باقلامهمخاص pravdatv
أخر الأخبار

إبادة الفلسطيني عبر محو ذاكرته الثقافية

في الحروب التقليدية يُستهدف الجسد، أما في حروب الإبادة، فالقصد يتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة، ومن الجسد إلى الجوهر. ما يجري في غزة لا يُقاس بعدد الشهداء وحده، بل بما يُطمس من تراث، وما يُباد من إرث، وما يُمحى من ثقافة وهوية. وحين تُقصف المساجد وتُضرب الكنائس، وتُحرق المكتبات وتُغلق المدارس وتُغتال الجامعات، فإن ما يتعرض له الفلسطيني اليوم هو إبادة ثقافية منهجية، لا تقل في معناها وخطورتها عن الإبادة الجسدية

إبادة الفلسطيني عبر محو ذاكرته الثقافية

✍️كتب مهدي العايدي – الباحث والخبير في القانون الدولي

في الحروب التقليدية يُستهدف الجسد، أما في حروب الإبادة، فالقصد يتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة، ومن الجسد إلى الجوهر.

ما يجري في غزة لا يُقاس بعدد الشهداء وحده، بل بما يُطمس من تراث، وما يُباد من إرث، وما يُمحى من ثقافة وهوية. وحين تُقصف المساجد وتُضرب الكنائس، وتُحرق المكتبات وتُغلق المدارس وتُغتال الجامعات، فإن ما يتعرض له الفلسطيني اليوم هو إبادة ثقافية منهجية، لا تقل في معناها وخطورتها عن الإبادة الجسدية

لكن، كيف ينظر القانون الدولي إلى هذا النمط من الجرائم؟ وهل يمكن تصنيف الإبادة الثقافية بوصفها صورة من صور الإبادة الجماعية؟ الإجابة تكمن في قراءة متأنية للسوابق القضائية الدولية، ولمعايير النية الخاصة (dolus specialis) التي تكشف، ولو دون إعلان صريح، مقصد الجريمة الكبرى.

 

إبادة الثقافية… الوجه المُسْتتر لجريمة الإبادة الجماعية

يعد مفهوم الإبادة الثقافية Cultural Genocide من أكثر المفاهيم إثارة للجدل على مستوى الدراسات القانونية في سياق القانون الدولي ، نظرا لعد الاتفاق على تعريفه ، فعلى الرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية (1948) لم تنص صراحة على “الإبادة الثقافية”، إلا أن العديد من فقهاء القانون الدولي يرون أنها تمثل أحد أبرز أوجه النية الإبادية. إنها استهداف متعمد وممنهج لمقومات وجود مجموعة بشرية، من خلال تدمير تراثها، لغتها، دينها، ومؤسساتها التعليمية والثقافية، بهدف محو هويتها وذاكرتها الجمعية.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا (2007) أن النية الخاصة قد تُستشف من نمط الأفعال المتكررة، لا من الأقوال الصريحة وحدها. وصرحت القاضية روزالين هيغينز في معرض قرارها بأن: “التدمير المنهجي لرموز الجماعة – من مقابر، ومدارس، ومساجد، وكنائس – يمثل قرينة على نية محو وجودها المعنوي، بما يتعدى أثر القتل المادي إلى الإبادة الرمزية للجماعة نفسها.”

وفي قضية Prosecutor v. Krstić لدى المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة، رأت المحكمة أن: “تفجير المساجد في سربرنيتسا لم يكن عملًا عسكريًا، بل رمزًا واضحًا على رغبة الجناة في محو الوجود الإسلامي ذاته من المدينة، وهو ما يُسهم في إثبات نية الإبادة.”

كما أكد القضاة في قضية يوغوسلافيا – يوليليتش (2001) أن: “استهداف الثقافة لا يُعدّ فقط جريمة قائمة بذاتها، بل مؤشرًا دالًا على نية الإبادة حين يتم بشكل منهجي ومقترن بأفعال أخرى ضد الجماعة المستهدفة.”

الفقه الدولي يردف المرافعة

يرى الأستاذ ويليام شاباس، william schabas أحد أبرز فقهاء القانون الجنائي الدولي، أن: “الإبادة لا تتطلب بالضرورة قتل كل أفراد الجماعة، بل تكفي نية تدمير الجماعة ككيان مستقل، ويشمل ذلك محو ثقافتها وهويتها ومراكزها الرمزية.”

كما كتب أنطونيو كاسيسي، Cassese Antonioالقاضي الإيطالي البارز: “حين تُستهدف المساجد والكنائس والمكتبات بطريقة متعمدة، فإن ذلك لا يمكن عزله عن الإطار الأوسع للإبادة الجماعية، إذ يصبح المحو الرمزي جزءًا لا يتجزأ من النية الإبادية.”

القانون لا يُعفي الجريمة “الناعمة”

بخلاف الرصاص، لا تترك الإبادة الثقافية جثثًا، لكنها تترك شعوبًا بلا ماضٍ. وهي في جوهرها أكثر خطرًا لأنها تستهدف الذاكرة الجمعية، وتُفقد الضحية حقه في البكاء على رُكام تاريخه.

والمجتمع الدولي، وقد سبق أن اعترف بهذه الجرائم في البوسنة ورواندا وتيمور الشرقية، لم يعد يملك مبرر الصمت. إذ أن نمط الاستهداف في غزة يكرر ذات العناصر: استئصال الهوية، استهداف الدين، تدمير مؤسسات الذاكرة. هذا النمط يشير بوضوح إلى نية تدمير الوجود الفلسطيني ككيان ثقافي وتاريخي.

و في هذا السياق أشار تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان (يونيو 2025): إلى “وجود نمط ثابت لاستهداف مؤسسات التعليم والثقافة والعبادة، بشكل لا يمكن تفسيره كأضرار جانبية، بل كحملة ممنهجة تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الإنساني الدولي، وترقى إلى جريمة حرب، بل وربما إلى الإبادة الجماعية من خلال الوسائل الثقافية.”

غزة… حين يُباد الإنسان من ذاكرته أمام فشل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية

منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2025، لم تشهد غزة فقط حربًا عسكرية تقليدية، بل نمطًا ممنهجًا من استهداف البنية الثقافية، المعرفية والدينية. وهذه أبرز ملامح ذلك التدمير:

التعليم في مرمى النار:

تدمير 403 من أصل 564 مدرسة، وحرمان 658,000 طفل فلسطيني من التعليم.

مقتل 190 أكاديميًا و612 من الطواقم التعليمية.

استهداف مباشر لمقرات جامعية رئيسية، مثل الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر بغزة.

تدمير مركز الأبحاث التابع لوزارة التعليم بالكامل، وإتلاف آلاف الوثائق والأطروحات الجامعية.

دور العبادة… ضحية الصواريخ:

تدمير 55% من المساجد، بينها مسجد السوسي الكبير ومسجد الكتيبة.

قصف كنيسة القديس بورفيريوس التاريخية، التي كانت ملاذًا للنازحين.

تدمير متعمد للمآذن وأجراس الكنائس، كأن الصوتين معًا يراد لهما أن يصمتا.

المكتبات والمتاحف… قتل الذاكرة:

استهداف مكتبة بلدية غزة العامة، واحتراق عشرات آلاف الكتب.

تدمير متحف غزة الوطني، وتهريب أو فقدان عدد غير معروف من القطع الأثرية.

تدمير مركز رشاد الشوا الثقافي، الذي كان مركزًا رئيسيًا للمعارض والمسرح والمعرفة.

إدانة أممية وحقوقية

ختامًا… حين يُقصف الجرس والمئذنة معًا

ما يميز الجريمة في غزة ليس فقط قسوتها، بل رمزيتها العميقة. أن تُقصف المآذن وأجراس الكنائس معًا، فإن رسالة الجاني لا تميز بين مسلم ومسيحي، بل ترى في الإنسان الفلسطيني – بكل ما يمثل من هوية وتاريخ – خطرًا يجب محوه من الوجود.

إن السكوت على محو الذاكرة، هو مشاركة في الجريمة نفسها. وإن التوثيق القانوني والمرافعة القضائية باسم “الإبادة الثقافية” هو واجب المثقف والحقوقي معًا. لأنه – كما قال الشاعر محمد الماغوط – “من يقتل وردة، يقتل البلاد”.

هذه المقالة هي بداية المرافعة… لا نهايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »