اخبار دولية
أخر الأخبار

الانقلابات العسكرية في إفريقيا… ظاهرة سياسية ممتدة بلا نهاية

لا تزال الانقلابات العسكرية واحدة من أكثر الظواهر رسوخًا في التاريخ السياسي المعاصر، إذ شكّلت، في كثير من الدول، أداة حاسمة لتغيير الأنظمة خارج القواعد الديمقراطية. بعض الانقلابات جاء عبر استخدام القوة المفرطة والإطاحة العنيفة بالحكومات، فيما اتخذ بعضها الآخر طابعًا سريعًا و"ناعمًا" قائمًا على السيطرة على مفاصل الدولة دون مواجهات واسعة.

الانقلابات العسكرية في إفريقيا… ظاهرة سياسية ممتدة بلا نهاية

كتب ✍️

إدريس احميد

صحفي، وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي.

لا تزال الانقلابات العسكرية واحدة من أكثر الظواهر رسوخًا في التاريخ السياسي المعاصر، إذ شكّلت، في كثير من الدول، أداة حاسمة لتغيير الأنظمة خارج القواعد الديمقراطية. بعض الانقلابات جاء عبر استخدام القوة المفرطة والإطاحة العنيفة بالحكومات، فيما اتخذ بعضها الآخر طابعًا سريعًا و”ناعمًا” قائمًا على السيطرة على مفاصل الدولة دون مواجهات واسعة.

وفي الحالتين، يبقى الانقلاب فعلًا استثنائيًا يعيد رسم موازين السلطة من خارج صناديق الاقتراع، مع وعود متكررة بالإصلاح والتنمية، قلّما تتحقق على أرض الواقع.

تنمو هذه الظاهرة غالبًا في بيئات مأزومة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، حيث تعجز الحكومات المدنية عن بناء مؤسسات قوية، وتتآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويتفشى الفساد، ويتدهور مستوى المعيشة، فيغدو الجيش ـ باعتباره المؤسسة الأكثر تنظيمًا ـ جاهزًا لملء الفراغ وتولي السلطة.

ولئن شهد العالم انقلابات في مناطق عدة، فإن القارة الإفريقية تبقى النموذج الأكثر تعبيرًا عن هذه المعضلة. فمنذ استقلال دولها في ستينيات القرن الماضي، تحولت إفريقيا إلى مسرح متجدد للانقلابات، حتى باتت بعض الدول تُعرَف بعدد المحاولات الانقلابية التي مرّت بها أكثر مما تُعرَف ببرامجها الإصلاحية أو تجاربها الانتخابية. فقد سجّلت القارة أكثر من
215 محاولة انقلابية خلال سبعة عقود، نجح نحو نصفها في الإطاحة بالسلطات القائمة، فيما شهدت السنوات بين
2019 و2023وحدهاعشرانقلابات ناجحة و
ثماني
محاولات فاشلة، في دول مثل مالي، السودان، غينيا، تشاد، بوركينا فاسو، النيجر، والجابون، ما يدل على عودة قوية لهذا النمط من تغيير الحكم.

تكمن جذور الظاهرة في بنية المجتمعات الإفريقية ذات التعددية الإثنية، حيث يتحول الانتماء القبلي أو العرقي إلى أداة تعبئة سياسية، في ظل عجز الأنظمة عن بناء دولة قادرة على إدارة التنوع.

كما أسهمت الأبوية السياسية وشخصنة السلطة ومحاولات توريث الحكم في خلق نظم مغلقة تخشى التداول السلمي للسلطة، ما جعل الانقلاب، لدى بعض الفاعلين، خيارًا “عمليًا” لتجاوز انسداد السياسة. ويضاف إلى ذلك الدور المحوري للعلاقات المدنية–العسكرية، حيث تعتمد الأنظمة على الجيش للحفاظ على بقائها، فتتآكل الحدود بين المؤسستين، ويتحول الجندي من حارس للدستور إلى لاعب سياسي مباشر.

حاول الاتحاد الإفريقي كسر هذه الحلقة عبر “الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم”، الذي يحظر الاستيلاء على السلطة بالقوة ويمنحه حق فرض عقوبات على الأنظمة الانقلابية. غير أن التطبيق لم يرقَ إلى مستوى التحدي، حيث تجاهلت حكومات عسكرية قرارات الاتحاد، مثلما حدث في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ما جعل القرارات الإقليمية أقرب إلى نصوص بلا قوة إلزامية.

ولا يمكن إغفال البعد الخارجي في هذه الظاهرة، إذ تتحول بعض الدول الإفريقية إلى ساحات تنافس بين قوى دولية وإقليمية تبحث عن مكاسب استراتيجية، خصوصًا في المناطق الغنية بالمعادن والموارد، حيث تغدو الانقلابات جزءًا من لعبة نفوذ تتجاوز حدود الدولة، ويصبح الجيش المحلي طرفًا ـ مباشرًا أو غير مباشر ـ في صراع جيوسياسي أكبر.

تكشف التجربة الإفريقية أن الانقلابات ليست مجرد انتقال قسري للحكم، بل تعبير عن أزمة بنيوية في الدولة الوطنية، وأزمة ثقة في السياسة، وانهيار لمشروع بناء المؤسسات القادرة على حماية الديمقراطية. وما لم تُعالج جذور هذه الأزمات عبر تنمية عادلة، وتوزيع متوازن للسلطة، وترسيخ دولة القانون، ستظل الانقلابات خيارًا حاضرًا في الذاكرة السياسية الإفريقية، يتكرر كلما تهيأت الظروف.

يبقى السؤال مفتوحًا أمام حاضر القارة ومستقبلها: هل تمتلك إفريقيا الإرادة والقدرة على كسر هذه الحلقة التاريخية، أم أن الانقلابات ستظل قدرًا يتجدد بأسماء وشعارات مختلفة، بينما تبقى الشعوب رهينة معارك السلطة التي لا تنتهي؟

🔶 أبرز نقاط المقال

✍️إفريقيا شهدت أكثر من 215 محاولة انقلاب منذ الاستقلال.

✍️عشر انقلابات ناجحة بين 2019 و2023.

✍️أزمات سياسية واقتصادية تغذي الظاهرة.

✍️العلاقات المدنية–العسكرية عنصر حاسم في الانقلابات.

✍️تدخل القوى الدولية يعمّق الأزمة في دول غنية بالموارد.

✍️غياب آليات فعالة لدى الاتحاد الإفريقي لوقف الانقلابات.

إدريس احميد

صحفي، وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »