خاص pravdatv

كتبت هند نجم:ترامب يهدم النظام الدولي: من وستفاليا إلى قانون الغاب

لن يُسجَّل الثالث من كانون الثاني/يناير كحدث سياسي عابر، بل كـ يوم مفصلي انكشفت فيه هشاشة النظام الدولي أمام شهوة القوة. فما جرى لم يكن مجرد تجاوز قانوني أو سابقة مثيرة للجدل، بل كسرًا فاضحًا لكل ما بُني عليه العالم الحديث منذ أكثر من ثلاثة قرون. اعتقال رئيس دولة ذات سيادة من قبل دولة أخرى، خارج أي إطار أممي أو قانوني، ومن دون تفويض من مجلس الأمن أو قرار قضائي دولي، هو لحظة سقوط مدوٍّ لفكرة القانون الدولي نفسها.

ترامب يهدم النظام الدولي: من وستفاليا إلى قانون الغاب

✍️🧾كتبت الإعلامية هند نجم ✍️📰


يوم سقط فيه القناع نهائيًا

لن يُسجَّل الثالث من كانون الثاني/يناير كحدث سياسي عابر، بل كـ يوم مفصلي انكشفت فيه هشاشة النظام الدولي أمام شهوة القوة. فما جرى لم يكن مجرد تجاوز قانوني أو سابقة مثيرة للجدل، بل كسرًا فاضحًا لكل ما بُني عليه العالم الحديث منذ أكثر من ثلاثة قرون.

اعتقال رئيس دولة ذات سيادة من قبل دولة أخرى، خارج أي إطار أممي أو قانوني، ومن دون تفويض من مجلس الأمن أو قرار قضائي دولي، هو لحظة سقوط مدوٍّ لفكرة القانون الدولي نفسها.

في ذلك اليوم، لم تكتفِ إدارة دونالد ترامب بتجاوز المؤسسات الدولية، بل نصّبت نفسها قاضيًا وجلادًا في آن واحد، مانحة ذاتها حق محاكمة الرؤساء، وتحديد شرعيتهم، ومعاقبتهم بالقوة.

بهذا القرار، لم تُسقط واشنطن حصانة رئيس فحسب، بل أسقطت مبدأ سيادة الدول، ونسفت الأساس الذي قامت عليه العلاقات الدولية الحديثة.

من حروب التبرير إلى قرارات الخطف المباشر

تاريخيًا، كانت الولايات المتحدة، رغم عدوانيتها، تحرص على تغليف حروبها بشرعية شكلية. في العراق، زمن جورج بوش الابن، جرى البحث المحموم عن مبررات: أسلحة دمار شامل، تهديدات وهمية، تقارير استخبارية ملفّقة، ومحاولات استدراج مجلس الأمن لتوفير غطاء دولي. السيناريو نفسه تكرّر في أفغانستان وليبيا ويوغوسلافيا ومناطق أخرى من العالم.

ورغم إعلان واشنطن “النصر” في العراق عام ٢٠٠٣، إلا أن السنوات اللاحقة كشفت حجم الفشل، حيث غرقت الولايات المتحدة في مستنقعات دموية لا نهاية لها، قبل أن تنسحب وهي تجر أذيال الخيبة. فمصير الاحتلال، كما علّم التاريخ، إلى زوال، وكلفة المغامرات العسكرية لا تُدفع فقط من دماء الشعوب المعتدى عليها، بل أيضًا من هيبة الدول المعتدية نفسها.

لكن ما نشهده اليوم أخطر بكثير: لم تعد واشنطن معنية بالتبرير، ولا بالحصول على موافقات، ولا حتى بتلفيق ذرائع مقنعة. القرار بات يُتخذ بشكل أحادي مباشر، وبأدوات أقرب إلى منطق العصابات منه إلى منطق الدول.

ما قبل وستفاليا: عودة إلى زمن الحروب المفتوحة

إن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تعيد العالم صراحةً إلى ما قبل اتفاقية وستفاليا عام ١٦٤٨، تلك الاتفاقية التي أنهت قرونًا من الحروب الدينية والعرقية، وأرست مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وشكّلت درعًا – ولو نظريًا – لحماية الدول الصغيرة من تغوّل القوى الكبرى.

اليوم، تُداس هذه المبادئ بلا مواربة. فإذا كان من حق دولة عظمى أن تختطف رئيس دولة أخرى بحجة عدم شرعيته، فإن النظام الدولي برمّته يفقد معناه. فمن يحدد الشرعية؟ وبأي معيار؟

شرعية انتقائية وحق شعوب مُعلّق

ترامب نفسه رفض الاعتراف بشرعية جو بايدن، واعتبره رئيسًا “مسروق الانتخابات”. وفي أوكرانيا، انتهت ولاية فولوديمير زيلينسكي رسميًا، فيما تشير تقديرات إلى تراجع شعبيته إلى حدود ٤٪. فإذا كانت الشرعية تُسحب وفق المزاج السياسي، فأين أصبح مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ذلك الشعار الذي طالما رفعتْه الولايات المتحدة لتبرير تدخلاتها؟

إن اعتماد هذا المنطق يعني فتح باب لا يُغلق: إذا جاز لواشنطن اختطاف رئيس، فما الذي يمنع موسكو أو بكين أو أي قوة أخرى من اعتماد الأسلوب ذاته؟ وهل نحن فعليًا أمام دخول العالم مرحلة قانون الغاب الدولي؟

النفط هو الجواب… مهما تغيّرت الذرائع

تصريحات ترامب بعد العملية في كاراكاس لا تترك مجالًا للشك. مرةً يتحدث عن المخدرات، رغم أن فنزويلا ليست دولة مصنّعة لها. مرةً عن الهجرة. ومرةً عن “الأمن القومي”. لكن الخيط الناظم لكل هذه الذرائع هو النفط الفنزويلي، الذي يتعامل معه ترامب وكأنه ملك خاص للولايات المتحدة.

المفارقة أن ترامب نفسه لا يبدو مهتمًا فعليًا بتغيير النظام، ولا حتى بدعم المعارضة التي طالما روّجت لها واشنطن. فقد تبرأ عمليًا من ماريا ماتشادو، التي وصفها بـ”السيدة اللطيفة”، لكنه أقرّ ضمنيًا بضعف شعبيتها في الداخل الفنزويلي، رغم أنها حازت دعمًا غربيًا واسعًا، بل وجوائز دولية، بعد دعوتها الصريحة لتدخل عسكري ضد بلدها.

عقبات الهيمنة: الصين والقانون الدولي

اقتصاديًا، لا تبدو المهمة سهلة أمام واشنطن. فقد أبرمت فنزويلا اتفاقيات طويلة الأمد مع دول وشركات عالمية، وعلى رأسها الصين، ما يجعل أي محاولة أمريكية للهيمنة على قطاع النفط محفوفة بتعقيدات قانونية وسياسية دولية.

وهذا يتناقض جذريًا مع ادعاءات ترامب بأن بلاده “أسست صناعة النفط” في فنزويلا، إذ إن الدولة الفنزويلية أوفت بكامل التزاماتها، وسددت مستحقاتها، والتزمت بالشروط التي فرضتها واشنطن نفسها، قبل أن يُجمَّد التعاون لاحقًا لأسباب سياسية بحتة.

خاتمة: العالم عند حافة الانهيار الأخلاقي

ما جرى في الثالث من كانون الثاني/يناير ليس حادثة معزولة، بل إشارة إنذار كبرى لانهيار منظومة كاملة من القيم والقوانين. فإذا بات اختطاف رؤساء الدول أمرًا مشروعًا، وإذا أصبحت السيادة مسألة خاضعة لموازين القوة، فإن النظام الدولي يدخل مرحلة تفكك خطيرة، حيث تُدار العلاقات لا بالقانون، بل بالتهديد والابتزاز.

العالم اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما العودة إلى فوضى ما قبل وستفاليا، حيث تحكم القوة وحدها،
أو إعادة بناء منظومة دولية تحمي سيادة الدول وحقوق الشعوب قبل أن يتحول القرن الحادي والعشرون إلى نسخة أكثر توحشًا من عصور الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »