اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب وائل المولى:العين التركية على الفرات: كيف قادت أنقرة معركة كسر قسد من حلب إلى دير الزور؟

لم تكن المعارك التي امتدت من الشيخ مقصود في حلب، مرورًا بدير حافر ومسكنة، وصولًا إلى الطبقة ودير الزور، مسارًا عسكريًا عشوائيًا أو انفجارًا ميدانيًا منفصلًا عن السياسة، بل كانت فصلًا مدروسًا من عملية أوسع قادتها أنقرة بهدوء، وثبّتت نتائجها بالقوة، وأدارت هوامشها بتفاهمات إقليمية ودولية محسوبة

العين التركية على الفرات: كيف قادت أنقرة معركة كسر قسد من حلب إلى دير الزور؟

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي

لم تكن المعارك التي امتدت من الشيخ مقصود في حلب، مرورًا بدير حافر ومسكنة، وصولًا إلى الطبقة ودير الزور، مسارًا عسكريًا عشوائيًا أو انفجارًا ميدانيًا منفصلًا عن السياسة، بل كانت فصلًا مدروسًا من عملية أوسع قادتها أنقرة بهدوء، وثبّتت نتائجها بالقوة، وأدارت هوامشها بتفاهمات إقليمية ودولية محسوبة. ما جرى غرب الفرات لم يكن سوى تنفيذ تدريجي لخارطة نفوذ تركية قديمة، جرى تأجيلها سنوات، وحان وقت فرضها.

منذ الشيخ مقصود، بدا أن تركيا قررت الانتقال من إدارة الصراع بالوكالة إلى إدارة التوازن مباشرة. فهذه النقطة لم تكن مجرد حيّ في حلب، بل بوابة أمنية حساسة تُشرف على تواصل الشمال الحلبي مع عمقه، وتشكّل عقدة ربط بين مشروع “الإدارة الذاتية” الكردية وبين الطوق التركي الممتد من إعزاز إلى الباب وجرابلس. تحييد هذا المحور، سياسيًا وأمنيًا، كان الخطوة الأولى لفصل الجيوب الكردية عن بعضها، وقطع أي إمكانية لامتداد متصل غرب الفرات.

مع الانتقال إلى دير حافر ومسكنة، دخلت المعركة طورها الحقيقي. هنا لم تعد تركيا لاعبًا خلف الستار، بل فاعلًا مباشرًا. الدعم بالعتاد والسلاح النوعي، توفير الغطاء الاستخباراتي، وتنسيق حركة القوات البرية، كلها عناصر ظهرت آثارها بوضوح في سرعة انهيار خطوط “قسد”. الأهم من ذلك كان الحضور النوعي لقوات العمليات الخاصة التركية، التي لم تُستخدم بكثافة إعلامية، لكنها لعبت دورًا حاسمًا في توجيه الضربات الدقيقة، وضبط الإيقاع، ومنع أي مفاجآت ميدانية.

امتداد العمليات غرب الفرات نحو الطبقة لم يكن تفصيلًا، بل جوهر المعركة. فالطبقة وسد الفرات يشكّلان القلب الاقتصادي والعسكري لأي كيان شرق سوريا. السيطرة عليهما تعني امتلاك ورقة الطاقة والمياه، وتطويق الرقة من الجنوب، ووضع “قسد” في زاوية جغرافية خانقة. هنا ظهر الدور التركي بأوضح صوره: سيطرة جوية شبه كاملة، مسيّرات، تحريك قوات خاصة، ورسالة سياسية لا لبس فيها مفادها أن بقاء “قسد” غرب الفرات خط أحمر.

لكن عين أنقرة لم تكن على الطبقة فقط، بل على عين العرب/كوباني. هذه المدينة تمثّل العقدة الرمزية والأمنية الأخطر في المشروع الكردي. فربط كوباني بمناطق درع الفرات شمال حلب أو فصلها نهائيًا عنها ليس مسألة تكتيكية، بل قرار استراتيجي تركي مؤجل التنفيذ. ما جرى غرب الفرات هو تهيئة ميدانية ونفسية وسياسية لمعركة أكبر: منع أي تواصل كردي متصل على الحدود، وإغلاق القوس من منبج إلى كوباني بشكل نهائي متى نضجت الظروف.

في موازاة النار، كان المسار السياسي يُدار بدقة. خطاب أحمد الشرع الموجّه إلى الأكراد، والمرسوم الذي أقرّ الاعتراف بالهوية واللغة والحقوق المدنية، لم يكونا تنازلًا تحت الضغط، بل أداة سياسية لتفكيك الذريعة التي طالما استخدمتها “قسد”. الرسالة كانت واضحة: لا حاجة لكيان مسلح خارج الدولة لحماية الحقوق، بعدما أصبحت هذه الحقوق جزءًا من الإطار القانوني والسياسي. بهذا المعنى، شكّل المرسوم سحبًا للغطاء الأخلاقي والسياسي عن مشروع “قسد”، لا مصالحة مجانية معها.

إقليميًا، برز الموقف السعودي كعامل داعم ضمني لهذا المسار. الرياض، التي تنظر إلى “قسد” كامتداد لمشاريع تفتيت الدولة الوطنية، لم تُبدِ أي حماسة لبقائها لاعبًا مسلحًا مستقلًا، وفضّلت دعم مسار يعيد ضبط الجغرافيا السورية ضمن معادلات دولة مركزية أو شبه مركزية، بعيدًا عن الفيدراليات المفروضة بالقوة. هذا الرفض السعودي، وإن جاء بهدوء، وفّر غطاءً سياسيًا عربيًا إضافيًا للمسار التركي.

في المقابل، بدت الولايات المتحدة في موقع اللامبالاة المحسوبة. حضور ميداني بلا قرار، بيانات بلا ضمانات، وإدارة أزمة لا صناعة نتائج. واشنطن لم تعارض ما جرى غرب الفرات، لأنها ببساطة حسمت أولوياتها شرق النهر فقط. “قسد” بالنسبة لها أداة وظيفية، لا مشروع دولة، وعندما انتهت الحاجة إلى تمددها غربًا، تُركت لتواجه مصيرها.

خلاصة المشهد أن ما حدث لم يكن تراجعًا عسكريًا لـ“قسد” فحسب، بل إعادة رسم شاملة للنفوذ. تركيا أمسكت بالميدان، السياسة سحبت الذرائع، السعودية وفّرت الغطاء العربي، وأمريكا أدارت ظهرها. أما العين المقبلة، فلا تزال مفتوحة على كوباني. هناك، قد تُكتب الحلقة الأكثر حساسية في الصراع على شمال سوريا، حيث تختبر أنقرة مرة أخرى قدرتها على تحويل الخطوط الحمراء إلى وقائع نهائية.

والأهم أن معارك الشمال كلها تمهيداَ لتسويات الجنوب القريبة جدا َ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »