اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب مشتـاق هاشم العلوي: حرب الخليج الصامتة….هل ينفجر اليمن أولاً؟

عندما تتصاعد حروب الكلمات بين العواصم التي كانت حتى الأمس القريب حليفة، وتتحول شاشات التلفزة الرسمية إلى منصات لتبادل اتهامات ثقيلة، فإن ذلك ينذر بأن الصراع قد تجاوز الغرف المغلقة.

حرب الخليج الصامتة….هل ينفجر اليمن أولاً؟

 

📰✍️ كتب مشتـاق هاشم العلوي ـ كاتب ومحلل سياسي

عندما تتصاعد حروب الكلمات بين العواصم التي كانت حتى الأمس القريب حليفة، وتتحول شاشات التلفزة الرسمية إلى منصات لتبادل اتهامات ثقيلة، فإن ذلك ينذر بأن الصراع قد تجاوز الغرف المغلقة.
إن ما نشهده اليوم من تصعيد إعلامي غير مسبوق بين الرياض وأبوظبي ليس مجرد عتاب عابر بين الأشقـاء، بقدر ماهو مؤشر خطير على أن “شهر العسل” قد انتهى، وأننا ربما ندخل مرحلة الحرب غير المباشرة، حيث تُستخدم الساحات الهشة كمسارح لتصفية الحسابات. وفي هذا المشهد المقلق، لا توجد ساحة أكثر هشاشة أو أهمية استراتيجية من اليمن، الذي قد يصبح أول ضحايا هذا الطلاق المرير.
في مسرح السياسة، غالبًا ما تكون الانتصارات الأكثر وضوحًا هي الأكثر خِداعًا. فسقوط آخر قلاع المجلس الانتقالي في حضرموت، وفرار قيادته إلى أبوظبي، وبدء الرياض في هندسة مرحلة “ما بعد الانتقالي”، كل ذلك قد يوحي للناظر السطحي بأن الصفحة قد طُويت للأبد.
لكن التاريخ، وخاصة تاريخ الصراعات، يعلمنا أن أخطر الفصول تُكتب دائمًا في الهوامش، تحت رماد الانتصارات الظاهرية. هناك، في جنوب اليمن، يكمن بركان خامد، ليس بركانًا جيولوجيًا، بل بركانًا من البنادق والولاءات المشتراة، قنبلة موقوتة صنعها حليف الأمس، وتُركت لتهديد استقرار اليوم.
لقد تغيرت طبيعة الصراع في جنوب اليمن بشكل جذري. لم نعد أمام مواجهة كلاسيكية بين مشروع دولة ومشروع انفصال، بل انتقلنا إلى لعبة شطرنج أكثر تعقيدًا وفتكًا، تدور رحاها بين استراتيجيتين متضاربتين. الأولى، استراتيجية سعودية تقوم على الاحتواء بالمال والدمج البطيء، وهي محاولة بطيئة إذا لم تكن يائسة لشراء الوقت والولاءات عبر تسليم الرواتب لقوات الانتقالي السابقة، حتى ولو كان ذلك على حساب أبطال الجيش الوطني المرابطين في مأرب.
وهذه السياسة أشبه بمن يسكب الماء على الزيت المشتعل، قد تبدو أنها تطفئ اللهب للحظة، لكنها في الحقيقة توسع رقعة الحريق..!
وأما الاستراتيجية الثانية، فهي استراتيجية “الفوضى الموجهة” التي قد تلجأ إليها أبوظبي، والتي تدرك أن ورقتها الرابحة لم تعد في السياسة، بل في تلك القوات التي لا تزال تنتشر كخلايا نائمة في عدن ولحج وأبين وشبوة، تنتظر فقط كلمة سر لتفعيلها.
لكن، السؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة القصوى من تصعيد ماقبل الإنفجار بين الرياض_أبوظبي: هل لدى الرياض ترف الوقت لإنجاز هذا الدمج قبل أن تقرر أبوظبي أن اللحظة قد حانت لتفجير الطاولة على الجميع؟؟.
إن تفكيك الواجهة السياسية للمجلس الانتقالي لم ينزع فتيل الأزمة بشكل كامل، بل جعلها كقنبلة بلا صمام أمان، يمكن أن تنفجر مع أي هزة سياسية بين العاصمتين الخليجيتين. إنها مقامرة خطيرة، حيث إن عملية الدمج الحقيقية، التي تتطلب نزع عقيدة الولاء للمشروع الإماراتي من عقول آلاف المقاتلين، هي عملية فكرية معقدة تستغرق سنوات، بينما قرار إشعال الحرب لا يحتاج سوى لدقائق.
وأما الكابوس الأكبر الذي يجب أن يقض مضاجع كل من يهمه مستقبل اليمن والمنطقة. ماذا لو، في ذروة الصراع على النفوذ، ذهبت أبوظبي إلى ما هو أبعد من مجرد إعادة تفعيل وكلائها، وعقدت “صفقة شيطان” مع نظام طهران ومليشياته؟؟ إنه سيناريو مرعب في بساطته التدميرية: تنسيق صامت يتم بموجبه إشعال الجبهات بشكل متزامن. فبينما تفجر المليشيات المحسوبة على الإمارات الوضع من الداخل من شبوة إلى عدن، يقوم الحوثي، وكيل إيران، بشن هجوم كاسح على جبهة مأرب المتجمدة. ستكون النتيجة إيقاع الجيش الوطني والتحالف في كماشة قاتلة، وتشتيت جهودهما حتى الانهيار. هذا ليس مجرد سيناريو لهزيمة عسكرية، بل هو مخطط «لتدمير الهيكل» اليمني على رؤوس الجميع، ورسم خريطة نفوذ جديدة في يمنٍ مدمر، يتقاسمه وكيل إيراني في الشمال ووكلاء إماراتيون في الجنوب.
إن سياسة دفع الرواتب قد تشتري صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تشتري ولاءً حقيقيًا. الولاء الذي يُشترى بالمال، يبيعه صاحبه لمن يدفع أكثر. والحل لا يكمن في احتواء هذه المليشيات ككتل مسلحة، بل في تفكيكها الكامل ونزع سلاحها، ودمج أفرادها على أساس وطني فردي لا على أساس جهوي. يجب على القيادة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية أن يدركوا أن الخطر الأكبر اليوم لم يعد كامنًا في كيان سياسي تم حله، بل في تركته العسكرية التي بقيت كألغام مزروعة في حديقة الدولة الخلفية.
يجب التحرك بسرعة وحزم لنزع فتيل هذه القنابل، قبل أن تجد أبوظبي اللحظة المناسبة لتفجيرها، وحينها، لن يتبقى لليمنيين وطن يبكون عليه.

مشتـاق هاشم العلوي

الكاتب

أبرز نقاط المقال

📌 تصاعد حروب الكلمات بين الرياض وأبوظبي مؤشر على انتهاء “شهر العسل” وبدء حرب غير مباشرة.

📌 اليمن هو الساحة الأكثر هشاشة وقد يصبح أول ضحايا هذا الصراع الخليجي.

📌 سقوط آخر قلاع المجلس الانتقالي لا يعني نهاية الأزمة، بل ترك قنبلة موقوتة في الجنوب.

📌 الصراع في الجنوب تحوّل إلى لعبة شطرنج بين استراتيجية سعودية للاحتواء واستراتيجية إماراتية للفوضى الموجهة.

📌 وجود خلايا نائمة في عدن ولحج وأبين وشبوة قد يسبب انفجارًا مفاجئًا عند أي توتر خليجي.

📌 احتمال صفقة إماراتية–إيرانية قد تؤدي إلى تزامن انفجار الجبهات داخليًا مع هجوم الحوثي على مأرب.

📌 سياسة دفع الرواتب قد تشتري صمتًا مؤقتًا لكنها لا تشتري ولاءً، والولاء يُباع لمن يدفع أكثر.

📌 الحل هو تفكيك المليشيات ونزع سلاحها ودمج الأفراد على أساس وطني فردي لا جهوي.

📌 التحرك السريع والحازم مطلوب لمنع انفجار جديد يدمّر اليمن بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »