كتب إدريس أحميد : الاتحاد الإفريقي بين تحديات الداخل ورهانات المكانة الدولية
تمر القارة الإفريقية هذه السنة بذكرى مرور أكثر من 140 عامًا على مؤتمر برلين، الذي سلطت مجلة فورين بوليسي الضوء عليه مؤخرًا، لتذكير العالم بكيفية تقسيم إفريقيا بين القوى الأوروبية دون أي مشاركة من شعوبها، ورسم حدود مصطنعة لم تراعي الهويات القبلية والثقافية للشعوب الإفريقية. هذا الحدث شكل بداية إرث طويل من الاستغلال والسيطرة الأجنبية، الذي ظل يؤثر على مسار التنمية والاستقرار في القارة حتى يومنا هذا.

كتب إدريس أحميد : الاتحاد الإفريقي بين تحديات الداخل ورهانات المكانة الدولية
✍️📰تعريف بالكاتب: إدريس أحميد – كاتب وصحفي متخصص في الشؤون السياسية المغاربية والدولية، مهتم بالقضايا الإفريقية ووحدة القارة.
تمر القارة الإفريقية هذه السنة بذكرى مرور أكثر من 140 عامًا على مؤتمر برلين، الذي سلطت مجلة فورين بوليسي الضوء عليه مؤخرًا، لتذكير العالم بكيفية تقسيم إفريقيا بين القوى الأوروبية دون أي مشاركة من شعوبها، ورسم حدود مصطنعة لم تراعي الهويات القبلية والثقافية للشعوب الإفريقية. هذا الحدث شكل بداية إرث طويل من الاستغلال والسيطرة الأجنبية، الذي ظل يؤثر على مسار التنمية والاستقرار في القارة حتى يومنا هذا.
لقد استغل الاستعمار الأوروبي الموارد الإفريقية والبشرية، وكانت تجربة الكونغو في عهد الملك ليوبولد الثاني نموذجًا صارخًا للنهب والتدمير، حيث عانت الشعوب المحلية من استغلال قاسٍ أدى إلى مقتل ملايين الأف Africans وتشريدهم. هذا التاريخ الاستعماري ترك بصماته على الاقتصاد والسياسة والثقافة، وأسهم في إرساء بنية تعتمد على السيطرة الخارجية والهيمنة على الموارد بدلاً من التنمية المحلية المستدامة.
من جهة أخرى، بدأت بذور القومية الأفريقية تتشكل، خاصة في الشتات، حيث دعم مفكرون مثل دبوا وغارفي حركات المطالبة بالتحرر الوطني وحقوق الإنسان، مؤكدين على ضرورة الوحدة والاعتراف بالهوية الإفريقية. هذه الحركات لم تقتصر على الجانب الفكري فقط، بل أسست لقيادات أفريقية طالبت بالاستقلال عن القوى الاستعمارية، ومن بينهم كوامي نكروما في غانا، وجومو كينياتا في كينيا، وجوليوس نيريري في تنزانيا، الذين قادوا شعوبهم نحو الاستقلال وأسسوا منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، محاولة وضع أسس لمشروع قاري موحد.
لقد ساهمت ليبيا والراحل معمر القذافي في تعزيز فكرة الوحدة الإفريقية ودعم تأسيس الاتحاد الإفريقي لاحقًا، من خلال تقديم الدعم السياسي والمبادرات الاقتصادية التي عززت استقلالية القارة وقدرتها على مواجهة الهيمنة الخارجية. هذا الدور شمل الدفع نحو تطوير المؤسسات الإفريقية وإبراز قدرة الاتحاد على إدارة النزاعات الإقليمية والأزمات الداخلية، بالإضافة إلى تعزيز الهوية المشتركة وإطلاق مبادرات تنموية لدعم الدول الأعضاء.
التحديات الداخلية أمام الاتحاد الإفريقي
رغم هذه الجهود، ما زالت إفريقيا تواجه تحديات عميقة على المستوى الداخلي، إذ لم تنجح معظم الدول الإفريقية في تحقيق استقلال حقيقي، وبقي الاستعمار الثقافي والاقتصادي يفرض نفسه عبر هيمنة الشركات الغربية على الثروات والموارد. إضافة لذلك، الفساد السياسي واستغلال بعض الحكام للسلطة والموارد العامة أسهم في استمرار تبعية الدول للقوى الخارجية، مع ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفقر والجهل والأمراض وانعدام الخدمات الأساسية. وقد دفع هذا الواقع بعض القادة الذين سعوا للتحرر الحقيقي إلى دفع حياتهم ثمنًا لمواقفهم، كما حدث مع باتريس لومومبا وتوماس سنكارا، من خلال اغتيالات وانقلابات مدعومة خارجيًا.
المكانة الدولية وإمكانات الاتحاد الإفريقي
على الصعيد القاري، فشل مشروع منظمة الوحدة الإفريقية في استثمار الإمكانات الهائلة للقارة ومنحها المكانة التي تستحقها، لكن تأسيس الاتحاد الإفريقي أعاد نفسًا جديدًا لهذا المشروع، رغم الصعوبات الكبيرة التي رافقت ولادته. ولعل أبرز الرهانات الآن تكمن في توطين الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل دول الاتحاد، وتعزيز الديمقراطية بإرادة وطنية صادقة، لأن غياب هذه الركائز يعرقل قدرة القارة على بناء مشروع جماعي مؤثر في النظام الدولي.
في الوقت نفسه، يمتلك الاتحاد الإفريقي فرصة تاريخية لتعزيز مكانته الدولية من خلال التعاون مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، بهدف بناء قطب دولي جديد يوازن النفوذ الغربي التقليدي. تقدم الصين مبادرات ضخمة للتنمية والبنية التحتية عبر “الحزام والطريق”، بينما تعمل روسيا على تعزيز حضورها من خلال الشراكات الأمنية والاستراتيجية. إذا استطاع الاتحاد التفاوض والتعامل مع هذه القوى ككتلة واحدة، فسيمنح القارة وزنًا حقيقيًا في النظام العالمي متعدد الأقطاب، بعيدًا عن تبعية الماضي.
اليوم، تقف إفريقيا عند مفترق طرق: إما أن تظل رهينة أزماتها الداخلية ومصالح الآخرين، أو أن تتوحد إرادة قادتها لبناء مشروع قاري جامع يقوم على الاستقرار الداخلي، العدالة الاجتماعية، والتنسيق السياسي الخارجي. هذا الخيار وحده سيمنح الاتحاد الإفريقي المكانة التي يستحقها كقطب دولي فاعل، لا مجرد ساحة لصراعات القوى الكبرى.



