في عصر الصورة والبروتوكول… السياسة تختصرها لقطتان
في عصرنا الحالي، لم تعد الكلمات وحدها كافية لصياغة الأحداث التاريخية؛ فالصورة أحيانًا تقول ما تعجز عنه البيانات والتحليلات. والعالم اليوم يقف أمام مشهدين متناقضين يختصران موازين القوى الجديدة بين الشرق والغرب، ويكشفان أبعاد التغيير في السياسة الدولية.

في عصر الصورة والبروتوكول… السياسة تختصرها لقطتان
✍️📰كتبت الإعلامية هند نجم
في عصرنا الحالي، لم تعد الكلمات وحدها كافية لصياغة الأحداث التاريخية؛ فالصورة أحيانًا تقول ما تعجز عنه البيانات والتحليلات. والعالم اليوم يقف أمام مشهدين متناقضين يختصران موازين القوى الجديدة بين الشرق والغرب، ويكشفان أبعاد التغيير في السياسة الدولية.
📹📽️المشهد الأول: قوة الشرق وتوحيد المصالح
من الشرق، تظهر صورة جامعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جينغ بينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يقفون جنبًا إلى جنب في مشهد يتجاوز البروتوكولات التقليدية. هذه الصورة تعكس توحيد المصالح الاستراتيجية، من خطوط الغاز والنفط إلى مشاريع “الحزام والطريق” والتعاون الدفاعي. كما تعكس الصورة استمرارية القيادة السياسية بعد انتخاب بوتين وشي جينغ بينغ، ما يعكس الاستقرار الداخلي وتعزيز النفوذ الإقليمي لأوراسيا.

في جانب العلاقات الثنائية، يبرز عناق بوتين مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي حمل رسالة رمزية واضحة عن التقارب وبناء التحالفات، مؤكدًا أن السياسة تُقرأ أحيانًا من خلال اللقاءات الرسمية والدبلوماسية المباشرة بين القادة.

📽️📹المشهد الثاني: الغرب بين التبعية والانقسامات
على النقيض، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جالسًا على كرسيه العالي، بينما بدا قادة “أوروبا العجوز” كالتلاميذ المكتوفين أمام مديرهم. وفي المقابل، ظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وكأنه “التلميذ المتذمر”، الذي يحتاج إلى دروس خصوصية ليلحق بالآخرين. وأضحت اختيارات زيلينسكي للبدلات والزي الرسمي رمزًا للضغط والتوجيه، حيث حاول إظهار موقف متوازن أمام القوى الغربية، لكنه بدا ضعيفًا مقارنة بالترابط والصلابة في مشهد الشرق.

هذه الصورة تختزل واقع الغرب الجماعي: دول كانت في الماضي قوى استعمارية عظمى، وإذا بها اليوم تتحول إلى ظل للولايات المتحدة، وكومبارس في جوقة يقودها البيت الأبيض، بينما خلف الابتسامات الرسمية تكمن الانقسامات الحادة والاختلافات الجذرية.
البروتوكول السياسي: لغة الإشارات الدقيقة
تاريخ كسر البروتوكولات طويل، لكنه يبعث دائمًا إشارات بعيدة المدى، خصوصًا إذا كانت الدولة الضيف تلعب دورًا محوريًا في الملفات الدولية. البروتوكول السياسي لا يقتصر على استقبال الرؤساء، أو لون السجاد، أو طريقة المصافحة، بل يمتد إلى أدق تفاصيل الزي الرسمي، الذي قد يحمل رسائل سياسية واضحة.
اعتمد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ربطة عنق مطبعة بأبواق خلال اجتماعه التاريخي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو ما فُسّر، وفق الباحث أوكونيل، كإشارة مبطنة لقصة سقوط أسوار أريحا بالأبواق.

وليس ربطات العنق فقط، فقد استخدم الرئيس جورج دبليو بوش ملابس “رعاة البقر” لاستقطاب الناخبين الريفيين، حتى أثناء وجوده في واشنطن.

أما الرئيس باراك أوباما، فقد واجه انتقادات لاختيار بدلة باللون البيج أثناء حديثه عن تنظيم “داعش”، ما اعتبره خبراء ضعفًا للرسالة الرسمية.

كما استخدمت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت الدبابيس أو “البروشات” لإرسال رسائل دقيقة؛ ففي موسكو عام 2000، اعتمدت دبوس القرود احتجاجًا على حرب روسيا في الشيشان،
وقال موقع روسيا اليوم إن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أبلغ نطيره الأمريكى بيل كلينتون عام 2000 أنه كان يقرأ دبابيس أولبرايت. وقال أنه فى أول يوم من محادثات معقدة مع المسئولين الروس بشأن الأسلحة النووية، سألها وزير الخارجية الروسى فى هذا الوقت إيجور إيفانونف، عن دبوس كانت ترتديه على شكل سهم، وقال” هل هذا واحد من صواريخكم المعترضة؟”، فردت أولبرايت قائلة: إنهم، وكما ترى يمكننا أن نصنعها بحجم صغير للغاية، لذا من الأفضل أن تكون جاهزا للتفاوض.

بينما وضعت دبوس نحلة عند لقاء ياسر عرفات عام 1999 كرمز للجهود السلمية.
الخلاصة: الصورة والبروتوكول في قراءة العالم
توضح هذه الأمثلة أن البروتوكول السياسي ليس مجرد مراسم شكلية، بل لغة متكاملة من الإشارات الرمزية، من استقبال الرؤساء، إلى لون السجاد، وطريقة المصافحة، وملابس القادة. وعندما يُقترن هذا البروتوكول بالصور التاريخية للقادة، تتكشف لوحة جديدة للعالم، تتسم بملامح شرقية أكثر وضوحًا، ورسائل سياسية دقيقة تحمل دلالات بعيدة المدى، لتكشف أن قراءة السياسة اليوم تمر عبر الصور، الإشارات الرمزية، واللقاءات الرسمية والدبلوماسية قبل الكلمات نفسها.



