الخطر الحقيقي على سوريا ولبنان
دمشق في خطر، وكذلك بيروت. وبعيداً عن قصص "دمشق لنا إلى يوم القيامة" وعاصمة بني أمية وغيرها من الشعارات والملاسنات التاريخية التي لا معنى لها في الواقع ولا في المستقبل، فإن دمشق اليوم – للأسف – تحت رحمة غارات ونيران كيان الاحتلال الإسرائيلي.

الخطر الحقيقي على سوريا ولبنان
✍️كتب عبد الحليم قنديل
دمشق في خطر، وكذلك بيروت. وبعيداً عن قصص “دمشق لنا إلى يوم القيامة” وعاصمة بني أمية وغيرها من الشعارات والملاسنات التاريخية التي لا معنى لها في الواقع ولا في المستقبل، فإن دمشق اليوم – للأسف – تحت رحمة غارات ونيران كيان الاحتلال الإسرائيلي.
وقد يُقال إنها كانت كذلك في عهد “بشار”، الذي لا يبكيه أحد عاقل، وهذا صحيح تماماً. لكن دمشق انزلقت مع هروبه وبعده إلى هوة دمار سحيقة، وانقضى ذكر الجيش السوري، الذي جرى تسريحه قبل “التغيير” في ملابسات لا تزال غامضة، ثم جرى حله رسمياً، وإلغاء مبدأ التجنيد الوطني العام، تماماً كما جرى في العراق بعد غزو الاحتلال الأمريكي وتوابعه.
وانتهينا إلى انكشاف مرعب، دُمّرت معه إسرائيل كل مقدرات السوريين العسكرية ذات القيمة برّاً وجوّاً وبحراً، وصرنا أمام فصائل متناحرة، وحملات استنفار وتكفير ومجازر تهدد بحرق ما تبقى من سوريا، وتدمير وحدتها المركزية حول العاصمة دمشق، والاتجاه إلى تحويل البلد إلى كانتونات باسم “الفدرلة” واللامركزية، وإذكاء احترابات الدم الأهلية والطائفية والعرقية والقبلية.
الأخطر هو استنجاد أطراف مريبة بكيان الاحتلال “الإسرائيلي”، الذي دخل مباشرة بالنار على خطوط الدم. وقد لا يكون هذا هو الوقت المناسب لتوزيع الاتهامات في محنة سوريا، لكن طلب النجدة من العدو المحتل الذي لا يزال يحتل هضبة الجولان (1860 كم²) ويضيف إليها قرابة 700 كم² في جبل الشيخ والجنوب السوري، مع فرض نزع السلاح جنوب دمشق – هو خيانة لا ريب فيها.
لا تقل عنها خطورة سياسة الاستنجاد بالأمريكيين، وطلب العطف من إدارة دونالد ترامب ومبعوثه إلى سوريا ولبنان “توماس براك”، الذي يُقال إنه من أصول لبنانية، لكنه في السياسة “إسرائيلي” أكثر من الإسرائيليين أنفسهم. براك – سفير واشنطن في تركيا – تمثل بلاده النفوذ الجديد في سوريا بعد طرد النفوذ الإيراني مع ذهاب حكم “بشار” الافتراضي.
تركيا لا تميل إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، كما أن الأطراف الخليجية الداعمة للوضع الحالي في سوريا لا تخطر على بالها المواجهة مع كيان الاحتلال. بعضها منغمس في الاتفاقات الإبراهيمية، والبعض الآخر يسعى للالتحاق بالقطار، حتى لو كان الثمن هو تطبيع سوريا المنهكة جزئياً أو كلياً بدعوى الاستثمار.
أما إسرائيل وأمريكا فلديهما حسابات مختلفة، تسعيان من خلالها لإلحاق سوريا كاملة بظل السيف الإسرائيلي، ونشر الفوضى وإدامة الحروب الأهلية، وإقامة “ممر داوود” من السويداء عبر دير الزور إلى شمال شرق سوريا حيث نفوذ الأكراد و”قسد”. سوريا بالنسبة لهما غنيمة حرب، وساحة مثالية للتقسيم الطائفي والعرقي، وقلب مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
الخطة الإسرائيلية، التي نُشرت منذ أكثر من أربعين سنة في وثيقة “استراتيجية إسرائيل في الشرق الأوسط”، تهدف لإقامة خمس دويلات متناحرة في سوريا، تتلاشى معها أي قدرة على تهديد إسرائيل، وتحظى بدعم تلقائي من واشنطن، سواء كانت الإدارة جمهورية أو ديمقراطية.
ورغم تسريبات “المعارضة” في واشنطن لسلوك حكومة الاحتلال في سوريا، فإن الحقيقة كشفها براك حين وصف الغارات الإسرائيلية على وزارة الدفاع السورية والقصر الجمهوري بأنها “في توقيت غير مناسب”، مضيفاً ضرورة “محاسبة الحكومة السورية” على الانتهاكات. وهو نفسه الذي سبق أن شجّع دمشق ودعا لرفع العقوبات عنها، قبل أن يوضح لاحقاً من بيروت: “نحن – أي واشنطن – لا نستطيع إلزام إسرائيل بشيء، لا في سوريا ولا في لبنان”.
تصريحات براك لم تترك مجالاً للشك: واشنطن شريكة في العدوان، وتطبق سياسة واحدة في سوريا ولبنان، برغم الفروقات الشكلية بين الوضعين. أمريكا لا تمانع في وجود “المقاتلين الأجانب” من الشيشان والإيجور، لكنها تتحسس من وجود مقاومين فلسطينيين. كل ما تريده واشنطن هو ألا يُفكر أحد في معاداة إسرائيل، ولو حتى بالنوايا.
أما وساطات براك “السامة”، فهي تهدف لنزع سلاح “حزب الله”، وإخلاء لبنان كما سوريا من أي مقاومة. بدأ ذلك بخديعة مفادها أن نزع سلاح الحزب سيقابل بانسحاب إسرائيلي من الجنوب. لكن حين ردت “الترويكا اللبنانية” (الرئاسة، الحكومة، مجلس النواب) بطلب البدء بالانسحاب، تراجع براك وقال إن واشنطن “لا تستطيع إلزام إسرائيل بشيء”.
الهدف الحقيقي: إشعال لبنان داخلياً، ودفع الجيش لصدام مسلح مع حزب الله، وتحشيد جماعات لبنانية موالية لإسرائيل ضد الحزب، وفتح المجال لتدخل إسرائيلي مباشر في حرب أهلية لبنانية جديدة. كل ذلك بهدف تمزيق لبنان طائفياً، ومد الاحتراب إلى سوريا، وإثارة الثارات بين السنة والشيعة في الإقليم كله.
وقد يكون من المفيد استدعاء الحكمة والعقل لتجنب مصائر مرعبة يُراد فرضها على سوريا ولبنان معاً. لكن الضمانة الكبرى تبقى في كشف الخطر الحقيقي، ومواجهة خطط وقوات العدو الأمريكي الإسرائيلي، فهم أساس الفتنة، قبل فصائل وزعماء الطوائف والقبائل.



