اخبار لبنان
أخر الأخبار

سمير قصير: ربيع بيروت ودمشق… الحلم بوحدة الحرية، والسؤال لرفاقه: ماذا فعلتم لإرثه ومعركته؟

لم أعرف سمير قصير شخصيًا، لكنني عرفته بعد استشهاده، حين تعمّقت في كتبه ومقالاته. وبين سطور كلماته، وجدت ما يتجاوز الكتابة السياسية؛ وجدت مشروعًا فكريًا يعيد رسم خريطة الحرية في المشرق، ويجمع بين بيروت ودمشق، لا بوصفهما عاصمتين متجاورتين، بل باعتبارهما جبهتين لنضال واحد ضد الاستبداد. كان سمير من القلائل الذين رأوا أن ربيع بيروت لا يكتمل إلا حين يُزهر ربيع دمشق.

سمير قصير: ربيع بيروت ودمشق… الحلم بوحدة الحرية، والسؤال لرفاقه: ماذا فعلتم لإرثه ومعركته؟

✍️كتب مسعود محمد 

لم أعرف سمير قصير شخصيًا، لكنني عرفته بعد استشهاده، حين تعمّقت في كتبه ومقالاته. وبين سطور كلماته، وجدت ما يتجاوز الكتابة السياسية؛ وجدت مشروعًا فكريًا يعيد رسم خريطة الحرية في المشرق، ويجمع بين بيروت ودمشق، لا بوصفهما عاصمتين متجاورتين، بل باعتبارهما جبهتين لنضال واحد ضد الاستبداد. كان سمير من القلائل الذين رأوا أن ربيع بيروت لا يكتمل إلا حين يُزهر ربيع دمشق.

بيروت… شرارة الوعي

في بداية الألفية، شهد لبنان ما عُرف لاحقًا بـ”ربيع بيروت”، وقد رآه سمير قصير لا مجرد انتفاضة لبنانية ضد الوصاية السورية، بل بداية يقظة ديمقراطية عربية. كتب:

“إنّ ربيع العرب، حين يزهر في بيروت، إنما يُعلن أوان الورد في دمشق.”

هنا يعبّر قصير عن قناعته بأن ما يحدث في لبنان ليس معزولًا عن المشرق، وأن اللبنانيين ليسوا طليعة قومية، بل شركاء في مصير ديمقراطي مشترك مع جيرانهم السوريين. رفض قصير خطاب التفرّد اللبناني، وكتب محذرًا من “ادعاء الفرادة اللبنانية”، مشيرًا إلى أن الحرية في بيروت تبقى هشّة طالما أن دمشق ترزح تحت القمع.

دمشق… أمل التغيير المؤجل

حين كتب قصير عن سوريا، لم يكتب كغريب. والدته سورية، وسنوات دراسته عرّفته عن قرب على الداخل السوري، المثقفين، المحبطين، والمنفيين في وطنهم. رأى في لحظة “ربيع دمشق” عام 2000 بداية محتملة لنهضة عربية، لكنه شاهد كيف خُنق ذلك الربيع مبكرًا. مع ذلك، بقي الأمل حيًا في كتاباته.

وحين انطلقت انتفاضة الاستقلال اللبنانية عام 2005، كتب مقالة بعنوان «فعل بيروت في دمشق»، وصف فيها تفاعل الكتّاب والمثقفين السوريين مع ما جرى في لبنان، وكتب عن “التكامل الممكن بين بيروت ودمشق” في معركة واحدة من أجل التحرر.

 

في مقالة أخرى كتب:

“الديمقراطية في لبنان لا يمكن أن تزدهر من دون الانتقال إلى الديمقراطية في سوريا.”

 

بهذه الكلمات، يربط قصير بين حرية الفرد في بيروت وكرامة الإنسان في دمشق. النضال واحد، والعدو واحد: الاستبداد، أينما وُجد.

 

الحلم والاغتيال

لم يكن طرح سمير قصير مجرد تنظير. بل كان مشروعًا فكريًا وميدانيًا، وكان يعلم أن ثمنه سيكون باهظًا. تعرّض للتهديد، صودِر جواز سفره، وتعرّض لحملات تشويه، لكنه لم يتراجع. ظلّ يكتب ويحرّض ويحلل.

وفي 2 حزيران 2005، اغتيل في بيروت، بانفجار سيارة مفخخة أمام منزله. الاغتيال لم يكن فقط استهدافًا لشخصه، بل محاولة لإسكات الفكرة: أن الحرية لا تتجزأ، وأن بيروت ودمشق تسيران معًا، أو لا تسيران أبدًا.

 

الإرث الحيّ

بعد سنوات من اغتياله، تحققت نبوءته جزئيًا حين اندلعت الثورة في سوريا عام 2011. صحيح أن الثمن كان هائلًا، وأن الطريق لا يزال طويلًا، لكنّ تلك اللحظة أثبتت أن ربيع دمشق لم يكن وهمًا، بل حلمًا مؤجلًا، سبق أن كتبه سمير قصير بحبر دمه.

لقد جعل من قلمه جسرًا بين العاصمتين، ومن فكره خريطة طريق لنهضة عربية حقيقية، تبدأ من الشارع وتنتهي في صناديق الاقتراع.

 

في أحد مقالاته الأخيرة، كتب:

“انظروا… لقد قمتُ من الخوف… وهأنذا أنبئكم بأن نهضتكم ممكنةٌ من جديد، يا عرب!”

هذه ليست فقط كلمات وداع، بل وصيّة. وفي زمن الهزائم والانكسارات، تظلّ كلمات سمير قصير نبراسًا لمن لا يزالون يؤمنون بأن الحريّة حق، وأنها تُولد من رحم المستحيل.

 

سؤال غير بريء…

ولأن الوصايا لا تموت إلا حين تُنسى، يبقى السؤال معلقًا، موجّهًا إلى رفاق سمير، إلى من أحبوه ووقفوا في جنازته، إلى من استظلوا صوته يومًا ثم صمتوا:

ماذا فعلتم للحفاظ على إرث سمير قصير؟

وكيف أكملتم معركتي ربيعي بيروت ودمشق؟

هل اكتفيتم بتأبين الذكرى، أم سعيتم لفهم فكره بعمق والعمل على استمراره؟

سؤال لا ينتظر جوابًا رسميًا، بل أفعالًا تكتبها الأجيال القادمة، حين تعود بيروت من تحت الردم، وتخرج دمشق من تحت الرماد، ليتلاقيَا من جديد على مفترق حرية، بدأه رجلٌ نحيلٌ بقلمٍ وقضية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »