الحرب الروسية – الأوكرانية: بين رهانات ترامب وتشدد بوتين
منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، بقيت الولايات المتحدة في قلب المشهد: داعم رئيسي لكييف، وساعٍ في الوقت نفسه لاستنزاف موسكو. ومع عودة اسم دونالد ترامب إلى الواجهة، كثر الحديث عن قدرته على إنهاء الحرب سريعاً، غير أن الوقائع على الأرض تكشف أن الملف أكثر تعقيداً مما يبدو، وأن رهانات واشنطن وأوراق موسكو تجعل التسوية بعيدة المنال.

الحرب الروسية – الأوكرانية: بين رهانات ترامب وتشدد بوتين
📰📰 ✍️ أ. إدريس أحميد – كاتب وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي
منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، بقيت الولايات المتحدة في قلب المشهد: داعم رئيسي لكييف، وساعٍ في الوقت نفسه لاستنزاف موسكو. ومع عودة اسم دونالد ترامب إلى الواجهة، كثر الحديث عن قدرته على إنهاء الحرب سريعاً، غير أن الوقائع على الأرض تكشف أن الملف أكثر تعقيداً مما يبدو، وأن رهانات واشنطن وأوراق موسكو تجعل التسوية بعيدة المنال.
وعود ترامب ومصالح واشنطن
لم ينجح ترامب في تقديم رؤية عملية لإنهاء الحرب، رغم تصريحاته الواثقة بأنه قادر على وقفها في وقت قصير. بالنسبة لواشنطن، القضية ليست مجرد نزاع حدودي، بل شبكة مصالح متشابكة تقوم على أرباح ضخمة من صفقات السلاح عبر أوروبا، والحصول على خامات أوكرانية بأسعار منخفضة تحت ضغوط سياسية.
لكن الأهم أن إدارة بايدن الديمقراطية دفعت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى المضي في خيار المواجهة المفتوحة مع موسكو، باعتباره جزءاً من استراتيجية أمريكية تهدف إلى محاصرة روسيا وإضعافها عبر حرب طويلة الأمد. وبذلك تحمّلت كييف العبء الأكبر ميدانياً، بينما استفادت واشنطن من استمرار الصراع سياسياً واقتصادياً.
بوتين: سلام مشروط وتشدد متزايد
في المقابل، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيراً صارماً للغرب قائلاً: “إذا ظهرت أي قوات هناك… ستكون أهدافاً مشروعة للتدمير.” وهو تصريح يعكس صلابة الموقف الروسي وقناعته بأن أي تدخل خارجي سيُواجَه بالقوة.
ورغم إبداء بوتين استعداده للقاء زيلينسكي، فإنه اشترط أن يكون اللقاء في موسكو فقط، ما عُدّ رسالة واضحة: “السلام ممكن، لكن بشروطنا وحدنا.”
دوافع الموقف الروسي
ترى موسكو أن الجيش الروسي يمسك بزمام المبادرة على الأرض، وتعزز ذلك بغطاء دبلوماسي متنامٍ من خلال توثيق علاقاتها مع الصين و الهند و كوريا الشمالية، بما يبدد صورة العزلة الدولية.
كما أن ارتباك الموقف الأمريكي، ولا سيما دعوة ترامب لبوتين لعقد قمة في ألاسكا من دون خطوات تصعيدية فعلية، عزز قناعة الكرملين بأن الضغوط الغربية محدودة الأثر.
متغيرات جديدة على الساحة الدولية
الحرب لم تعد مجرد مواجهة روسية – أوكرانية، بل جزء من إعادة تشكيل النظام الدولي. فتعاظم التحالف الروسي – الصيني أصبح يمثل تهديداً استراتيجياً خطيراً بالنسبة لواشنطن، بينما تعمل موسكو على تعزيزه بكل الوسائل.
أما أوروبا، فهي تعيش مأزقاً حقيقياً بين ضغوط شعوبها المرهقة اقتصادياً والتزامها السياسي والعسكري تجاه كييف.
وإلى جانب ذلك، جاء توسع التعاون في إطار قمة شنغهاي و البريكس، بمشاركة دول ناشئة مثل الهند و البرازيل، ليُعد رسالة قوية ضد الهيمنة الأمريكية.
وزاد تقارب روسيا مع كوريا الشمالية من تعزيز صورة موسكو كقوة لا يمكن عزلها.
رؤيتان متناقضتان للسلام
بينما ترى أوكرانيا والغرب أن السلام يعني إنهاء الحرب وضمان أمن كييف، يتحدث بوتين عن “ضوء في نهاية النفق” بمعنى انتصار روسيا وبناء نظام عالمي جديد يخدم مصالحها.
هكذا، يسير الطرفان في نفقين مختلفين، ما يجعل أي تسوية متوازنة بعيدة في المدى القريب.
خاتمة: خيارات ترامب ومأزق الغرب
اليوم يقف ترامب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في الضغط على موسكو لإرضاء أوروبا وحلف الناتو، أو محاولة فتح قنوات جديدة مع بوتين لقطع الطريق أمام تحالفه مع الصين.
لكن في ظل توسع التحالفات الدولية وتلاقي مصالح قوى كبرى ضد واشنطن، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمتلك ترامب القدرة على تغيير قواعد اللعبة، أم أن شبكة المصالح الأمريكية – التي رسختها إدارة بايدن الديمقراطية حين دفعت أوكرانيا إلى الحرب – ستبقيه في مربع التصعيد؟
يبقى الاحتمال قائماً بأن يتراجع ترامب عن صورة “رجل السلام” التي روّج لها، ويتبنى موقفاً متشدداً قد يصل إلى التصعيد المباشر مع موسكو، الأمر الذي يفتح الباب أمام عواقب خطيرة قد تعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة.
وفشل ترامب في تحقيق أي تقدم نحو إنهاء الحرب سيهدد سياساته الداخلية ويضعه في زاوية ضيقة، محدداً خياراته السياسية ومستقبله على الساحة الدولية، في وقت قد تتسارع فيه الأحداث نحو تصعيد غير محسوب.




