اخبار دولية
أخر الأخبار

محمد سيف الدين:‏ماذا يحدث في الشرق الأوسط؟

‏ماذا يحدث في الشرق الأوسط؟

✍️كتب  الباحث في العلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن القومي الروسي محمد سيف الدين 

عودة الحرب على غزة، ضربات أميركية على اليمن، وتهديدات متجددة للبنان والعراق.

وفي كل واحدةٍ من هذه الساحات، أهدافٌ أميركية وإسرائيلية محددة.

ترامب يرى هذه الملفات كلها مترابطة، ومتصلة بصورةٍ أو بأخرى بمركز زخم إقليمي واحد: إيران

ولأنه يفضل تحقيق أهدافه بالإخضاع الديبلوماسي والاقتصادي، فقد أرسل رسالته الشهيرة إلى إيران. 

 

كيف سيكون الرد؟

تسلمت طهران الرسالة الأميركية، لكنها بموازاة ذلك تسلمت في جبهات عدة رسائل دموية تناسب ضغوط ترامب القصوى.

مضامين الرسالة لم يفصح عنها بشكلٍ رسمي، بل تريثت إيران بالرد لدراستها، والرد عليها بالقنوات المناسبة كما قالت.

ومع ذلك، أراد ترامب ومعه نتنياهو، زيادة الضغوط إلى أقصى حدود في المنطقة.

ذهب ترامب بضربات قاسية إلى اليمن، وهدد بأن أي طلقةٍ من هناك سوف يحمل مسؤوليتها لإيران. وبموازاة هذا التوجه، سارت نتنياهو إلى إعادة إطلاق آلة القتل في غزة، وبمباركة أميركية ترجمت بالتعليق الأميركي: واشنطن تدعم الخطوة التالية لإسرائيل.

فما هي هذه الخطوة؟

بدأت إسرائيل هذه الخطوة بالتراجع عن الالتزامات التي تضمنها وقف إطلاق النار مع الفلسطينيين.

وهي الآن لا تعود للقتال، بل للقتل، مستعينة بدعمٍ أميركي يتجاوز منطق العلاقات الدولية وقوانينها الدولية وأعرافها.

إذ بات من الممكن ببساطة الانسحاب من أي اتفاق أثناء تنفيذ أجزائه، ثم العودة للضغط على المدنيين، من أجل استثمار ذلك في تحصيل شروط سياسية من ممثليهم.

ما الاحتمالات؟

أما إذا رفض هؤلاء الخضوع، فهذا ما يراه نتنياهو وترامب أفضل من الخضوع بعد، إذ يعطيهم فرصة قتل أهل غزة، ثم طردهم من أرضهم، ومن دون عناء النقاش العالمي، وتصويت المنظمات الدوليةد وبحث الباحثين عن القوانين والنظم…

أولئك يبحثون في الكتب عن تاريخ الحروب بطوبابية، وهؤلاء ينفذونها من دون أي قاعدة أو مسوغ.

ماذا عن أفق الحرب الآن؟

إما إرغام حماس على تسليم الأسرى المتبقين من دون شروط، ثم الانقضاض عليها مجدداً، أو تصعيد الحرب تدريجاً لتصبح كما كانت “حرب إبادة” علنية، صريحة، مباشرة، عارية، لا تحتاج لاتهامات ودلائل، فهي تدور تحت البث المباشر، وليعترض من لازال راغباً في الاعتراض.

مسؤولان إسرائيليان قالا لواشنطن بوست إن عودة الغارات على غزة هي تكتيك ضغط سياسي لإجبار حماس على خطوات سياسية.

نتنياهو أيضاً يقول أكثر من ذلك

الرجل منتشٍ بالتناغم التام مع ترامب ومشروعه، ويحاول تثبيت أن ما لا تنفع معه القوة، ينفع معه المزيد منها.

ويريد المفاوضات بالنار، وأن يغير شروط الاتفاق الأول.

الأمر واضح أنه الاتفاق الأول كان من أجل الحصول على أكبر عددٍ ممكن من الأسرى الإسرائيليين، ثم العودة إلى القتل، لتثبيت النتائج السياسية، وبين الأمرين هروب من الالتزامات.

أما بالنسبة للأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم، فالأمر بسيط: تقتلهم إسرائيل مجدداً. هكذا يفكر نتنياهو، والأمر لا يعني شيئاً لترامب. فليمت الجميع طالما أن المصلحة مؤمنة.

ماذا عن تجدد الحرب على لبنان؟

لا شك أن الموقف خطر جداً، وهو مرتبط بالضغط على إيران من جهة، وبطلب تحولٍ سياسيٍ جذري في الداخل اللبناني، ومما يبدو أن الإدارة الأميركية لن تكتفي بما تحقق على المستوى السياسي حتى الآن، بل تطلب تفاوضاً مباشراً بين لبنان وإسرائيل، يفضي إلى اتفاق تطبيع إن أمكن.

أما حقائق المجتمع اللبناني، والتعقيدات الداخلية، فلا تقبل الأمر، إذ تناهض أغلبية لبنانية واضحة مسألتين:

– التطبيع.

– الحرب.

هذه الأغلبية لا تريد حرباً جديدة، وهذا واضح، لكنها لا تريد التطبيع، فماذا تريد؟

ترغب أغلبية اللبنانيين بوقف دائم لإطلاق النار، واتفاق على ترسيم الحدود البرية لاستعادة النقاط التي تحتلها إسرائيل، تلك السابقة للحرب، والنقاط الخمس وما معها مما استجد.

وعلى الرغم من حملاتٍ إعلامية ضخمة ومستميتة لتصوير السياق على أنه يطلب التطبيع، إلا أن ذلك ليس حقيقياً تماماً، وهو ما ستكشفه الانتخابات النيابية المقبلة بتقديري.

لكن إلى ذلك الوقت، ستزداد الضغوط الأميركية من أجل إجبار الجميع على الذهاب بالخطوات السياسية إلى الأمام. وبالتهديد بعودة الحرب.

وهذه الأخيرة، يزداد خطرها كلما اقتربت ضربة عسكرية لإيران، فهل تحصل؟

البارحة، وفي الأيام التي سبقت، كانت احتمالات الضربة عالية. اليوم تراجعت بعض الشيء نظراً لمعطيات جديدة تمثلت بانفجار الوضع في غزة، ورد الحوثيين على قاعدة نيفاتيم العسكرية، والموقف الأيراني المستمر بالمراوغة بين حدين:

– الرفض التام لتقبل التهديدات والتفاوض بالنار.

– المرونة من خلال عدم الرد المتسرع على رسالة ترامب، ودراستها بتمعن قبل الرد.

لكن هناك شيء جديد حصل اليوم.

اتصال ترامب وبوتين، تضمن “عدم تمكين إيران من القدرة على تدمير إسرائيل، ويُفهم منه عدم حيازتها الأسلحة النووية.

لكن في المقابل، يُفهم أيضاً منه، ومن عبارة التعاون الجيوسياسي الأميركي الروسي في الشرق الأوسط، أن روسيا -التي تتوسط في البرنامج النووي الإيراني- حققت في المقابل إبعاد الضربة العسكرية عن إيران.

ومع ذلك، تبقى الاحتمالات كلها مفتوحة، نظراً لوجود مطالب ترامبية أخرى. ما هي؟

يضع ترامب الحوثيون وحماس وحزب الله وجزء من العراقيين، في سلة إيران، وهذا لمن يعرف التفاصيل غير دقيق تماماً، وإن كان صحيحاً في صورة الأسود-أبيض. 

لكن على أي حال، يبدو أن ترامب يطلب التخلي عن دعم هؤلاء جميعاً، ووقف قدرات البرنامج الصاروخي الإيراني، والذهاب إلى تسهيل مهمته في المنطقة، ومع ذلك لا يريد السماح باستخدام إيران للطاقة السلمية النووية، إلا ضمن شروط شديد الضبط. وهذا ما ترفضه طهران حتى الآن.

كيف يمكن أن تتطور الأمور؟

إذا تمكنت إيران من تكرار أسلوب بوتين في تخدير ترامب، وتوجيه غضبه إلى حلفائه، تكون قد حققت إنجازاً ديبلوماسياً خارقاً، لكن الأمر صعب.

وإذا تمكنت روسيا، من صياغة حلٍ وسطي، يهدىء الأمور في الشرق الأوسط من دون حلها تماماً، فستكون هي قد حققت اختراقاً سياسياً كبيراً أيضاً.

وإذا تمكن ترامب، من تحقيق تراجع إيراني واضح في المنطقة، على الأقل في ملف دعم حركات المقاومة، فسيكون قد حقق إنجازه الخاص.

لكن إذا لم تفلح أي من هذه السيناريوهات، ماذا يمكن أن يحدث؟

الضربة الأميركية-الإسرائيلية لإيران متوقعة حينها، لكن ليس بأسلوب الحرب الشاملة.

بل بضربات قاسية قد تصل الدمار حد الدمار الشامل، وهجينة، تجمع استهدافات تكنولوجية لتعطيل إدارة الدولة، واغتيالات كبيرة تهدف إلى الصعق وإحداث الفوضى، بمصاحبة تحريك تظاهرات على الأرض لإحداث انقلاب سريع. لكن هذا السيناريو شديد الخطورة على إسرائيل وعلى ترامب وقواته في المنطقة، وعلى مشروعه بصورة عامة.

ذلك أن إيران لابد أنها رأت ما جرى في المنطقة، وتمتلك خطةً خاصة للقيام بعد ضربة نووية كبرى مثلاً. والرد. وعند ذلك، فإن الرد سيحدث شيئاً مماثلاً في إسرائيل على الأقل. هكذا يفترض المنطق. والأشياء تحدث…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »