مقالات
أخر الأخبار

من الدولار إلى الأسلحة النووية: المعركة الخفية بين أميركا والصين وروسيا

في عالم مضطرب تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية، تقف القوى الكبرى على حافة مواجهة غير معلنة. من الدولار الذي شكّل لعقود أداة هيمنة مالية، إلى الترسانات النووية التي تحول أي صراع إلى رهانات وجودية، تتقاطع اليوم مصالح الولايات المتحدة مع روسيا والصين في لعبة خطيرة من القوة والتوتر.

من الدولار إلى الأسلحة النووية: المعركة الخفية بين أميركا والصين وروسيا

 

✍️🧾كتبت نوال نجم

في عالم مضطرب تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية، تقف القوى الكبرى على حافة مواجهة غير معلنة.

من الدولار الذي شكّل لعقود أداة هيمنة مالية، إلى الترسانات النووية التي تحول أي صراع إلى رهانات وجودية، تتقاطع اليوم مصالح الولايات المتحدة مع روسيا والصين في لعبة خطيرة من القوة والتوتر.

في حين تسعى واشنطن للسيطرة على الأسواق العالمية وفرض إرادتها بالقوة والعقوبات، يبني كل من موسكو وبكين نفوذهما الاقتصادي والعسكري، مع حرص على الشراكة والندية في العلاقات الدولية. ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع على الموارد أو الاقتصاد، بل معركة خفية تحدد شكل النظام العالمي في العقود القادمة.

العلاقات الأميركية–الصينية: من التعاون الحذر إلى الحرب التجارية

منذ ثمانينيات القرن الماضي، تميّزت العلاقات الأميركية–الصينية بالتقارب الحذر والتعاون الاقتصادي، على خلفية سعي الشركات الأميركية إلى جني الأرباح من السوق الصينية. غير أنّ هذه العلاقات ظلّت محكومة بالحذر حتى العقد الأخير، ومع بروز الصين كقوة اقتصادية عظمى، بدأت ملامح التنافس الحاد بالظهور، ما أدّى في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب تجارية بين الطرفين، مع حرص متبادل على عدم الانزلاق إلى صراع مفتوح.

وخلال الحرب في أوكرانيا، حافظت الصين على موقف محايد، بالتوازي مع تمسّكها بالشراكة الاقتصادية مع روسيا، التي تُعدّ أكبر شريك تجاري لها، في وقت انهالت فيه العقوبات الأميركية والأطلسية على موسكو. إلا أنّ المشهد بدأ يتغيّر بشكل أوضح بعد تولّي الصين رئاسة مجموعة «بريكس» في 23 حزيران/يونيو 2022، حيث شدّدت حينها على تعزيز الشراكات الدولية، ودعم تعدّد الأفكار والرؤى من أجل بناء عالم أكثر توازناً، ودعت إلى تقليص هيمنة الدولار والابتعاد عن نظام «سويفت».

ومع ما يُوصف بهزيمة حلف شمال الأطلسي في حرب أوكرانيا، تراجع التأثير الاقتصادي الأميركي، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من ديون تجاوزت 37 تريليون دولار، وفق بيانات الخزانة الأميركية. كما تضاءل نفوذ الدولار بعد كسر وتيرته العالمية، نتيجة انتقال دول «بريكس» تدريجياً إلى اعتماد عملاتها الوطنية في التبادلات التجارية.

أميركا تدفع القوى للعب في دائرة الخطر

إنّ انتشار الصراعات بين القوى الكبرى يعود إلى أسباب متعددة، أبرزها الأسباب الاقتصادية المرتبطة بالتنافس على الموارد، والأسباب الأيديولوجية الناتجة عن اختلاف الأنظمة، فضلاً عن عوامل شخصية تتعلّق بغرور القادة، أو بجشع الرأسمالية وأطماعها. هذه العوامل، حين تتفاعل وتتفاقم، تقود في نهاية المطاف إلى التصادم والحروب.

أين تكمن قوة القوى العظمى؟

روسيا

تكمن قوة روسيا في قدراتها العسكرية الهائلة، ولا سيّما ترسانتها النووية الضخمة التي تجعلها قوة ردع عالمية. ويُضاف إلى ذلك جيشها الكبير، وتفوّقها في مجال الصواريخ والدبابات وأنواع متعددة من الأسلحة الحربية. كما تحتفظ روسيا بنفوذ جيوسياسي مستمر بصفتها قوة عظمى ووريثة الاتحاد السوفياتي، إلى جانب مساحتها الشاسعة، كونها أكبر دولة في العالم، وامتلاكها موارد طبيعية ضخمة من طاقة وغاز ومعادن، فضلاً عن قواعد عسكرية منتشرة في أنحاء عدة من العالم.

وترفض روسيا الانخراط في النهج المهيمن المفروض، وهو نهج غير متجذّر في تاريخها، كما تتميّز بعمقها الثقافي والفلسفي، وتؤمن بمبدأ الشراكة والندية في التعاطي الدولي.

الصين

تتمثّل قوة الصين في اقتصادها الصناعي الضخم، حيث تُعرف بـ«مصنع العالم»، إضافة إلى تفوّقها في مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات. كما يتعاظم نفوذها العسكري، ولا سيّما البحري، وتمتلك أكبر جيش في العالم من حيث العدد. وتبرز قوتها أيضاً من خلال مبادراتها العالمية، وعلى رأسها مبادرة «الحزام والطريق»، إلى جانب امتلاكها ترسانة صاروخية نووية، وقدرتها الهائلة على إنتاج السلع.

في المقابل، تُعدّ حاجتها إلى الطاقة والمعادن نقطة ضعف أساسية، إلا أنّها، كروسيا، تؤمن بالشراكة والندية في العلاقات الدولية.

الولايات المتحدة الأميركية

تستمدّ الولايات المتحدة قوتها بالدرجة الأولى من الدولار، إلى جانب كونها قوة عسكرية مدمّرة تمتلك ترسانة نووية ضخمة تُعدّ الثانية عالمياً بعد روسيا. كما تمتلك جيشاً كبيراً، وقواعد بحرية وجوية، وقواعد عسكرية منتشرة في الشرق الأقصى، وأوروبا، والشرق الأوسط.

غير أنّ مكمن الإشكالية في النهج الأميركي ذاته؛ فهي إمبراطورية مالية هائلة بُنيت على عملة الدولار، الذي بات في الوقت نفسه نقطة ضعفها، خصوصاً مع صعود مجموعة «بريكس». كما تستند قوتها إلى قدرتها على السيطرة على ثروات الشعوب وخيراتها، وخلق التوترات العالمية، وإشعال النزاعات بين الدول، وفرض العقوبات كسلاح سياسي ضد من يعارضها.

وتتمتّع واشنطن بقدرة عالية على قيادة دول أخرى لخدمة مصالحها، كما هو الحال مع حلف «الناتو»، إضافة إلى هيمنتها على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعلى احتياطات الدول من العملات والذهب، فضلاً عن استقطاب العلماء من مختلف أنحاء العالم، ولا سيّما من روسيا والصين. هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تعزيز قوتها، لكنها في الوقت نفسه كرّست نموذجاً يمكن وصفه بالديكتاتورية العالمية، القائمة على منطق القوة والتعالي والغطرسة والعنف، مع استعداد دائم لانتهاك سيادة الدول دون اكتراث بالقوانين الدولية، ورفض واضح لمبدأ الشراكة أو الندية.

الخلاصة

ما نشهده اليوم، سواء في فنزويلا، أو في أميركا الجنوبية، أو في الشرق الأوسط، يندرج في إطار محاولات أميركية لتضييق الخناق على الصين، بهدف إجبارها على الاستمرار في التعامل بالدولار، بالتوازي مع استفزاز روسيا، كان آخره توقيع قانون يفرض رسوماً جمركية بنسبة 500% على الدول التي تشتري النفط والغاز من روسيا، ولا سيّما دول «بريكس» مثل الصين والهند والبرازيل. وفي انتظار ردّ الصين في نيسان/أبريل 2026، بعد زيارة ترامب، وردّ روسيا المحتمل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدفع بالنظام الدولي بأسره إلى اللعب في دائرة الخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »