مقالات

طوفان الأقصى يحاكي مطار الثورة،،،،، حقوق الشعب الفلسطيني يستحيل تصفيتها

الكاتب والباحث يوسف مرتضى

لم تكن عملية طوفان الأقصى التاريخية مفصولة عن النضال المديد المتعدد الأوجه والأشكال للشعب العربي الفلسطيني بمختلف فصائله. وبغض النظر عن الطبيعة الأيديولوجية لحركة حماس وجناحها العسكري ” كتائب القسّام” التي أتعارض معها، غير أنه لا بد من الإقرار ، بأن ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ تاريخ عملية طوفان الأقصى سيكون بعده حتماً ونوعياً غير ما كان قبله. والحديث هنا لا يدور حول ما أبرزته العملية من تفوّق أمني ومعلوماتي وتقني وعسكري على جيش العدو الصهيوني، وكشف زيف ما عُرّف به على مدى عقود بأنه لا يقهر، إنما التركيز على البعد السياسي للعملية التي أعادت الاعتبار لقضية العرب المركزية” فلسطين”. حيث وبغض النظر عما سيفضي إليه العدوان الصهيوني الغاشم على غزة، الذي يلقى تغطية ودعماً غير مسبوقين وبشكل سافر من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، فإن عملية طوفان الأقصى قد أعادت وضع القضية الفلسطينية وبقوة على الطاولة، بعدما ساد الاعتقاد عند كثيرين أنها أصبحت نسياً منسيّ خاصةً مع توسّع موجة التطبيع العربي الإسرائيلي.

لقد حدد العدو الإسرائيلي ومعه كل الغرب أن هدف الحرب على غزة هو الإجهاز على حركة حماس جسدياً. وفات هؤلاء أن حماس وبغض النظر عن أيديولوجيتها التي لا أتفق معها كما أسلفت ، أن عنوان مواجهتها هو تحرير الاقصى واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني ، هذا العنوان الذي لا يمكن تصفيته مطلقاً، وأنه كلما تغلّب الصهيوني ومعه الغربي والرجعي العربي على مكون من مكوناته سوف تفرّخ بدائل ومكونات آخرى أكثر تصلباً وتشدداً في حرصها على استعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني مهما كانت التضحيات ومهما طال الزمن. إنه شعب الجبارين، وإنها فلسطين الولاّدة.

ومما تظهره الأحداث، فإن المواجهة مع العدو الصهيوني، هي مواجهة مع من صاغوا بياناً مشتركاً وتبنوا السردية الإسرائيلية عن عملية طوفان الأقصى، وهبوا لنجدة إسرائيل الثكلى!، ليقدموا لها العون المعنوي والمادي والأمني والعسكري: أميركا، برطانيا، فرنسا، المانيا، إيطاليا.

وقد يسأل سأل لماذا هذا الاحتضان الغربي المبالغ به للصهاينة؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تجد جذورها في السردية التاريخية التالية التي تببن هيمنة الصهيونية على القرار الغربي منذ القدم.

في العودة إلى مؤتمر فرساي عام ١٩١٩ على أثر انتهاء الحرب العالمية الأولى الذي تحدد فيه مصير الإمبراطورية العثمانية والشرق الأوسط فضلاً عن تحديد مصير المانيا وإيطاليا المهزومتين في الحرب أيضاً مع السلطنة. نلحظ أن الصهاينة كانوا يسيطرون بشكل واضح على قرارات المؤتمر ولجان الصياغة فيه. على سبيل المثل، كان مستشار الرئيس الأميركي ويلسون في باريس هو الحاخام ستيڤن وايز ومعه الصهيوني برنارد باروخ. أما رئيس الوزراء البريطاني فكان مستشاره الصهيوني من أصول عراقية فيل ساسون. والرئيس الفرنسي جورج كليمنصو فكان معاونه الرئيسي وزير داخليته جورج مندل الذي كان يحمل قبل ذلك إسم لويس روتشلد. وكان المستشاران ذاتهما، باروخ ووايز، حاضرين أيضاً في المؤتمر بصفتهما عضوين في الوفد الصهيوني. وقبل ذلك في العام ١٩١٣ كان المستشاران قد شاركا أيضاً في تأسيس البنك الفدرالي الأميركي أي ” البنك المركزي الأميركي”. وربطاً بتلك الجذور نلحظ أن الرئيس الأميركي بايدن يتباهى اليوم بأنه صهيوني وإن كان ليس يهودياً، وتجدر الإشارة في هذا المجال أن جهاز العمل الخارجي مع بايدن جلّهم من اليهود، بلينكن وزير الخارجية، سوليڤان رئيس جهاز الأمن القومي، روبرت مالي مسؤول الملف الإيراني… ولا تغيب عنا هوية ودور الرئيس الفرنسي ماكرون .

إننا إذاً أمام حركة دينية سياسية، كانت مؤثرة في القرار السياسي الدولي منذ أواسط القرن التاسع عشر على الأقل ، وشاركت في رسم التحولات السياسية العالمية في القرنيين التاسع عشر والعشرين. وتأثيرها السياسي الدولي يظهر بوضوح منذ بدايات القرن الحادي والعشرين . من هده الخلفية تتصرف إسرائيل وكأنها واحدة من الدول الكبرى. وقد نجحت في السيطرة على جزءٍ مؤثر من الصحافة في معظم الدول الغربية، وهذا ما ظهر في ترويج ما أرادته من تشويهات لعملية طوفان الأقصى، هذا فضلاً عن قدرات إسرائيل والصهيونية العالمية الاقتصادية والسياسية وتأثيرها في القرارات الدولية.

هذه هي إذاً هوية المؤسسة السياسية ومقدراتها الاقتصادية والإعلامية التي استهدفتها الثورة الفلسطينية يوم انطلقت في العام ١٩٦٥. وبعد أن كانت الصهيونية تفترض أن الفلسطينيين قد أخلوا الساحة نهائياً ، فوجئت بانطلاق الثورة فراحت توجّه خبراءها للبحث بكيفية التصدي لهذه الظاهرة الجديدة.

وبالرغم من أن ظاهرة الثورة الفلسطينية لم تحقق الأهداف المرجوة منها، إلا أنها ساهمت في تغيير الكثير من المفاهيم ، ليس في منطقة المشرق فقط، إنما أيضاً على الساحتين الفكرية والدولية.

كان لخريجي الجامعات الغربية من الفلسطينيين الذين انخرطوا في قيادة بعض الفصائل الفلسطينية دور كبير في تحديد الفوارق الكبيرة في فكر الثورة الفلسطينية، بين ثورات التحرر الوطني في العالم وخصوصيات مواجهة العدو الصهيوني ذو الامتداد الأممي.

وهكذا اجتمع عدد من الشباب الفلسطيني على فكرة التخطيط السياسي والعسكري للثورة، هذه الفكرة التي وجدت طريقها إلى قيادات الحركتين الفلسطينيتين، فتح والجبهة الشعبية. ومن أوائل الذين اقتنعوا بالآراء الجديدة واعتنقوها بدءاً من آواخر السبعينات من القرن الماضي هو الشهيد الدكتور وديع حداد، والعديد غيره طبعاً.

وتنفيذاً لهذا التوجه، تم إنشاء فريق أول لصياغة بيان سياسي فلسطيني، طابعه العام ، أنه يطالب بما لا تقبل به الصهيونية، ولكنه قابل للترويج في الأوساط الغربية، مع إمكانية إقناع الشارع الفلسطيني به. فنتج عن ذلك كتابة كرّاس “الدولة الديمقراطية الفلسطينية”، الذي طبع باللغة الإنكليزية، قبل أن يعاد نشر ترجمته لاحقاً باللغة العربية. وكذا كُلّف فريق ثانٍ بمهمة ابتكار طريقة تسمح للثورة بتنفيذ عمليات عسكرية تنقل القضية الفلسطينية من مستوى وخز الإبرة (الذي كانت تقتصر عليه عمليات الثورة) إلى المستوى العسكري الميداني بمعولٍ إعلامي دولي. وكانت بنتيجة ذلك عملية مطار الثورة ثم تبعتها غيرها من العمليات ” خطف الطائرات”، وما تزال عملية ليلى خالد حاضرة في الأذهان .

وعملية مطار الثورة، الذي حوّلت إليه طائرات مدنية من عدد من الدول، فقد امتازت بالدقة الشديدة، ولفتت أنظار العالم إلى أن الثورة الفلسطينية ليست فقط سلسلة عمليات وخز للإبر، بل هي قادرة على الارتقاء إلى مستوى هذا التهديد للأمن الصهيوني، ودون أن يعاب عملها بضحايا بشرية غير محسوبة.

وعلى الصعيد السياسي وفور إنجاز كُرّاس الدولة الديمقراطية في ربيع عام ١٩٦٩، تحرك فريق من فتح وعرضه على مدير مكتب الرئيس الفرنسي ميشيل جوبر الذي أصبح وزير خارجية فرنسا عام ١٩٧٣، فتبنّاه، ثم تعاون مع وزارة الخارجية الفرنسية ، وساعد حركة فتح على عرض القضية الفلسطينية على “مجلس السوق الأوروبية المشتركة”كما كانت تسمى آنذاك، وصدر القرار الأول في تاريخ فلسطين منذ عام النكبة الذي تعترف فيه دول السوق بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني(المصدر، كتاب ، صراعات الجيل الخامس للكاتب إميل خوري – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ).

وهكذا كما “مطار الثورة ” هزّت عملية طوفان الأقصى الأمن الإسرائيلي وكشفت هشاشته وأعادت طرح القضية الفلسطينية على طاولة مجلس الأمن الدولي لتطرح مجدداً، أن مسألة الأمن والسلام في الشرق الأوسط غير ممكنة دون الإقرار وتثبيت حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة بدولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف أو الذهاب إلى الدولة الديمقراطية التعددية على كامل تراب فلسطين.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »