اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب محسن الشوبكي -إيران: بين استراتيجية التفكيك وغريزة البقاء

تشهد الساحة الإيرانية صراعاً محتدماً تتداخل فيه الطموحات الدولية مع الأزمات الهيكلية للنظام، حيث تتبنى واشنطن وتل أبيب استراتيجية "الضغط من الداخل" كبديل عن الحرب الشاملة.

إيران: بين استراتيجية التفكيك وغريزة البقاء

الصدام الوجودي ومنطق القوة

الكاتب: محسن الشوبكي – محلل وخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية

تشهد الساحة الإيرانية صراعاً محتدماً تتداخل فيه الطموحات الدولية مع الأزمات الهيكلية للنظام، حيث تتبنى واشنطن وتل أبيب استراتيجية “الضغط من الداخل” كبديل عن الحرب الشاملة.
تعتمد هذه الرؤية على تحويل الاحتقان المعيشي والفقر المتزايد إلى وقود للاحتجاجات، مع محاولة ربط هذه التحركات بمطالب القوميات العرقية في الأطراف لإجبار المركز على تشتيت قواه الأمنية. وفي المقابل، يرتكز النظام على عقيدة أمنية صلبة ترى في أي تنازل بسيط بداية للنهاية، مما يجعله يستنفر كافة أدواته العسكرية والسيبرانية لضرب أي تحرك في مهده قبل أن يتحول إلى تمرد مسلح يخرج عن السيطرة.

الاحتجاجات المعيشية كسلاح جيوسياسي

تعد الأوضاع الاقتصادية المتردية الثغرة الأكبر في جدار الحماية الإيراني، حيث تحولت لقمة العيش من مطلب اجتماعي إلى أداة ضغط استراتيجي. تراهن الولايات المتحدة على تعميق الفجوة بين الشعب والسلطة عبر سياسة العزل المالي، التي تهدف لتجفيف الموارد لدرجة تعجز فيها الدولة عن تأمين الالتزامات الأساسية، مما يدفع بالفئات التي كانت تشكل القاعدة الشعبية للنظام نحو الشارع. الدعم الأمريكي يمتد لتوفير بنية تحتية رقمية عبر الأقمار الصناعية لضمان بقاء المتظاهرين على اتصال بالشبكة العالمية، مما يسهل نقل صور القمع إلى الخارج ويحفز الرأي العام الدولي لفرض عقوبات إضافية تشل قدرة النظام على المناورة والاحتواء الاقتصادي.

رهان القوميات وحافة الهاوية

يمثل النسيج القومي الإيراني المكون من الأكراد والبلوش والعرب والآذريين نقطة الارتكاز في خطط الزعزعة الخارجية، حيث يتم الرهان على تحويل هذه الأطراف إلى بؤر استنزاف دائمة عبر إدخال السلاح النوعي وتأمين قنوات اتصال مشفرة. إن الهدف الاستراتيجي هنا هو خلق مناطق رمادية تسلب النظام سيادته الكاملة على حدوده، مما يضعف قدرته على تصدير نفوذه الإقليمي. لكن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن النظام يجيد اللعب على وتر القومية الفارسية والوحدة الترابية لتخويف المجتمع من سيناريوهات التقسيم، مما يعزز تماسك النواة الصلبة للدولة خلف أجهزتها الأمنية التي تتعامل مع أي تحرك قومي بوصفه تهديداً وجودياً يستوجب الحسم العسكري المفرط.

أدوات الردع المركب وموازين المناورة

يمتلك النظام الإيراني منظومة ردع هجومي تتجاوز حدود الجغرافيا، حيث تبرز ورقة أمن الممرات البحرية كأقوى أدوات الضغط العالمي. يمتلك النظام القدرة على تحويل أي تهديد لوجوده إلى أزمة طاقة دولية عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وصولاً إلى التأثير في باب المندب، مما يرفع كلفة التأمين البحري ويشل سلاسل الإمداد العالمية. يضاف إلى ذلك العمق الاستراتيجي في لبنان والعراق واليمن، حيث تعمل هذه الساحات كقواعد خلفية لتصدير الأزمات وفتح جبهات استنزاف بعيدة عن المركز عند الضرورة. كما يستند النظام إلى خبرة تفاوضية عريقة تجيد سياسة حافة الهاوية، حيث يتم توظيف التصعيد الميداني للحصول على تنازلات سياسية تضمن بقاء السلطة، مما يجعل خيار إسقاط النظام مغامرة اقتصادية وأمنية لا يمكن للقوى الكبرى التنبؤ بنهاياتها الكارثية.

المكاسب الاستراتيجية ومخاطر الفوضى

يرى المخططون في الغرب أن نجاح هذا الضغط المتعدد الأبعاد سيؤدي حتماً إلى انكماش استراتيجي لإيران، حيث ستضطر طهران لسحب تمويلها وخبرائها من الساحات الخارجية لتأمين مدنها الكبرى المنفجرة معيشياً. هذا التحول قد يؤدي لإضعاف أذرعها الإقليمية وتوقف التهديدات العابرة للحدود، مما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تضمن تدفق الطاقة بأسعار مستقرة. لكن هذا التصور يصطدم بمخاطر مرعبة؛ ففراغ السلطة قد يحول إيران إلى بؤرة لتصدير العنف وتسرُّب السلاح النوعي لمجموعات غير منضبطة، فضلاً عن موجات نزوح بشرية هائلة تهدد الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي للجوار الإقليمي.

ترجيح المآلات ورؤية استشرافية

عند الموازنة بين قدرة النظام على التعامل مع التحديات وبين حجم الضغوط، يظهر أن كفة الاستقرار الهش لا تزال هي المرجحة. يمتلك النظام الإيراني منظومة أمنية متجذرة وتجربة عريقة في إدارة الصراعات، وهو يستخدم خيارات قاسية لإجبار الشعب على الاختيار بين الجوع أو الفوضى. ستتجه البوصلة في المرحلة القادمة نحو حالة من الاستنزاف المتبادل، حيث سيبقى النظام في حالة استنفار دائم لمواجهة الضغوط الاقتصادية والتحركات القومية، مستفيداً من خبرته التفاوضية وأوراقه الإقليمية والبحرية لضمان البقاء. سيبقى الاستقرار الإقليمي معلقاً بقدرة الأطراف على منع تحول هذا الاستنزاف إلى انفجار شامل لا يمكن احتواء شظاياه العابرة للحدود.

📌 أبرز نقاط المقال

  • 📌 اعتماد واشنطن وتل أبيب استراتيجية «الضغط من الداخل» كبديل عن الحرب الشاملة ضد إيران.
  • 📌 توظيف الأزمة المعيشية والفقر المتصاعد كأداة جيوسياسية لتفجير الاحتجاجات الشعبية.
  • 📌 الرهان على القوميات العرقية لتحويل الأطراف إلى مناطق استنزاف أمني دائم.
  • 📌 تمسك النظام الإيراني بعقيدة أمنية ترى في أي تنازل بداية لانهيار الدولة.
  • 📌 امتلاك طهران منظومة ردع مركبة تشمل الممرات البحرية والساحات الإقليمية.
  • 📌 استخدام سياسة حافة الهاوية والمفاوضات التصعيدية لضمان بقاء النظام.
  • 📌 مخاطر انهيار الدولة وتحول إيران إلى بؤرة فوضى إقليمية في حال تفكك السلطة.
  • 📌 ترجيح سيناريو الاستنزاف المتبادل واستمرار الاستقرار الهش في المرحلة المقبلة.

محسن الشوبكي

محلل وخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية

المصدر:

https://onresearch.org/تقدير-موقف-إيران-بين-استراتيجية-التفكيك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »