من يقف خلف التفجير الانتحاري في تدمر؟..الإنذار الداخلي وخريطة المصالح الإقليمية
ما جرى في تدمر لا يمكن اختزاله في خبر أمني عابر أو عملية انتحارية معزولة، بل يشكّل حدثًا مركزيًا يكشف عمق الهشاشة في البنية الأمنية والسياسية السورية في مرحلة يُفترض أنها انتقالية، لكنها ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من المناعة الداخلية.

▪️من يقف خلف التفجير الانتحاري في تدمر؟
الإنذار الداخلي وخريطة المصالح الإقليمية
✍️📰كتب المحرر السياسي
ما جرى في تدمر لا يمكن اختزاله في خبر أمني عابر أو عملية انتحارية معزولة، بل يشكّل حدثًا مركزيًا يكشف عمق الهشاشة في البنية الأمنية والسياسية السورية في مرحلة يُفترض أنها انتقالية، لكنها ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من المناعة الداخلية.
خطورة العملية لا تكمن فقط في نتائجها، بل في طبيعتها: هجوم نُفِّذ من داخل المؤسسة الأمنية، بواسطة عنصر يحمل صفة رسمية. هذا بحد ذاته يعني اختراقًا مزدوجًا؛ أمنيًا من الداخل، وفكريًا أشد خطورة، حيث يتحوّل الجهاز المفترض به حماية الدولة إلى قناة اختراق لها. هنا لا يأتي الخطر من الأطراف أو الجغرافيا الهامشية، بل من قلب المنظومة نفسها.
تدمر، كمكان، ليست تفصيلًا. هي عقدة جغرافية وسيادية، ورمز سياسي وأمني بالغ الحساسية. والرسالة التي حملها التفجير كانت موجهة أولًا إلى الدولة السورية، وثانيًا إلى شركائها، ولا سيما في ظل وجود وفد أمريكي جاء في إطار تنسيق أمني معلن مع وزارة الدفاع السورية. التوقيت والمكان والسياق يجعلون من العملية رسالة سياسية بامتياز، تتجاوز داعش كأداة تنفيذ.
من له المصلحة؟
عند تفكيك خريطة المصالح، تظهر استبعادات منطقية قبل أي اتهام مباشر.
إسرائيل ليست في وارد العبث المباشر مع الولايات المتحدة في هذا التوقيت، والقوى الكردية لا تتحرك خارج المظلة الأمريكية ولا تملك مصلحة في عملية من هذا النوع، فيما تواجه إيران ضغوطًا مركبة تجعل من تفجير كهذا عبئًا إضافيًا لا مكسبًا. أما داعش، ورغم تورطه التنفيذي، فيبقى أداة توظيف أكثر منه صاحب قرار استراتيجي مستقل.
يبقى هنا فاعل إقليمي واحد يمكن وضعه في إطار الفرضية التحليلية لا الاتهام: تركيا.
الفرضية التركية: لماذا الآن؟
تنطلق هذه الفرضية من معطيات متراكبة.
أنقرة تراقب بقلق خروج المشهد السوري تدريجيًا من دائرة سيطرتها المطلقة، مع تعاظم التقارب بين أحمد الشرع والولايات المتحدة، وتحول خطابه من كونه ورقة تركية خالصة إلى فاعل يمتلك هامش حركة أوسع.
في المقابل، لم يعد وزير الداخلية أنس خطاب، الذي أُسّس جهازه الأمني بإشراف بريطاني، مرتبطًا عضويًا بالمنظومة التركية، ما يحدّ من قدرة أنقرة على التحكم بالمفاصل الأمنية الداخلية كما في السابق.
الأهم أن تركيا تدرك أن المشهد السوري يتدحرج باتجاه محور أمريكي–سعودي–إسرائيلي، مع تراجع الحاجة الوظيفية للدور التركي، وهو ما يهدد نفوذها السياسي والأمني على المدى المتوسط. من هذا المنظور، يصبح التفجير – إذا صحت الفرضية – محاولة لضرب عصفورين بحجر واحد: إرباك الداخل السوري وتقديم تركيا مجددًا بوصفها الطرف القادر على ضبط الإيقاع، وفي الوقت نفسه تقليص أهمية الورقة الكردية لدى واشنطن، وفتح هامش تفاوض جديد لصالح أنقرة في ملف الأكراد.
الموقف الأمريكي والثغرة الأخطر
الولايات المتحدة تعاملت مع الحادث بوصفه عملية لداعش فقط، متجاهلة البعد المؤسسي لمنفذ التفجير. هذا الموقف مفهوم سياسيًا، لكنه خطير أمنيًا، لأنه يتغاضى عن جوهر المشكلة: اختراق المؤسسات من الداخل.
فشل التحذيرات الأمنية السابقة في التحول إلى إجراءات وقائية فعلية يجعل أي تبرير إداري غير مقبول. الدولة لا تُدار بمنطق التأجيل، والأمن لا يحتمل الترقيع، خصوصًا في بيئة ما بعد الحرب، حيث تتعايش بقايا التنظيمات المتطرفة مع مؤسسات لم تُستكمل إعادة بنائها عقائديًا وتنظيميًا.
الخلاصة: إنذار دولة
تفجير تدمر ليس مجرد حادث أمني، بل إنذار داخلي واضح. المعركة لم تعد فقط ضد تنظيمات مسلحة، بل ضد أفكار متغلغلة، وثغرات مؤسسية، وصراعات نفوذ إقليمية تُدار عبر الداخل السوري.
وهنا، يستحضر هذا الحدث، بحمولته السياسية والرمزية، واقعة مقتل السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012، حين تحوّل خرق أمني موضعي إلى نقطة انعطاف أعادت تشكيل علاقة واشنطن بالسلطة الليبية وحدود ثقتها بالشركاء المحليين.
يومها لم يكن الهجوم وحده هو المشكلة، بل ما كشفه من عجز مؤسسي وتراخٍ أمني سمحا بتحول الدولة إلى بيئة طاردة للحلفاء. سوريا اليوم تقف أمام اختبار مشابه:
فإما التعامل مع تفجير تدمر بوصفه إنذارًا استراتيجيًا يستدعي مراجعة جذرية للبنية الأمنية
والعقائدية، أو التقليل من دلالاته، بما قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف أمريكية للعلاقة، لا تكون بالضرورة في صالح دمشق ولا في صالح استقرارها الهش .



