اخبار لبنان
أخر الأخبار

كتب ناجي أمهز :أسباب فشل حزب الله في السياسة والإعلام ودفاع سمير قصير عنه

منذ انطلاقته، وُضع حزب الله ضمن معادلة دقيقة وحساسة فرضتها الوصاية السورية، فلم يكن قادرًا على الخروج على نهج حافظ الأسد ولا تجاوزه. كان شريانه الحيوي يمر عبر سوريا، التي لم تتوانَ عن ابتزاز إيران والحزب، حتى قيل إن دمشق كانت تحصل على ثلاثة أضعاف كل ما يصل إلى الحزب من دعم.

أسباب فشل حزب الله في السياسة والإعلام ودفاع سمير قصير عنه

✍️🧾كتب : ناجي علي أمهز

منذ انطلاقته، وُضع حزب الله ضمن معادلة دقيقة وحساسة فرضتها الوصاية السورية، فلم يكن قادرًا على الخروج على نهج حافظ الأسد ولا تجاوزه. كان شريانه الحيوي يمر عبر سوريا، التي لم تتوانَ عن ابتزاز إيران والحزب، حتى قيل إن دمشق كانت تحصل على ثلاثة أضعاف كل ما يصل إلى الحزب من دعم.

وكي لا ننبش جروح الماضي، يتذكر الكثيرون محاولتي حزب الله الانقلاب على هيمنة حافظ الأسد، واللتين كادتا أن تطيحا بالطائفة الشيعية بأكملها، فضلًا عن المجازر والاعتقالات التي نفذها السوريون بحق الحزب. في تلك الفترة، كان المسيحيون يدركون الظروف الدقيقة التي يمر بها الشيعة، ولذلك لن تجد تصريحًا واحدًا من أي تيار مسيحي يستهدف الطائفة خلال تلك الحقبة. لقد أدركوا أن غالبية رجال المخابرات اللبنانيين، من “غلمان” غازي كنعان ورستم غزالي، الذين أصبح بعضهم نوابًا ووزراء، كانوا مفروضين على الطائفة الشيعية من قبل دمشق، تمامًا كما فُرضوا على الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعلى المسيحيين.

لكن مشكلة حزب الله لم تقف عند عجزه عن مواجهة الأسد، سواء الأب أو الابن. بل تفاقمت حين أصبح الحزب أسيرًا إعلاميًا وسياسيًا للتيار الموالي لسوريا الذي هيمن على السياسة الشيعية وإعلامها. وقد نجحت المخابرات السورية وأدواتها في خلق هوة سحيقة بين اللبنانيين وبين الشيعة، وخاصة حزب الله.

1. إعلام موجه للداخل

قناة “المنار” وإذاعة “النور” كانتا وما زالتا أدوات إعلامية دينية وتعبوية تخدم جمهورًا حزبيًا محددًا. برامجهما السياسية والإخبارية موجهة بالأساس للطائفة الشيعية، ومن الطبيعي ألا تجد صدى لدى المكونات الأخرى في لبنان. فكما أن المسيحي أو السني الملتزم يتابع فضائيته الدينية، فإنه نادرًا ما يقضي وقته في متابعة إعلام مذهبي آخر. لذلك، ظل هذا الصرح الإعلامي على مدى أربعة عقود موجهًا للداخل الشيعي، ولم يجذب بقية اللبنانيين إلا في أوقات العمليات العسكرية الكبرى أو إطلالات السيد حسن نصرالله. ومع ظهور قناة “الميادين”، انتقل جزء من الجمهور الشيعي ومعه قلة من اللبنانيين لمتابعتها، خاصة عندما كانت تحصل على الحق الحصري في بث إطلالات السيد نصرالله.

رغم حصول “الميادين” على كل مقومات الدعم من محور المقاومة، وانفرادها في أحيان كثيرة بخطابات السيد نصرالله، إلا أنها فشلت في اختراق الداخل اللبناني والعالم العربي. السبب واضح؛ فالقناة تتبنى فكرًا قوميًا عربيًا، ومديرها غسان بن جدو، بالإضافة إلى شخصيات مثل يحيى أبو زكريا، كرسوا في برامجها نظرية تقترب من فكر الإخوان المسلمين والقوميين العرب. هذان التياران ليس لهما قاعدة شعبية مؤثرة في لبنان، كما أن تيار الإخوان المسلمين محظور في معظم الدول العربية، مما منع انتشار القناة وتداول أخبارها، وأفقدها القدرة على صناعة رأي عام يخدم المقاومة. لقد ظلت خطابًا موجهًا لا يعني معظم اللبنانيين.

وللتدليل على هذا الانفصال، يكفي العودة لأرشيف “المؤتمر القومي العربي” الذي أسسه الدكتور خير الدين حسيب. حتى عام 1992، كان هذا المؤتمر يعتبر أن “الخطر الإيراني” لا يقل عن “الخطر الإسرائيلي”. وفي صحيفة “الاتحاد” الإماراتية (12 مايو 1990)، حذّرت توصيات المؤتمر من أن الخطر القادم على العرب سيأتي من إيران وإسرائيل وإثيوبيا، بل طالبت بإبعاد غير العرب عن أي دور في تحرير فلسطين “وكن يفهم حينها انه يقصدون ايران وحلفائها”.

ما ينطبق على الفضائيات ينسحب على الصحف والمواقع الإلكترونية. فصحيفة “العهد” حزبية تابعة لحزب الله، و”البناء” تتبع الحزب السوري القومي الاجتماعي، والبقية منابر يسارية أو قومية عربية. هذا الإعلام، رغم إمكانياته الهائلة، بقي أسير فكر واحد لم ينجح في الوصول إلى الرأي العام الأوسع.

2. تغييب الصوت الشيعي الأصيل

المؤسف أن من يتصدرون إعلام محور المقاومة هم إما من أتباع نظام الأسد أو قوميون عرب وبعثيون ويساريون. لقد تم تغييب الصوت الشيعي اللبناني الأصيل، الذي كان بإمكانه دعم المقاومة بمفردات ومصطلحات وطنية لبنانية. وبدلًا من ذلك، سعت هذه المنصات لتكريس مفاهيم تخدم المسيطرين عليها على حساب المحور نفسه. فالقومي العربي يسوق لفكره، والقومي السوري لمشروعه، واليساري لأيديولوجيته، والإخوان لمشروعهم، وكل ذلك على حساب الشيعة ومحور المقاومة.

وكما استهلك نظام الأسد الأقليات في سوريا وحولها إلى أعداء للشعب، بينما بقيت طائفته العلوية من أفقر الطوائف، وجد الشيعة أنفسهم في الموقف ذاته، حيث استهلكهم نظام الأسد، أبًا وابنًا.

3. التحذير من قبل سمير قصير

الوحيد الذي فهم خطورة نظام الأسد وأتباعه على المقاومة الإسلامية كان الشهيد سمير قصير. لقد سعى للدفاع عن المقاومة بأسلوبه الخاص، محذرًا من هيمنة الوصاية السورية. نجحت سوريا وأدواتها في الإيحاء بوجود خلاف بين الحزب ومعارضيه، ومنهم سمير قصير، لإبعاد أي تهمة عنها. لكن من يراجع مقالات قصير يجد بوضوح أنها كانت تحذر المقاومة وتدافع عنها في آن واحد.

أمثلة من مقالاته:

  • “لنميّز نحن…” (19 أكتوبر 2001)
    من المقال يستنتج دعوة صريحة للمراجعة من قبل الحزب والدولة، وان تسارع الدولة للتحديد ان كان حزب الله مقاوم او ارهابي لا ان تنتظر اللوائح الامريكية، لانه عندما تعرف الدولة الارهاب تكون بذلك تحمي المقاومة من التصنيفات الامريكية.
  • “جمهورية القبر المفتوح” (21 ديسمبر 2001)
    تجدون بالمقال صرخة في وجه سوريا ولبنان لأنهما لم يدافعا عن الحزب حين اتُهم بتفجير الخبر. كانه يسأل بمرارة: “لماذا لا تكذبان الخبر، ما الغاية من عدم نفي التهمة؟”. ويحذر من سوريا لانها تريد إبقاء الحزب مثقلاً بهكذا تهم لتبيعه عندما ينتهي دوره.
  • “من أجل حماية حزب الله” (11 يناير 2002)
    خلاصته: ما يعيشه “الحزب” اليوم، تنبأ به سمير قصير قبل 23 عاماً. شرح الآليات السياسية التي تنتهجها أمريكا لإنتاج ملف إدانة، وكيف أن سوريا تساهم بتضخيم هذا الملف لأنها تعلم خطورة ما يُعدّ، ومع ذلك لا تسعى لإنقاذه بل لتفاوض عليه في اللحظة المفصلية. ويطالب الحزب بالعودة سريعاً إلى الدولة، لانه سيكون بحكم الديمقراطية هو الدولة والشرعية بما يملكه من شعبية وخدمات، ويشرح ان سوريا لن تمنح السلطة والثناء لمن قاتل اسرائيل.

4. الخلاصة

لم تكن مقالات سمير قصير تحليل سياسي، بل مشروع إنقاذ لمقاومة كان يخشى نهايتها على يد سوريا قبل أعدائها. وسيكتب التاريخ أن سمير لم يكن خصمًا للمقاومة، بل واحدًا من أولئك الذين حاولوا بقلمهم أن يحموها من سوريا، وأصوات سياسية واعلامية تخدم سوريا على حسابها.

لا علاقة للحزب بكل ما يزج فيه، وستكشف الايام، ان الحزب والشيعة ضحية خديعة كبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »