اخبار دولية

كتب الدكتور نضال الشرتوني:أمريكا تدمر مدينة بابل أقدم مراكز الحضارة في التاريخ البشري

هدف التدمير العسكري الأميركي لمدينة بابل عام ٢٠٠٣ إلى استراتيجية محو الذاكرة الثقافية وإضعاف الھویة التاريخية للشعب العراقي.

أمريكا تدمر مدينة بابل

أقدم مراكز الحضارة في التاريخ البشري

📰✍️د. المهندس  نضال الشرتوني

هدف التدمير العسكري الأميركي لمدينة بابل عام ٢٠٠٣ إلى استراتيجية محو الذاكرة الثقافية وإضعاف الھویة التاريخية للشعب العراقي.

تُعد مدینة بابل واحدة من أھم المراكز الحضارية في تأريخ البشرية؛ في رمز تشّكل الدولة، القانون، العمارة الملكية، والفنون الدینیة والدنيوية، إضافة إلى كونها مھداً للھویة العراقية القديمة.

منذ غزو العراق عام ٢٠٠٣، دخلت المدینة الأثریة مرحلة الاضطراب الأكبر منذ اكتشافها، حین تحول موقعها إلى قاعدة عسكرية أميركية – بولندية.

مما أدى إلى تدمير مادي مباشر لطبقات أثریة عمرھا آلاف السنين، لكنه ترافق أيضاً مع تأثير ثقافي– نَفسي أعمق وھو:

محو الذاكرة الجمعية للشعب العراقي وتفكیك علاقته بتراثه، بما یضعف شعوره بالانتماء وقدرته على الدفاع عن أرضه وتاريخه. استعرض ھذا المقال الجوانب الأثرية والسياسة والنفسية التي حدث في بابل، ولا بد من وضعه ضمن إطار سياسات دولية معروفة في تفكيك الھویات وتدمر ركائز المجتمع عبر ضرب رموزه الحضارية.

أولاً: الخلفية التأريخية لموقع بابل:

تعود أھمیة بابل إلى:

١. دولة حمورابي (القرن 18 ق.م) – القانون البابلي، مركز الدولة.

٢- الدولة الكلدانية (القرن6 ق.م) – عصر نبوخذ نصر الثاني، أكثر مراحل بابل ازدهاراً.

٣. الآثار المعمارية الكبرى – بوابة عشتار، شارع الموكب، الزقورة، الأسوار، القصور الجنوبية والشمالية. تمثل ھذه المعالم رموز الھویة العراقية، لأنها تربط العراقیین بتاریخ موثّق وعميق قبل آلاف السنین، ولأنھا الأثر الحي لواحدة من أقدم الدول المركزية في العالم..

ثانياً: بابل بعد ٢٠٠٣

التحويل العسكري المباشر

بعد الغزو الأميركي للعراق في نيسان عام ٢٠٠٣، بدأت القوات الأميركية والبولندية بالتمركز داخل الموقع الأثري، وحولوه إلى قاعدة عسكرية تُعرف باسم: “معسكر بابل” 

 

ھذا التحويل كان مخالفاً للاتفاقیات الدولية للتراث (اليونسكو ١٩٧٢، لاهاي ١٩٥٤).

١- حجم القوات

🛑• أكثر من ٢٠٠٠ جندي داخل المعسكر.

🛑• مدارج، منصات، مساحات تدريب.

٢ – أعمال عسكرية داخل الموقع

📎• شق طرق إسفلتية.

📎• إنشاء مدرجات مروحيات.

📎• بناء سواتر ترابة باستخدام تربة أثریة.

📎• إقامة أبراج مراقبة وخنادق دفاعية.

ھذه الأنشطة مثّلت تدميراً مباشراً لطبقات أثریة لم تدرس سابقاً.

ثالثاً: التدمیر الفعلي للطبقات الأثرية

١- أظهرت تقارير الآثار العراقية وتقرير اليونسكو (2005) أن مرور الدبابات والمجنزرات فوق الأرض الأثرية 

🛑•دمر الطبقات الهشة الممتدة إلى أكثر من ٦ آلاف سنة.

🛑• كسر اللبن الأصلي القرامید المزجج.

🛑• تسبّب باھتزازات أدت إلى تشقق الجدران المرممة.

٢- استخدام تربة بابل في أكياس الرمل

القوات العسكرية أخذت

٣٠٠٠ م٣ من هذه التربة الأثرية لاستخدامها في التحصينات.

ھذه التربة كانت تحتوي:

🛑فخاراً بالیاً.

🛑• قطعاً معدنية.

🛑• لقى صغيرة تمثل أدلة تاريخية مھمة.

فُقِدَ كل ذلك، مما يشكل ضربة لا يمكن إصلاحها علمياً.

٣ – حفر خنادق عسكرية

بعمق یصل إلى٢-٣ أمتار.

🛑• قُطعت طبقات أثرية غير مدروسة.

🛑• خلطت الطبقات التاريخية مع مواد حديثة، مما جعلها غير قابلة للتحليل العلمي. 

رابعاً: الأضرار في المعالم الرئيسة (2)

🌍بوابة عشتار

🛑• تصدعات وشقوق.

🛑• كسور في أجزاء من القرميد المزجج.

🛑• ضغط الأرض أدى للاهتزازات قوية.

🕳️ شارع الموكب

🛑• تكسير في الألواح الحجرية.

🛑• تشوهات في خطوط البلاط.

🛑• تساقط أجزاء بسبب المعدات الثقيلة.

💫💫 القصور البابلیة

🛑• وضع دبابات أبرامز فوق القصور الجنوبية.

🛑• ضرر في أساسات الجدران.

🛑• اهتزازات أثرت على اللبن الأصلي.

خامساً: تدمير البنية البيئية والتراث المنظور للمدينة

كانت بابل محاطة ببساتین ونخیل، تمثل جزءاً من ھویتھا البصریة والتأريخية.

قام الجيش بما یلي:

📎• اقتلاع عشرات أشجار النخيل.

📎• تجريف المساحات الخضراء.

📎• تغییر المشهد الذي بقي ثابتاً آلاف السنين.

سادساً: منع الآثاریین العراقیین من التدخل

منعت القاعدة العسكرية دخول

🛑• خبراء الآثار العراقیین،

🛑• موظفي وزارة الثقافة، لفترات طويلة. ھذا خلق “منطقة عمياء” تُرتكب فیھا الأضرار دون رقابة.

سابعاً: تقییم علمي – ضرر غیر قابل للإصلاح

اتفق علماء الآثار على أن:

ما حدث في بابل ليس مجرد ضرر، بل خسارة علمية لأبد الآبدين. إنه مثال عالمي على “التدمير العسكري للمواقع المقدسة” (التدمير الثقافي العسكري).(3)

ثامناً: بابل ضمن سياق “محو الذاكرة الثقافية”

كل ھذه الأعمال والنشاطات تدخل ضمن إطار استراتيجية محو الذاكرة للشعب العراقي وفقدان روحه التأريخية.

المحتل الأميركي لم يجد مكانا إلا مدینة بابل التأريخية وآثارها وحضارتھا لإنشاء قاعدة عسكریة

وتدمیرھا بهذه الوحشية.

 ماھي استراتيجية محو الذاكرة؟

هي سیاسة تقوم على:

🕳️• ضرب رموز الھویة.

🕳️• تدمیر المواقع المؤسسة للوعي التاریخي.

🕳️• خلق انفصال بین الأجيال المتعاقبة وتراثها.

🕳️• تفریغ المجتمع من “السردية التاریخیة” التي تمنحھا القوة. (4)

تستخدم في:

🛑البوسنة.

🛑• فلسطين المحتلة،

🛑• كوسوفو،

🛑• وبعض بلدان أفریقیا الوسطى.

 لماذا بابل تحدیداً؟

لأن بابل ترمز إلى:

🌍• السیادة (قانون حمورابي).

🌍• المجد السياسي (نبوخذ نصر).

🌍• العمارة ولعظمة.

🌍• ھویة بلاد ما بین النھرین ضرب بابل یعني ضرب العمود الفقري للروح العراقیة القديمة.

 تأثير ذلك على الوجدان العراقي

أ. ضعف الشعور التاریخي

عندما تُدّمر أقدم مدینة في العراق أمام أعین الناس تتولد رسالة خطيرة:

“تاریخكم ليس محمیاً، ولا قیمة له”.

وھذا یضعف:

🕳️• الانتماء للدولة،

🕳️• الرغبة في حمایة الأرض،

🕳️• الحافز للدفاع عن التراث.

ب. تفكیك الرابط بین الماضي والحاضر

بفقد الجیل الجدید “حكایة البلاد” التي تمنحه ھویة.

الأمة بلا ذاكرة تصبح:

🕳️• أضعف، أكثر قابلیة للاختراق،

🕳️• وأقل قدرة على المقاومة.

ج. صدمة نفسیة جماعیة

بصف علماء الأنثروبولوجیا ھذا النوع من التدمير بأنه:

” صدمة فقدان التراث” صدمة تُصیب المجتمع بأكمله، والھیمنة عبر السیطرة على السردية.

فالدول القویة تُدرك أن السیطرة على التاريخ ھي شكل من أشكال السیطرة السیاسیة. تدمير بابل اعتُبر لدى باحثین عرب وغربیین خطوة ضمن: إعادة تشكیل وعي العراقیین بعد الاحتلال بإضعاف “ذاكرة العظمة الحضاریة” التي كانت تشكل مصدر قوة وطنية.

تاسعاً: بابل كمیدان لإضعاف الھویة الوطنية

يمكن تلخيص نتائج التدمير في ثلاث مستورات:

١- المستوى المادي

✍️• خسارة آثار غير قابلة للتعويض.

✍️• تلوث الموقع.

✍️• انھیار أجزاء من البنى.

٢- المستوى الرمزي

🌍• تدمیر رمز العراق الأول.

🌍• ضرب صورة الدولة العريقة.

🌍• خلق انقطاع بین الماضي العريق والحاضر المأزوم.

٣- المستوى النفسي والسیاسي

🕳️• تعزيز الشعور بالھزیمة.

🕳️• تھشیم الفخر التاریخي.

🕳️• جعل الھویة ھشة وقابلة لإعادة التشكيل.

والنتیجة: شعب أقل ارتباطاً بأرضه وتراثه، وأكثر عرضة للتشتت والانقسام. 

الخلاصة

الاحتلال الأميركي لم يكتفِ بتدمير مادي لواحدة من أقدم مدن العالم، بل ساهم أيضاً في تنفيذ أعمق شكل من أشكال الحرب “الثقافية”:(5)

محو الذاكرة الحضارية التي تمنح العراقیین شعورهم بالقيمة المشتركة والهوية والقدرة على الدفاع عن وطنهم.

ما حدث في بابل بعد عام ٢٠٠٣ لیس مجرد أذى أثري؛ إنه محاولة لتفكيك “الروح العراقية” عبر ضرب عمودها التاریخي الأقدم.

علينا كقوى وطنية وتقدمية كشف هذه المخططات الخبيثة ومجابهتها والعمل على الحفاظ على الروح الوطنية والدفاع عن كل شبر من الوطن …..

الكاتب والباحث

د. نضال الشرتوني
دكتور مهندس طاقة، أستاذ جامعي من لبنان، لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاص الطاقة، إضافة إلى مساهمات فكرية في المجال الاقتصادي العام.

المراجع والمصادر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »