وصل إليه لأن سلامة كان حاكماً لمصرف لبنان، بل لأنه كان لصيقاً ببيئة سياسية حاضنة للفساد والهدر والمحاصصة والزبائنية والتبعية، استبدلت بالموقع الوظيفيّ العام شخصه وورّطته. كما أنه في زمن الأزمة الأخيرة، فاضت مَلكَة الحاكم تعاميم وبيانات ومنصات وتدخلات في محاولة للتخفيف من تداعيات، مما تسبب به مع رفاقه في المنظومة من مآسٍ وويلات، تدابيرٌ فيها من التجاوزات والاستنسابية ما يكفي”.

وعن الأخطاء التي ارتكبها سلامة، يقول جباعي: “من يعمل يخطئ. قد تكون هناك بعض الأخطاء التي ارتكبت بالسياسة النقدية، كما أنه قد يكون قد أخطأ بالموافقة على دفع كل هذه الأموال في إطار سياسة الدعم، لكنني لا أعلم إذا كانت القوانين تسمح له بأن يرفض إقراض الدولة، لكنه بكل الأحوال كان يفترض أن يخرج ليوضح للناس أن هذه السياسة خاطئة”.

وأكّد أنّ “مما لا شك به أيضاً أن سلامة اتخذ الكثير من الإجراءات الصحيحة، وخاصة بعد الانهيار، حيث أدار الملف النقدي والاقتصادي بنجاح، وهو ما يجعل قسماً كبيراً من اللبنانيين لا يزال يثق به ويعتبر أنه قادر على لجم سعر الصرف”.

 

ووجد أنّ “بعد حصول الانهيار، حاول فرقاء سياسيون ولا زالوا يحاولون أن يجدوا كبش محرقة للأزمة المالية-النقدية- السياسية، للقول “عفا الله عما مضى”، وهذا هو المسؤول الوحيد عن كل ما حصل، وهذا ما نرى فيه ظلماً وتجنياً”.

 

وأفاد جباعي بأنّ “المركزي يتحمل لا شك جزءاً من المسؤولية المتعلقة بالسياسة النقدية، بموضوع الودائع والتداخل بين خزينة مصرف لبنان والدولة اللبنانية. لكننا طوال السنوات الماضية، شهدنا أزمات سياسية كبيرة فرضت على الحاكم اتخاذ إجراءات للحفاظ على الاستقرار النقدي، لكنها لا شك ليست السبب وراء الانهيار، باعتبار أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت قرار حكومة حسان دياب عدم دفع سندات اليوروبوند، ومن بعده سياسة الدعم التي أدت لصرف 18 مليار دولار من أصل 33 مليار دولار كانت موجودة في (المركزي) عند اندلاع الأزمة؛ وهنا الطامة الكبرى”.

بدوره، ذكر خاطر أن “البعض من باعة المبادئ حاول تحويل سلامة إلى “كبش فداء”، فانضمّوا إلى صفوف الحضور، بل باتوا في صف الهيئة الاتهامية بدلاً من أن يكونوا معه سوياً في القفص”.

أما منصور، فاعتبرت أنّه “لا يوجد بلد مدولر في العالم وغير فاسد، فهذه البلدان تشهد أعلى نسب من الفساد، لأن الدولرة تنعش وتعزز الفساد. لذلك كان يستطيع سلامة وضع خطط لتخفيف الدولرة كما في إسرائيل مثلاً، لكنه لم يقم بذلك طوال 30 عاماً رغم مرور البلد بفترات من الاستقرار!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »