
الرحيل الذي لم يُكتب له وداع: زياد وبيروت في مشهد أخير
خاص pravda tv
زياد الرحباني مات.
لكن الجملة لا تكتمل، وكأن شيئًا ما ينقصها كي تُصدق. ليس لأنه لا يموت، بل لأنه أكبر من الغياب. رحل زياد، وترك خلفه بيروت أقلّ اتزانًا، أكثر وحدة، مدينة تنظر حولها فلا تجد من يكتبها، أو يستهزئ بها بنيّة الحب، أو يضع وجعها في مقامٍ موسيقيّ ساخر وموجع في آنٍ معًا. لم يكن زياد مجرد فنان. كان مزاج مدينة، وكان ملامح جيلٍ نشأ على الحافة بين ضحكة مرّة وشتيمة صادقة، وكان ذاك “النزيل الأبدي” في فندق بلا نزلاء اسمه “نُزُل السرور”، حيث لا مكان للفرح، بل للنقاش الحاد، والعبث الجميل، والانكسار الذي لا يُخجل أحدًا.
ابن فيروز، ذلك الصوت الأسطوري الذي حمل في طياته روح لبنان وأحاسيسه، أخذ من أمه وهج الضوء ودفء الحكاية، لكنه اختار أن يسير في دروب مختلفة، حيث لا يكتفي بالغناء للفرح أو الحزن، بل بالغناء للحقيقة التي لا تكتبها الكلمات بسهولة. فيروز، تلك الأسطورة التي عبرت الأزمان بألحانها الرقيقة، كانت هي النبع الذي استقى منه زياد موسيقاه، لكنها لم تكن مجرد ظل يرافقه، بل كانت الحكاية التي تحدّاها بصوته الخاص، بصراحتها القاسية، وسخريتها التي تعانق المرارة. كانت هي صوت الحلم والحنين، وهو كان صوت السؤال والتمرد. كانت تزرع الأمل بنغماتها، وهو كان يحرّك الوجع بنصوصه. وهكذا، ظلّ صوت فيروز حاضرًا في كل ما كتب ولحّن زياد، كأنه نبض خفي ينبعث من أعماق البحر، يضفي على صرخاته بعدًا من الجمال الذي لا يُنسى، ويؤكد أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يجمع بين الألم والضياء.
كتب زياد مسرحياته كمن يكتب نشرة جوية عن الغد الذي لن يكون مشمسًا، وغنّى المدينة من دون أن يتغنّى بها، فـ”بالنسبة لبكرا شو؟” لم يكن عنوانًا، بل سؤالًا عالقًا في حلق الوطن. لم يقدّم أجوبة، لأنه كان يعرف. كان يقرأ القادم كمن يقرأ جريدة قديمة، يعرف أن الحرب لن تنتهي، وأن الناس سيتعوّدون، وأن الخراب سيصبح نمطًا حياتيًا، وأن الدولة ستستمر في تجاهل سكانها. كان يعرف كل شيء، ولذلك ضحك. لأن البكاء سهل، لكن الضحك وسط الانهيار… فنّ لا يتقنه إلا زياد.
في “نُزُل السرور”، كان هو المدير والمقيم والموسيقي والعامل والضيف. في “فيلم أميركي طويل”، اختصر الذاكرة الجماعية بكلمة، وتركنا نلهث خلف سخرية أكبر من قدرتنا على التصنيف. وفي “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، قال كل ما يجب أن يُقال ثم انسحب، تاركًا للمسرح أن يتعامل مع جمهور أنهكته المجازر.
زياد لم يصنع فناً فقط. زياد بنى جبهة. جبهة ضد البلادة، ضد الصمت، ضد التفاهة، ضد الانبطاح. جبهة لا سلاح فيها إلا كلمة دقيقة، ونغمة مترددة تُوقظ الضمير. كان زياد يستبصر الكارثة ويبتسم كمن يعرف أن الإنكار لا ينقذ أحدًا. وحين مات، مات في زمن يشبه كلامه: زمن الفوضى، حيث يعلو الصراخ وتغيب الموسيقى، وتُحذف الأسئلة من البرامج، ويُستبدل المسرح بالمنصّات.
مات زياد بصمت، كعادته. لا خطابات، لا دموع أمام الكاميرات، لا وداع بطولي. فقط غياب… ترك في الخلف صدىً لبيانو حزين، ومسرحًا خاليًا، ومدينة تبحث عن من يقول لها الحقيقة بطريقة مضحكة. مات من ظلّ حتى آخر لحظة، يرى أبعد منا، ويضحك وحده، لأن ما رآه لا يُبكي فقط، بل يُفقد النطق.
بقيت بيروت بعده أكثر خرسًا. بقي المسرح بلا لغة، والألحان بلا نَفَس، وبقي السؤال الذي طرحه قبل خمسين عامًا معلقًا: “بالنسبة لبكرا شو؟”. الإجابة الآن أوضح: لا شيء… بعد زياد.
رحل زياد الرحباني، لكنه لم يرحل وحده. رحل مع كل نبضة صوت حقيقية في بيروت، مع كل ضحكة ساخرة تخلّلت وجع المدينة، ومع كل كلمة كانت تقاوم الصمت والجمود. ترك وراءه فراغاً لا يملؤه سوى صدى صوته المتردد بين أزقة المدينة العتيقة، صدى يهمس بأن الفنّ ليس مجرد ألحان وكلمات، بل هو مقاومة ووعي وصدق لا ينطفئ. في غيابه، تبقى بيروت تنتظر ذلك الصوت الذي يجمع بين الألم والضحك، ويطرح السؤال الأزلّي بلا جواب: “بالنسبة لبكرا شو؟”. فها هي المدينة، رغم الخرس، تظل تحلم بعودة ذلك المزاج الذي لم يمت، لأن زياد لم يكن مجرد فنان، بل كان روحًا تسكننا وتبقى…



