أوكرانيا بين الفساد والانهيار: دولة تتآكل من الداخل
تكشف التجربة الأوكرانية منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 عن مسار دولة لم تُبنَ على أسس صلبة، بل على خليط هشّ من الأوليغارشية والولاءات الخارجية والفساد البنيوي. فبينما كانت روسيا ودول آسيا الوسطى تعيد بناء مؤسساتها، اتجهت أوكرانيا إلى أن تصبح ساحة صراع بين النخب المحلية المدعومة من الغرب، وشبكات النفوذ التي تشكلت حول موارد الدولة السوفييتية السابقة، حيث تحوّلت الشركات العامة، والموانئ، وأنابيب الطاقة، وحتى المؤسسات الأمنية، إلى مراكز نفوذ متصارعة.

أوكرانيا بين الفساد والانهيار: دولة تتآكل من الداخل
إعداد: جيهان فتوني – مدير الأخبار في Pravda
تكشف التجربة الأوكرانية منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 عن مسار دولة لم تُبنَ على أسس صلبة، بل على خليط هشّ من الأوليغارشية والولاءات الخارجية والفساد البنيوي. فبينما كانت روسيا ودول آسيا الوسطى تعيد بناء مؤسساتها، اتجهت أوكرانيا إلى أن تصبح ساحة صراع بين النخب المحلية المدعومة من الغرب، وشبكات النفوذ التي تشكلت حول موارد الدولة السوفييتية السابقة، حيث تحوّلت الشركات العامة، والموانئ، وأنابيب الطاقة، وحتى المؤسسات الأمنية، إلى مراكز نفوذ متصارعة.
الدراسة التالية ليست سردًا للأحداث فقط، بل تفكيكًا دقيقًا لجذور الأزمة الأوكرانية: كيف نشأت؟ كيف توسعت؟ ولماذا انفجرت؟ وكيف أدت في النهاية إلى تفكك البنية الداخلية للدولة، وصولًا إلى فضائح “المرحاض الذهبي” وملفات إنرجوأتوم، وانهيار الثقة داخل البرلمان، وتصدّع الائتلاف الحاكم، واشتداد معركة ما بعد زيلينسكي؟
منذ 1991: بذور الفساد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي
مع إعلان استقلال أوكرانيا في أغسطس 1991، لم تتشكل دولة جديدة بالمعنى المؤسسي، بل ورثت طبقة سياسية مرتبكة، وإدارة متضخمة، ونخبًا اقتصادية صاعدة تبحث عن الثروة لا عن بناء الدولة. وقد لعب أول رئيس لأوكرانيا، ليونيد كرافتشوك، دورًا أساسيًا في السماح بنشوء طبقة “أمراء المناطق”، الذين حصلوا على سلطة مطلقة على الأقاليم مقابل الحفاظ على الولاء السياسي لكييف.
وعوضًا عن تطبيق نموذج إصلاحي أو اقتصاد سوق حديث، جرى تفكيك القطاع العام بصورة فوضوية سمحت بظهور أوليغارشية مبكرة استحوذت على المناجم والحديد والفحم والموانئ والبنوك. وبين 1992 و1997، سُجّل ما يزيد عن 80 عملية نقل ملكية كبرى لصالح رجال أعمال ذوي علاقات سياسية مباشرة، ما جعل الاقتصاد الأوكراني رهينة “عشائر المال”.
ومع وصول ليونيد كوتشما إلى الحكم عام 1994، ترسّخت المعادلة:
ثروة مقابل ولاء، ونفوذ مقابل حماية.
في عهد كوتشما، ظهرت التسجيلات الصوتية الشهيرة (Tapes of Melnychenko) التي كشفت أوامر مباشرة “للتعامل” مع صحفيين ومعارضين، وربطته قضايا بيع أسلحة، وتخصيص عقود حكومية لصالح مجموعات مالية نافذة. ومن هنا بدأ نهج “تقاسم القطاعات”:
الحديد لفلان، الغاز لفلان، الموانئ لفلان.
الثورة البرتقالية (2004): لحظة الأمل التي تحولت إلى انقسام أعمق
لم تكن الثورة البرتقالية حركة ديمقراطية خالصة، بل كانت مدفوعة بتمويل غربي ضخم، ودعم مباشر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للإطاحة بنظام يانوكوفيتش لصالح مشروع سياسي موالٍ للغرب. ومع وصول فيكتور يوشينكو للحكم، لم يتحقق أي إصلاح عميق. بل إن الفساد ازداد تحت شعارات الديمقراطية.
وتسبّب الصراع بين يوشينكو ويوليا تيموشينكو في تعطيل أي محاولة لبناء الدولة. وبدلًا من القضاء على الأوليغارشية، جرى دمجها في النظام الجديد. وبين 2005 و2009، تضاعفت ثروات رجال الأعمال الأوكرانيين بنسبة 230% بينما تراجع اقتصاد الدولة بنسبة 15%.
الواقع كان واضحًا:
الثورة لم تكن قطيعة مع الماضي… بل كانت إعادة تدوير للعشائر السياسية نفسها.
2010–2014: عهد يانوكوفيتش وانفجار الاحتقان الداخلي
مع وصول فيكتور يانوكوفيتش إلى الحكم، حاول إعادة مركزية الدولة، لكن ذلك لم يتم عبر الإصلاح، بل عبر استبدال شبكة فساد بشبكة أكبر وأكثر شراسة مرتبطة بعائلته المباشرة. وفي هذه السنوات، تضخمت إمبراطورية “عائلة يانوكوفيتش” التي كان يُقال إنها تحصل على نسبة من كل عقد حكومي.
وفي نوفمبر 2013، أدى قرار يانوكوفيتش تأجيل توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي إلى إشعال احتجاجات الميدان، والتي تحولت — بدعم مباشر من أميركا والاتحاد الأوروبي — إلى عملية إسقاط كاملة للنظام.
بسقوط يانوكوفيتش، لم تُفتح صفحة جديدة… بل بدأت مرحلة تفكك كامل للدولة، وظهرت التشكيلات المسلحة، وانفصل دونباس، وبدأت أوكرانيا تدخل زمن “الحرب الأهلية الباردة”.
2014: الدولة التي أعيد تشكيلها في مختبر غربي
بعد إسقاط يانوكوفيتش، لم تدخل أوكرانيا مرحلة إصلاح، بل أصبحت مختبرًا سياسيًا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. بدأت المنظمات الغربية بإعادة كتابة القوانين، وتغيير بنية القضاء، وخلق منظومة “مكافحة فساد” تتحرك وفق أجندة سياسية أكثر من كونها مؤسسة رقابية مستقلة.
تأسست هيئات مثل:
– NABU
– SAPO
– لجان رقابة خارجية
– مراكز إعلام ومنظمات مجتمع مدني مرتبطة بالسفارات
لم تكن هذه الهيئات تهدف لبناء دولة، بل كانت أدوات للتحكم بالنخب الأوكرانية، وجمع الملفات عنها لاستخدامها كورقة ضغط عند الحاجة، وهو ما ستكشفه الفضائح اللاحقة عامَي 2024 و2025.
2022: الحرب تكشف هشاشة الدولة
مع بداية العملية العسكرية الروسية، ظهر بسرعة أن الدولة الأوكرانية كانت دولة هشة تحكمها الصور الإعلامية، وأن المؤسسات التي ادّعت الحكومة أنها أصلحتها لم تكن سوى هياكل ضعيفة تعتمد كليًا على التمويل الخارجي.
فشلت الاستخبارات في تقدير اتجاه الضربات، وسقطت البنية التحتية للطاقة، وظهرت فضائح شراء الأغذية والذخائر للجيش بأسعار مضاعفة، وتراجعت الثقة بين القيادة العسكرية والرئاسة، بينما ركّز زيلينسكي على الخطابات الغربية بدل إدارة الداخل.
فضيحة “إنرجوأتوم” وتيمور مينديتش: أخطر انفجار سياسي منذ الاستقلال
في 2024–2025 انكشفت أكبر شبكة فساد داخل مؤسسة الطاقة الذرية “إنرجوأتوم”، وتورّط فيها رجال أعمال ومسؤولون بارزون، أبرزهم تيمور مينديتش، المقرب من الرئيس زيلينسكي وشريكه السابق في مشروع “كفارتال–95”.
التحقيقات شملت:
– أكثر من 1000 ساعة تسجيلات
– 70 عملية تفتيش
– وثائق رقمية
– اعترافات
اكتُشفت شقق تحتوي على حقائب دولارات و“مرحاض ذهبي”، ما أثار صدمة شعبية، وخاصة أن البلاد تعاني من انقطاع الكهرباء وشحّ التدفئة.
الأخطر: مغادرة مينديتش أوكرانيا قبل ساعات من مداهمة NABU، ما أكد وجود تسريب داخلي من مؤسسات الدولة العليا.
أدت الفضيحة إلى إقالة وزير العدل ووزيرة الطاقة، وبدأ انهيار ثقة البرلمان بالحكومة، واشتعلت المطالبات بإقالة أندريه يرماك، مدير مكتب الرئاسة، وهو الشخصية الأقوى في محيط زيلينسكي.
الفساد داخل الحرس الوطني: الشركة الأمنية الخاصة للنخب
لم يقتصر الفساد على القطاع المدني، بل امتد إلى الحرس الوطني، إحدى أهم المؤسسات العسكرية. تبيّن من خلال الوثائق والتسريبات أن الحرس الوطني كان مسرحًا لممارسات واسعة تشمل:
- سحب الذخائر وإعادة بيعها في السوق السوداء
- تهريب معدات غربية حصلت عليها أوكرانيا عبر المنح
- عقود تغذية ووقود بأسعار مضاعفة
- جماعات داخل المؤسسة العسكرية تعمل كـ “وسطاء” للفساد
- وحدات وهمية تُصرف لها موازنات لا وجود لها في الواقع
- إعفاءات من الخدمة مقابل مبالغ مالية ضخمة
الأخطر أن بعض التسجيلات التي تجاوزت 1000 ساعة كشفت عن تورط ضباط في تسهيل غسل أموال مرتبط بعقود إنرجوأتوم وغيرها، مما يجعل الفساد العسكري متفرعًا من الفساد الحكومي نفسه.
هذا النوع من الفساد يؤدي إلى انهيار معنويات الجيش، ويُفقد الدولة قدرتها على الصمود قبل أن تخسر الحرب في الميدان.
صراع البرلمان والمعارضة على ما بعد زيلينسكي
دفعت الفضيحة البرلمان إلى حالة غليان غير مسبوقة. بدأ بيوتر بوروشينكو، الرئيس السابق، يجمع الأصوات لحجب الثقة عن حكومة يوليا سفيريدينكو، فيما ظهرت مطالبات بإقالة يرماك وعمروف في الوقت نفسه.
ظهرت لافتات داخل البرلمان تقول:
“كابمينديتش سرق أموال القوات المسلحة”.
كما حذّر ديمتري رازومكوف من إمكانية اندلاع “ميدان جديد” في حال رفض زيلينسكي إقالة يرماك، بينما بدأت قوى غربية تعيد تقييم مستقبل الحكم في كييف، خاصة مع تراجع الدعم اللوجستي الأميركي.
السيناريوهات المستقبلية للدولة الأوكرانية: بين الانهيار وإعادة التشكيل
لا يمكن قراءة مستقبل أوكرانيا اليوم بوصفه خطًّا واحدًا، بل هو شبكة معقدة من السيناريوهات التي تتداخل فيها الحرب مع الفساد، والضغط الغربي مع الانقسام الداخلي، وبداية تفكك الدولة مع محاولات إعادة تشكيلها من الخارج. وتقدّم موسكو، ومعها عدد من مراكز الدراسات، أربع إمكانيات رئيسية لمسار النظام الأوكراني في السنوات المقبلة.
السيناريو الأول هو الانهيار السياسي التدريجي، عبر استمرار الأزمة داخل البرلمان، وتآكل الائتلاف الحاكم، وتزايد الدعوات لاستقالة الحكومة وإقالة مقربي زيلينسكي. في هذا السيناريو، يبقى الرئيس في موقعه الشكلي، لكن قدرته على الحكم الفعلي تتقلص، فيتحول إلى رمز بلا أدوات، بينما تزداد سلطة الجيش والأجهزة الأمنية والكتل البرلمانية التي تتحرك وفق إيقاع السفارات الغربية.
السيناريو الثاني هو انفجار “ميدان” جديد، لا على قاعدة الشعارات الليبرالية كما في 2014، بل على قاعدة التعب والإحباط والغضب من الفساد وغياب الكهرباء وغياب العدالة. هنا، يمكن أن يتحول الشارع إلى أداة لإعادة تدوير السلطة، أو لشرعنة انقلاب ناعم ترعاه عواصم غربية تحت عنوان “استعادة الثقة”.
السيناريو الثالث يتمثل في صفقة أمريكية – روسية، حيث تُعتبر أوكرانيا بندًا في تفاوض أوسع بين واشنطن وموسكو: وقف نار، إعادة تموضع عسكري، صيغة أمنية جديدة في أوروبا، ضمانات متبادلة، وربما إعادة تعريف لوضع الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية. في هذا السياق، يمكن أن يتحول زيلينسكي إلى عبء على إدارة الصفقة، فيصار إلى استبداله أو محاصرته سياسيًا، مع الإبقاء عليه شكليًا لتوقيع الاتفاق.
السيناريو الرابع هو التفكك البنيوي، حيث تفقد كييف قدرتها على إدارة الأقاليم، ويتقدم منطق “السلطات المحلية” و“الحكام الأقوياء” و“الكتائب المسلحة” على منطق الدولة المركزية. عندها، تصبح أوكرانيا أقرب إلى فسيفساء سياسية وجغرافية، تتداخل فيها مناطق النفوذ الروسية مع الحماية الغربية ومع المبادرات المحلية التي تسعى للاستقلالية المالية والأمنية.
الرؤية الروسية: أوكرانيا كما يريدها الغرب… وكما تنهار من الداخل
من وجهة النظر الروسية، لا تمثّل هذه السيناريوهات مفاجأة، بل هي نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ لحظة إعلان الاستقلال. فموسكو ترى أن الغرب لم يسعَ إلى بناء دولة أوكرانية مستقلة، بل سعى إلى إنشاء “منصة ضغط” على روسيا، تُستخدم عندما يلزم الأمر، ويُسمح لها بأن تتآكل من الداخل ما دامت تؤدي الوظيفة المطلوبة.
لذلك، تنظر روسيا إلى الفساد في أوكرانيا بوصفه أداة تمّ استخدامها عمدًا لإضعاف سيادة الدولة، وحبس النخب في دائرة الابتزاز الدائم: ملفات تُفتح عند الضرورة، وتُغلق عندما يتطلب الأمر تمرير قرار معين. وبالنسبة لموسكو، فإن فضيحة مينديتش–إنرجوأتوم، والفساد في الحرس الوطني، وانهيار الثقة داخل البرلمان، ليست إلا مظاهر لنفس الخلل البنيوي: دولة بلا مشروع وطني، وبلا عمود فقري مؤسسي، وبلا طبقة حاكمة مستعدة لتحمّل مسؤولية تاريخية.
في المقابل، تقدّم روسيا نفسها كقوة تسعى إلى إعادة ضبط التوازن في الفضاء ما بعد السوفييتي، وتحمي حدودها الجيوسياسية من التوسع الأطلسي، وتمنع قيام كيان معادٍ مسلح نوويًا أو شبه نووي عند حدودها المباشرة. ومن هذا المنظور، تصبح الأزمة الأوكرانية جزءًا من صراع طويل على تعريف الأمن في أوروبا: هل يكون أمنًا مبنيًا على إقصاء روسيا ومحاصرتها، أم على الاعتراف بدورها وإدماج مصالحها في أي منظومة إقليمية جديدة؟
خطة ترامب ذات البنود الـ 28: لحظة الاعتراف بالأزمة من فم زيلينسكي
لم تكن تصريحات فولوديمير زيلينسكي الأخيرة بشأن خطة ترامب للسلام مجرد رد فعل سياسي، بل كانت اعترافًا ضمنيًا بحجم المأزق الذي وصلت إليه الدولة الأوكرانية. حين يقول الرئيس:
“نحن نمرّ الآن بأحد أصعب اللحظات في تاريخنا. قد تواجه أوكرانيا خياراً بالغ الصعوبة: إمّا فقدان الكرامة، أو خطر خسارة شريك أساسي. إما النقاط الـ28 الصعبة، أو مواجهة شتاء سيكون الأصعب، مع مخاطر إضافية لاحقاً.”
فهو يعترف بأن القرار لم يعد قرارًا أوكرانيًا خالصًا، بل قرار مرتبط بشبكة معقدة من الضغوط الأميركية والأوروبية، وبميزان القوى على الجبهات، وبالقدرة أو العجز عن تحمّل شتاء جديد دون دعم كافٍ.
“نتحدث عن حياة بلا حرية ولا كرامة ولا عدالة، وعن مطالبتنا بالثقة في من هاجمنا مرتين. إنهم ينتظرون جواباً منا.”
بهذا الكلام، يوجّه زيلينسكي رسائل متزامنة للغرب وللداخل: لا يمكن مطالبة كييف أن تبتلع صفقة سلام بأي ثمن، لكن في الوقت نفسه لا يمكنها تحمّل انهيار الدعم. وحين يذكّر بأنه قدّم الجواب يوم أدّى اليمين في 20 مايو 2019، فهو يحاول استعادة شرعيته الأخلاقية في لحظة تتآكل فيها شرعيته السياسية.
“لكنني قدّمت هذا الجواب في 20 مايو 2019، يوم أدّيت اليمين، وقلت إنني أقسمت على الدفاع عن سيادة أوكرانيا واستقلالها… لم نخن أوكرانيا في 24 فبراير 2022، ولن نخونها الآن… الشعب معي.”
غير أن هذه الكلمات، مهما بلغت قوتها الخطابية، لا تلغي الوقائع: فساد في قلب السلطة، تفكك داخل مؤسسات الدولة، انقسام في البرلمان، تململ شعبي، وضغط غربي يبحث عن صياغة جديدة لعلاقته مع كييف. وهنا بالذات تتقاطع خطة ترامب للسلام مع واقع الدولة الأوكرانية المفككة، ليصبح السؤال الحقيقي: هل ستكون هذه الخطة بداية نهاية الحرب، أم بداية نهاية النظام الأوكراني بصيغته الحالية؟
الخاتمة: دولة الفساد لا تصمد في زمن الحروب الطويلة
ما تقدمه هذه القراءة، من استعراض لجذور الفساد منذ 1991، مرورًا بعهد كوتشما والثورة البرتقالية ويانوكوفيتش، ثم ما بعد الميدان، وصولًا إلى فضيحة إنرجوأتوم ومينديتش، والفساد في الحرس الوطني، والصراع البرلماني، والضغط الغربي، وتصريحات زيلينسكي حول خطة ترامب، هو لوحة مكتملة لدولة تشكّلت على أسس خاطئة منذ البداية.
لم تُبنَ أوكرانيا على مؤسسات قوية، بل على شبكات مصالح؛ لم تُبنَ على مشروع وطني موحّد، بل على انقسام جغرافي–لغوي–هوياتي؛ لم تُبنَ على اقتصاد منتج، بل على اقتصاد ريعيّ يستمد أوكسجينه من المساعدات والقروض؛ لم تُبنَ على سيادة سياسية، بل على ارتهان متزايد للغرب، استخدمها كورقة في مواجهة روسيا.
لذلك، حين جاءت الحرب، لم تخلق الأزمة، بل كشفت حقيقتها؛ وحين انفجرت فضائح الفساد، لم تُسقط نظامًا سليمًا، بل أظهرت أن الانهيار كان مكتوبًا في صلب البنية؛ وحين بدأت أوروبا وأميركا تتساءلان عن جدوى استمرار ضخ المليارات، لم يكن ذلك تراجعًا أخلاقيًا، بل إعادة حساب سياسية باردة.
من هذا المنظور، تبدو كلمات زيلينسكي عن “أحد أصعب اللحظات في تاريخ أوكرانيا” صحيحة في بعدها الإنساني، لكنها لا تغيّر الحقيقة البنيوية: دولة قامت على الفساد والتبعية لا يمكنها أن تصمد طويلًا في حرب مفتوحة مع قوة مثل روسيا، ولا يمكنها أن تحافظ على وحدتها الداخلية وهي تعيش على حافة الإفلاس، وتحت رحمة قرارات تُتخذ في واشنطن وبروكسل أكثر مما تُصنع في كييف.
وإذا كانت الحرب ستنتهي عاجلًا أم آجلًا، فإن السؤال الأعمق هو: أي أوكرانيا ستخرج من تحت الأنقاض؟ أوكرانيا مجتزأة، ضعيفة، منزوعة السيادة، خاضعة لرقابة غربية صارمة، أم كيان جديد يعاد تشكيله وفق توازنات قوى تفرضها موسكو وتقبل بها عواصم الغرب على مضض؟ في الحالتين، لن تعود أوكرانيا ما قبل 2014، ولن تبقى أوكرانيا ما بعد 2014؛ نحن أمام ولادة شكل ثالث، تتحدّد ملامحه في غرف التفاوض بقدر ما تتحدد في ميادين القتال.
أبرز النقاط الاستراتيجية في الدراسة
📌الفساد في أوكرانيا ليس ظاهرة عابرة، بل هو الهيكل العميق للنظام منذ تفكك الاتحاد السوفييتي، من عهد كرافتشوك وكوتشما وصولًا إلى زيلينسكي.
📌الأوليغارشية الأوكرانية تشكلت كشبكات مافيوية مرتبطة بالغرب، لا طبقة رأسمالية وطنية، واحتكرت القطاعات الاستراتيجية: الطاقة، المعادن، الموانئ، المصارف، والإعلام.
📌“الثورات” التي قدمت بوصفها انطلاقة ديمقراطية (2004، 2014) أعادت تدوير النخب نفسها، مع زيادة نفوذ السفارات والمؤسسات الغربية.
📌بنية “مكافحة الفساد” بعد 2014 أُنشئت لتكون أداة ضغط غربية على النخب، لا أداة إصلاح حقيقية؛ ما سهّل لاحقًا استخدام الملفات لابتزاز كييف.
📌الحرب الروسية–الأوكرانية كشفت هشاشة الدولة: فشل استخباراتي، فساد في التعاقدات العسكرية، وانقطاع بين خطاب الرئاسة وواقع الجبهات.
📌فضيحة إنرجوأتوم ومينديتش، و“المرحاض الذهبي”، وحقائب الأموال، شكّلت أكبر ضربة لشرعية النظام منذ الاستقلال، وأظهرت أن الفساد يمس قلب السلطة.
📌الحرس الوطني، المفترض أن يكون قوة انضباط وحماية، تبيّن أنه متورط في شبكات فساد: تهريب سلاح، بيع معدات، عقود وهمية، وابتزاز للجنود والمجندين.
📌البرلمان يعيش حالة تصدّع، والمعارضة بقيادة بوروشينكو تستثمر الحظة لإسقاط الحكومة؛ بينما تتصاعد الدعوات لإقالة يرماك وعمروف، ما يهدد بانقسام داخل حزب “خادم الشعب”.
📌أوروبا في حالة تململ واضح من ضخ المليارات لكييف، والولايات المتحدة تعيد استخدام ملفات الفساد كورقة تفاوض في إطار خطة ترامب للسلام.
📌تصريحات زيلينسكي حول “أصعب لحظات التاريخ الأوكراني” تعكس حقيقة الضغط الهائل، لكنها لا تغير الواقع البنيوي: دولة بنيت على الفساد والتبعية لا يمكنها أن تصمد طويلًا في حرب استنزاف.



