اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب مشتاق هاشم العلوي:مستقبل ليبيا بعد محمد الحداد وسيف القذافي؟

سنوات من الحرب الأهلية الطاحنة التي مزقت جغرافية ليبيا، وولدت على أنقاضها دويلات وإقطاعيات، قبل أن تخمد نيران المدافع في هدنة مؤقتة قبل سنوات قليلة. هذه الهدنة لم تكن بداية مرحلة صناعة السلام، بقدر ما كانت فرصة لالتقاط الأنفاس، ولرسم ملامح حلم هش على طاولة المجتمع الدولي بعنوان: إعادة توحيد الجسد الليبي الممزق.

مستقبل ليبيا بعد محمد الحداد وسيف القذافي؟

 

كتب ✍️ 📰 مشتاق هاشم العلوي 

كاتب ومحلل سياسي 

في العشرين من أكتوبر عام2011م، تحول مشهد إعدام العقيد/ معمر القذافي في مدينة سرت إلى إيذان ببدء تفكيك الدولة الليبية. ومنذ تلك اللحظة، أطبقت الفوضى على عموم البلاد، وتغلغلت في كل مفاصلها حتى وصلت إلى النخـاع.

سنوات من الحرب الأهلية الطاحنة التي مزقت جغرافية ليبيا، وولدت على أنقاضها دويلات وإقطاعيات، قبل أن تخمد نيران المدافع في هدنة مؤقتة قبل سنوات قليلة. هذه الهدنة لم تكن بداية مرحلة صناعة السلام، بقدر ما كانت فرصة لالتقاط الأنفاس، ولرسم ملامح حلم هش على طاولة المجتمع الدولي بعنوان: إعادة توحيد الجسد الليبي الممزق.

كان هذا الحلم، في بداياته، مجرد حبر على ورق. لكن شيئًا فشيئًا، بدأ يجد له أصداء على الأرض.

ففي المؤسسة العسكرية المنقسمة، برز اسم رئيس الأركان محمد الحداد كشخصية نادرة، رجل بدا أن ولاءه لليبيا يتجاوز كل الانتماءات الضيقة. وعبر لجنة (5+5)، نجح في بناء جسور تواصل حقيقية بين ضباط كانوا بالأمس أعداء، وبدا للحظة أن توحيد الجيش، العمود الفقري لأي دولة، قد أصبح ممكناً.

لكن خيوط الأمل في ليبيا، يبدو أنها تُغزل فقط لكي تُقطع. ففي لحظة فارقة، هوت الطائرة العسكرية التي كانت تقل رئيس الأركان الليبي فوق الأجواء التركية، لتلتهم النيران جسد الحداد ورفاقه، وتُجهِض معهم الفصل الأول من مشروع إعادة “الدولة الليبية الموحدة“. كانت رسالة دموية لا لبس فيها، مفادها: إن حلمكم هذا لن يكتمل.

لم يكد يمر وقت طويل على رسالة الدم تلك، حتى جاء الرد من مكان غير متوقع: قاعات المحاكم. ففي الثامن والعشرين من يناير الماضي، أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكماً تاريخياً، ينسف كل القوانين التي صيغت خصيصاً لمنع سيف الإسلام القذافي من الترشح للرئاسة. كان هذا الحكم انتصاراً قانونياً ساحقاً، منحه الحق الكامل في العودة إلى قلب السباق السياسي.

احتفى أنصار سيف الإسلام بهذا الحكم، ورأوا فيه بداية الطريق لعودة “الوريث“، لكن خصومه قرأوه بشكل مختلف تمامًا. لقد كان هذا الحكم بمثابة طلقة بداية لسباق من نوع آخر: سباق نحو تصفيته الجسدية.

لم ينتظر الجلادون طويلاً. فمع بزوغ فجر الثالث من فبراير، تحول الانتصار القانوني إلى مأساة دموية. الرواية التي أكدها محاميه الفرنسي، مارسيل سيكالدي، تتحدث عن فرقة كوماندوس من أربعة أفراد اقتحمت منزله في مدينة الزنتان ونفذت عملية الإعدام بدم بارد.

لم تكن عملية عشوائية، بل كانت تتويجاً لعملية تفكيك ممنهجة لحمايته، حيث أشار سيكالدي نفسه إلى وجود ما سماها “مشاكل أمنية” ظهرت قبل الحادثة بعشرة أيام. لقد تم إخلاء المسرح بعناية، ورفع الغطاء الأمني، وترك “الوريث” مكشوفاً تماماً في انتظار مصيره. كان الحكم الذي منحه حق الحياة السياسية، هو نفسه الذي ختم على شهادة وفاته.

إن البحث عن القاتل المباشر في المشهد الليبي قد يكون مضللاً، فالجريمة كانت أكبر من مجرد رصاصات. لقد كانت تقاطعاً لمصالح أطراف متعددة، توحدت جميعها، على اختلاف مشاربها، عند هدف واحد مشترك: منع قيام دولة ليبية موحدة. وفي مقدمة المستفيدين من هذا الاغتيال، يقف أمراء الحرب وأصحاب المليشيات، الذين بنوا إمبراطورياتهم المالية على اقتصاد الفوضى والتهريب وغياب الدولة. هؤلاء بالنسبة لهم، كان مشروع “الدولة الموحدة” الذي يلوح في الأفق يعني نهاية نفوذهم، وتجفيف منابع ثروتهم، ومساءلتهم المحتملة عن جرائم الماضي.

وبجانبهم، يجلس ممثلو الإسلام السياسي، الذين تم لفظهم شعبيًا في كل استحقاق انتخابي. كانوا يرون في المشروع الوطني الذي قد يمثله سيف الإسلام، بتاريخه العلماني والقومي، تهديدًا وجوديًا لآخر معاقلهم. ولا تكتمل الصورة دون النظر إلى الأيادي الخارجية التي تحرك الخيوط.

تركيا، التي بنت نفوذها في غرب ليبيا على اتفاقيات أمنية وبحرية مثيرة للجدل، كانت تدرك أن قيام دولة موحدة وقوية قد يعني مراجعة هذه الاتفاقيات أو ربما إلغاءها. لقد كانت هذه الجريمة ذات أبعاد متعددة، تحالف فيها أمير المليشيا المحلي مع الإسلامي المؤدلج، بتخطيط أو مباركة من القوى الإقليمية. وخاصة بعدما أدرك الجميع أن قطار الدولة الموحدة كان على وشك التحرك، وأن سائقيه يجب أن يختفوا قبل أن يصفر القطار معلناً رحيله.

باغتيال سيف الإسلام، لم تمت حقبة القذافي رسمياً فحسب، بل ربما مات معها حلم “التيار الثالث” الذي كان يبحث عنه ملايين الليبيين التائهين مابين تطرف الإسلاميين في طرابلس وديكتاتورية العسكر في بنغازي. لقد تم إطفاء آخر شمعة كانت تضيء طريق المصالحة، لتدخل ليبيا الآن نفقاً جديداً، قد يكون أشد قتامة من كل ما سبقه. إنه نفق “الصوملة الباردة“.

هذا المصطلح لا يعني بالضرورة حرباً شاملة، بل هو أسوأ. إنه يعني ترسيخ الانقسام كأمر واقع أبدي؛ مايعني وجود أرخبيل من الإقطاعيات المنفصلة، يحكم كلًا منها أمير حرب بجيشه الصغير واقتصاده الأسود، وتدار ولاءاتها من عواصم إقليمية ودولية.

لقد استغرق الأمر خمسة عشر عامًا من الفوضى والدم، ليدرك الليبيون والعرب أن ما جرى في العام 2011م، لم يكن ثورة من أجل الديمقراطية، بل كان بداية لأكبر عملية تفكيك وتدمير لدولة عربية في التاريخ الحديث.

والطلقات التي قتلت سيف الإسلام، وقبلها الطائرة التي ابتلعت الحداد، لم تكن سوى المسمار الأخير في نعش تلك الدولة. لقد كان المشهد على وشك الانفراج، لكن حلف الفوضى قرر أن الظلام هو مصلحته الوحيدة، فحكم على ليبيا بأن تبقى في غيبوبتها إلى أجل غير مسمى.

 


الكاتب: مشتاق هاشم العلوي

أبرز النقاط الواردة في المقال :

 

📌 إعدام معمر القذافي في سرت (20 أكتوبر 2011) كان بداية تفكيك الدولة الليبية.

📌 سنوات الحرب الأهلية الطاحنة أدت إلى ولادة دويلات وإقطاعيات على أنقاض الدولة.

📌 الهدنة المؤقتة لم تكن بداية للسلام، بل كانت فرصة للتنفس ورسم حلم هش لإعادة توحيد ليبيا.

📌 محمد الحداد، رئيس الأركان، حاول توحيد الجيش عبر لجنة (5+5) قبل اغتياله في حادثة الطائرة فوق تركيا.

📌 المحكمة العليا في طرابلس أعادت الحق لسيف الإسلام القذافي للترشح للرئاسة في يناير الماضي.

📌 اغتيال سيف الإسلام تحول الانتصار القانوني إلى مأساة، بعد اقتحام منزله في الزنتان.

📌 الجريمة كانت نتيجة مصالح مشتركة بين مليشيات محلية، الإسلاميين المؤدلجين، وأيادي خارجية مثل تركيا.

📌 باغتيال سيف الإسلام، مات حلم “التيار الثالث” الذي كان يطمح لإعادة المصالحة الوطنية.

📌 ليبيا دخلت نفق “الصوملة الباردة”، أي ترسيخ الانقسام كأمر واقع أبدي بين الإقطاعيات المنفصلة.

📌 الفوضى والدم على مدى 15 عاماً أوضحت أن ثورة 2011 لم تكن من أجل الديمقراطية، بل لتفكيك الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »