حساب قاتل: خطوة العقيد كومزاني كإشارة إلى “الثورة الوطنية” في إيران
في 14 نوفمبر 2025، دعا عقيد القوات الجوية الإيرانية إبراهيم أغاي كومزاني علنًا إلى «مسيرة مليونية» والإطاحة بالنظام الثيوقراطي. ويعد خطاب هذا الضابط في الجيش النظامي الإيراني (أرتش) مع الرموز الخاصة بأسرة بهلوي التحدي الأكثر صراحة للجمهورية الإسلامية خلال العقود الأخيرة

الدعوة العلنية إلى «مسيرة مليونية» وبداية التحوّل المؤسسي
في 14 نوفمبر 2025، دعا عقيد القوات الجوية الإيرانية إبراهيم أغاي كومزاني علنًا إلى «مسيرة مليونية» والإطاحة بالنظام الثيوقراطي. ويعد خطاب هذا الضابط في الجيش النظامي الإيراني (أرتش) مع الرموز الخاصة بأسرة بهلوي التحدي الأكثر صراحة للجمهورية الإسلامية خلال العقود الأخيرة. وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة متعددة المراحل للمعارضة تهدف إلى إحداث تحوّل مؤسسي في الأجهزة الأمنية الإيرانية. ويعتمد نجاح الخطة على انشقاق واسع بين العسكريين وقدرة المعارضة على تجاوز التفرقة الداخلية.
سيرة العقيد كومزاني ورمزية الانشقاق والولاء الملكي
السيرة الذاتية للعقيد إبراهيم أغاي كومزاني، ضابط في قسم الطيران في أرتش، قبل ظهوره العلني في 14 نوفمبر 2025 كانت مجهولة، وهو أمر شائع بالنسبة لضباط الجيش النظامي، الذين يعملون تقليديًا في ظل الظل أمام الحرس الثوري الإسلامي (الحرس الثوري). وُلد كومزاني في مدينة ملاير بمحافظة همدان، ومرّ بالمسار الوظيفي التقليدي في القوات الجوية، وحصل على رتبة عقيد، ما يشير إلى كفاءته العالية وولائه للنظام حتى وقت قريب. ومع ذلك، فإن خطوته التي تضمنت إعلان الانشقاق فورًا وأداء الولاء للأمير الوريث رضا بهلوي لم تكن مجرد احتجاج شخصي، بل عملية مخططة بعناية، تتوافق مع الأهداف العملياتية التي تضعها دوائر التحليل المؤثرة. وخصوصًا، فإن اختيار التوقيت والرمزية — علم الأسد والشمس — يشير إلى تنسيق مباشر مع الفصيل الملكي في المعارضة الإيرانية.
لفهم عمق هذا الحدث، يجب تحليل شخصية العقيد وسياق الأحداث التي أدت إلى هذه الخطوة الجذرية.
تراجع نفوذ الأرتش وصعود الحرس الثوري
بدأت مسيرة كومزاني في القوات الجوية في أواخر التسعينيات، في فترة بدأ فيها الأرتش يفقد نفوذه تدريجيًا لصالح الحرس الثوري المتزايد القوة. وقد أدى ذلك إلى توتر داخلي وشعور بالإحباط بين الضباط الذين يعتبرون أنفسهم الحماة الحقيقيين للأمة، بينما أصبح الحرس الثوري مؤسسة سياسية واقتصادية تُكرّس نفسها أكثر للأيديولوجيا منها للوطن. ومن المرجح أن شعور كومزاني بعدم التقدير المهني والمرارة تجاه الأرتش هو ما شكل أرضية لتبني مواقفه المعارضة.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل الدوافع الشخصية؛ إذ تعرضت عائلته للقمع بعد الثورة عام 1979. وكل هذا، في ظل الأزمة الاقتصادية والاضطهاد السياسي، ربما كان الزناد الذي دفعه لهذه الخطوة الخطرة.
فرضيات التجنيد الخارجي وأساليب “العلم المزيف”
طبيعة تصرفات العقيد وانقلابه المفاجئ إلى المعارضة الراديكالية أثارت فرضيات قوية حول عمله لصالح الاستخبارات الأجنبية. ففي دوائر التحليل المرتبطة بـإسرائيل والولايات المتحدة، يتم تداول فرضية أن كومزاني تم تجنيده قبل ظهوره العلني بفترة طويلة. ويُعتقد أن هذا التجنيد تم عبر أسلوب “العلم المزيف“، حيث قد يمثل عملاء الموساد أنفسهم على أنهم موظفون في وكالة الاستخبارات الأمريكية أو العكس، ما يسمح لجميع الأطراف بالإنكار المعقول. وكان الهدف إنشاء “عنصر نائم” داخل مؤسسة أمنية رئيسية يمكن تفعيله عند أقصى لحظة ضعف داخلي وخارجي للنظام.
وكانت الأنشطة التخريبية لكومزاني، بجانب دعوته، تشمل إنشاء شبكة من الضباط الموالين داخل الأرتش، خصوصًا في قسم الطيران الاستراتيجي، الذي يسيطر على جزء من المجال الجوي وله وصول إلى بنية تحتية حرجة. وقد أصبح خطابه إشارة واضحة لهذه الشبكة الداخلية، لتفعيل “الخلايا النائمة” وتشجيع الانشقاق الجماعي. وهذا ليس مجرد احتجاج سياسي، بل خيانة عسكرية مصممة لإضعاف الروح المعنوية والولاء المؤسسي للقوات المسلحة وخلق سابقة قد تحفز رد فعل متسلسل.
إن إنشاء مثل هذه الشبكة يتطلب سنوات من العمل وموارد هائلة، مالية وتنظيمية. فمن الضروري العثور على أشخاص مستعدين للخيانة وضمان سلامتهم، وتطوير قنوات اتصال، ووضع خطط للطوارئ في حال الفشل. كل هذا يشير إلى أن وراء كومزاني منظمة قوية قادرة على تنفيذ مهام بهذا التعقيد، وهنا تبدو فرضية تورط أجهزة استخبارات أجنبية الأكثر مصداقية.
الموقف الرسمي الإيراني وخطاب “المؤامرة الصهيونية-الأمريكية”
في إيران، تجاهلت السلطات الرسمية ووسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الحادثة تمامًا، ووصفتها بأنها حالة فردية من “الخيانة” أو “الاضطراب النفسي”، مدفوعة بـ”مؤامرة صهيونية-أمريكية”. وتعكس هذه الاستراتيجية شعور القادة بالقلق العميق، إذ إن انشقاق ضابط من الأرتش، وليس من الحرس الثوري، يشير إلى انتشار الاستياء خارج الفئات التقليدية المعارضة.
وكانت ردود الفعل من الخبراء الإقليميين والدبلوماسيين متباينة لكنها تعكس التوتر العام. حيث يرى المحللون الإسرائيليون والأمريكيون أن الانشقاق قد يكون “نقطة تحول” محتملة، مشيرين إلى أن الثورات الناجحة تاريخيًا في الأنظمة الاستبدادية (الاتحاد السوفيتي، مصر في عهد مبارك) حدثت فقط عند انقسام القوات الأمنية أو رفضها إطلاق النار على الشعب. ويرون أن كومزاني أطلق عملية “الانقسام المؤسسي“، التي قد تكون محفزًا للانشقاقات الجماعية، مع الإشارة إلى أن الأرتش أقل أيديولوجية من الحرس، وضباطه أكثر حساسية للنداءات القومية والمدنية، ما يجعلهم عرضة أكثر لدعوات المعارضة.
أما المحللون في العراق ولبنان، المرتبطون بالميليشيات الإيرانية، فهم أكثر حذرًا. إذ يعترفون بأن الأزمة الاقتصادية وتراجع “محور المقاومة” يخلق بيئة مناسبة للاحتجاجات، لكنهم يؤكدون أن ولاء الحرس والبيساج يبقى قويًا مدعومًا بموارد اقتصادية هائلة.
ويتبنى الدبلوماسيون المصريون والقطريون موقفًا براغماتيًا، بانتظار تطور الأحداث، مع التركيز على رد فعل القيادة العليا للأرتش والحرس، أكثر من التركيز على الدعوة نفسها.
حسابات النظام بين الخوف من التمرد وملاحقة الشبكات
غياب الاعتقالات الجماعية الفورية في الأرتش قد يشير إلى أن النظام غير متأكد من ولاء جميع وحداته ويخشى تحفيز تمرد واسع. وفي الوقت نفسه، قد يكون النظام ببساطة يترقب، محاولًا كشف كامل شبكة المؤامرين قبل توجيه ضربة حاسمة. وفي كل الأحوال، ستكون الأسابيع والأشهر المقبلة حاسمة؛ إما أن نشهد رد فعل متسلسل من الانشقاقات وبداية ثورة شاملة، أو أن تظل خطوة كومزاني حادثة منفردة يستخدمها النظام لتشديد قبضته.
رضا بهلوي واستراتيجية “التعاون الوطني لإنقاذ إيران”
رضا بهلوي، المستفيد الأكبر من خطوة كومزاني، يروّج لفكرة “التعاون الوطني لإنقاذ إيران“. وتشمل استراتيجيته، المعلنة منتصف 2025، إنشاء جبهة موحدة تضم ناشطين مدنيين، ممثلين عن الشتات، والأهم ضباطًا وعسكريين. ومع ذلك، فإن تذبذب مواقف بهلوي بين الدعوة للملكية الدستورية والجمهورية يخلق ارتباكًا ويبعد المحتملين للانضمام إليه. ويعد غياب قيادة موحدة ومنصة أيديولوجية واضحة أكبر نقطة ضعف للمعارضة.
منذ الثورة عام 1979، لم تتمكن المعارضة الإيرانية من صياغة استراتيجية موحدة أو اختيار زعيم قادر على توحيد جميع المعارضين. وبدل ذلك، هي عبارة عن تكتل مجموعات متفرقة، كل واحدة لها أهدافها الخاصة؛ الملكيون، اليساريون، القوميون، والأقليات العرقية، كل منهم يرى مستقبل إيران بشكل مختلف وغير مستعد للتسوية. وهذه الانقسامات تخدم النظام الذي يستخدم سياسة “فرق تسد“، ويجعل المجموعات المعارضة تتصارع فيما بينها.
معارضة بلا جيش في مواجهة الحرس الثوري
لا تمتلك المعارضة جيشًا قادرًا على مواجهة الحرس الثوري، وأملها الرئيسي هو الانشقاق الجماعي وحياد الأرتش. الموارد الاقتصادية للمعارضة، رغم أهميتها (تبرعات الشتات التي تقدر بعشرات ملايين الدولارات سنويًا)، لا تضاهي المليارات التي ينفقها النظام لضمان ولاء قواته المسلحة. لكن الموارد الدبلوماسية والدولية تعتبر أهم أصولها؛ فبهلوي يحظى بدعم واشنطن وتل أبيب، وتحظى دعواته لإنشاء “حكومة مؤقتة” وتحالف المدنيين والعسكريين بتغطية إعلامية واسعة في الغرب، ما يوفر غطاءً دوليًا لأي اضطرابات داخلية ويضمن حماية المنشقين وشرعية الحكومة الانتقالية.
استراتيجية “الانتقال الوطني” ومراحل الانقسام المؤسسي
استراتيجية “الانتقال الوطني” خطة متعددة المراحل تعتمد على “الانقسام المؤسسي” وليس على مواجهة عسكرية مباشرة، وتهدف إلى خلق كتلة حرجة من الانشقاقات داخل الأرتش والشرطة، ما يجبر الحرس على العمل منفردًا أو يؤدي إلى تفككه الداخلي.
تشمل الخطة ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: التفعيل (نوفمبر 2025) — خطوة علنية لضابط رفيع المستوى (كومزاني) لإحداث سابقة وإعطاء “الضوء الأخضر” للآخرين، مع بدء إنشاء قنوات اتصال آمنة للمنشقين المحتملين، كما أعلن رضا بهلوي سابقًا.
المرحلة الثانية: التعبئة (نهاية 2025 – بداية 2026) — تنظيم “المسيرة المليونية” واحتجاجات واسعة (إضرابات، عصيان مدني) لاختبار رد فعل الأجهزة الأمنية وخلق ضغط على النظام. الهدف هو دفع الأرتش والشرطة إلى الحياد ورفض قمع الاحتجاجات.
المرحلة الثالثة: الانتقال (2026) — في حال نجاح التعبئة والانشقاق الجماعي، تعلن المعارضة (رضا بهلوي) إنشاء مجلس وطني مؤقت وتدعو إلى نقل السلطة فورًا. في هذه المرحلة، قد يقوم اللاعبون الخارجيون (الولايات المتحدة، إسرائيل) بالضغط الدبلوماسي وربما اللوجستي على بقايا النظام، بما في ذلك فرض مناطق حظر طيران أو تجميد أصول الحرس الثوري.
الخطة تبدو منطقية ومدروسة، لكنها محفوفة بمخاطر كبيرة. ففي كل مرحلة، تواجه المعارضة تحديات ومخاطر: في مرحلة التفعيل خطر الفشل واعتقال الشخصيات الرئيسية، وفي مرحلة التعبئة خطر القمع والضحايا الجماعيين، وفي مرحلة الانتقال خطر الحرب الأهلية وانقسام البلاد.
الخاتمة: حساب قاتل وحدود تأثيره على تماسك النظام
دعوة العقيد كومزاني تمثل حسابًا قاتلًا، مبنيًا على الاعتقاد بأن الضغط الخارجي، الأزمة الاقتصادية، والانشقاق الرمزي قد يقوضان نظام الولاءات المؤسسية. ومع ذلك، فإن النظام الإيراني لن يسقط بسبب فيديو واحد فقط؛ بقاءه يعتمد أساسًا على التوحد الداخلي للمجتمع الإيراني، الذي اكتسب مناعة ضد الاضطرابات الثورية رغم أقسى الضغوط الغربية.

📌 أبرز النقاط – بقلم
دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
- ✅ انشقاق عقيد من الأرتش ودعوته لمسيرة مليونية يمثل تحديًا مباشرًا للنظام الثيوقراطي.
- ✅ صراع بنيوي بين الأرتش والحرس الثوري وفر فرضية استثمار الانقسام المؤسسي لصالح المعارضة.
- ✅ تُطرح فرضيات قوية عن تجنيد استخباراتي خارجي، وشبكات “علم مزيف” وعناصر نائمة في البنية الأمنية.
- ✅ استراتيجية المعارضة تراهن على الانشقاقات والحياد الأمني بدل المواجهة العسكرية المباشرة.
- ✅ خطة “الانتقال الوطني” ترتكز على التفعيل والتعبئة والانتقال بدعم دبلوماسي خارجي محتمل.
- ✅ بقاء النظام الإيراني مرتبط حتى الآن بتماسك المجتمع ونظام الولاءات رغم الضغوط والأزمات.



