حكاية النووي والصراع المستعر: بين السلام والدمار

حكاية النووي والصراع المستعر: بين السلام والدمار
بقلم : فاطمة يوسف بصل.
منذ أن شُطِرت الذرّة، تغيّر وجه العالم إلى الأبد. في لحظةٍ ما، في مختبر خافت الضوء، تفتّح سرّ الطاقة الكامنة في الذرّة، لكن ما تفتّح لم يكن نورًا فقط… بل شبحًا سرمديًّا يمشي خلفنا منذ ذلك اليوم، شبحٌ اسمه “السلاح النووي”.
لم يعد العلم خادمًا للإنسان، بل تحوّل إلى سيدٍ مهيب، يحمل بيدٍ نارًا، وبالأخرى ميزان قوة. صار النووي رمزًا لقوة الدول، وبطاقة دخول إلى نادي الكبار. ومنذ لحظة إسقاط أول قنبلة على هيروشيما، لم تعد الحرب هي الحرب، ولا السلام هو السلام. صار العالم يعيش على حافة زر، ينتظر خطأ، أو جنون، أو لحظة غطرسة.
اليوم، تتكرر الحكاية لكن بأبطالٍ جدد ومسرحياتٍ أشد توترًا.
إيران، منذ أعوام، تسير على حبل دقيق بين الطموح والتهديد. في 2025، تجاوزت تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، متذرّعةً باستخدامات سلمية. لكن المجتمع الدولي لا يصدقها، خاصةً بعد أن منعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تركيب كاميرات رقابة داخل منشآتها.
الوكالة، بدورها، حذّرت: “نحن لا نرى… ولا نعرف ما يجري خلف الأبواب.”
إسرائيل لا تنتظر كثيرًا. في خطابها السياسي والعسكري، تؤكد: “لن نسمح بتهديد وجودنا”. ومع كل تقرير نووي يصدر من طهران، تعلو لغة التهديد من تل أبيب. تدريبات مشتركة مع واشنطن تحاكي ضربة عسكرية دقيقة… وكأن الحرب تكتب سيناريوها في الظل.
وفي الشرق، كوريا الشمالية تبعث برسائلها على طريقة بيونغ يانغ المعتادة: تجربة صاروخية، ثم أخرى، فتصريح ناري.
في آخر تجاربها، أطلقت صاروخًا باليستيًا سقط في مياه اليابان الاقتصادية، وقال زعيمها بصراحة: “نمتلك السلاح… ونحن مستعدون لاستخدامه.”
أما روسيا، فبين حربها على أوكرانيا، وخطابها المتصاعد، لوّحت بسلاحها النووي أكثر من مرة. قالتها صراحة: “كل من يهدد أمننا الاستراتيجي… سيتحمّل العواقب.” العالم سمع ذلك، وارتجف.
وسط هذا اللهيب الصامت، تتابع الدول العربية المشهد بعين القلق، وعجز التوازن. فهي لا تملك النووي، ولا تتحكّم بمفاتيح السلام أو الحرب، لكنها بلا شك ستكون أول المتأثرين إن اشتعلت النيران.
إنها حكاية من زمنٍ يخدعنا بالسِلم… ويقودنا نحو حافة الانفجار.
النووي ليس فقط قنبلة، بل هو فلسفة حكم جديدة: توازن بالرعب، لا بالعدالة.
وبين إيران التي تحفر لنفسها مكانًا نوويًا، وكوريا التي تصرخ من العزلة، وروسيا التي تُلوّح من قلب المعركة، وإسرائيل التي لا تنام… يبقى العالم رهينة زرّ صغير، قادر أن يكتب نهاية الحضارة في ثانية.
فهل من صوتٍ يرتفع ليوقف سباق النهاية؟
أم أن الإنسان، في غروره الأزلي، سيكتب بيده آخر فصول الضوء… في آخر ومضة نار؟



