مقالات
أخر الأخبار

ترامب.. رجل بوجهين في الشرق الأوسط

في أقل من يوم واحد، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً صارخاً لسياسة تتحدث بلغتين في الشرق الأوسط. في الكنيست الإسرائيلي، ظهر بوجه المنتصر الذي يمنح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً لمواصلة حربها على غزة، متحدثاً بلغة القوة والانتصار والاصطفاف الأيديولوجي. وبعد ساعات قليلة، في شرم الشيخ، ارتدى وجه الدولة العظمى التي تدعو إلى السلام، ووقف إراقة الدماء، وإعادة الإعمار، وكأن الرجلين ليسا واحداً.

ترامب.. رجل بوجهين في الشرق الأوسط

✍📰 كتب العقيد المتقاعد محسن الشوبكي

في أقل من يوم واحد، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً صارخاً لسياسة تتحدث بلغتين في الشرق الأوسط. في الكنيست الإسرائيلي، ظهر بوجه المنتصر الذي يمنح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً لمواصلة حربها على غزة، متحدثاً بلغة القوة والانتصار والاصطفاف الأيديولوجي. وبعد ساعات قليلة، في شرم الشيخ، ارتدى وجه الدولة العظمى التي تدعو إلى السلام، ووقف إراقة الدماء، وإعادة الإعمار، وكأن الرجلين ليسا واحداً.

هذا التناقض لم يكن صدفة، بل حساباً بارعاً لجمهورين مختلفين. في القدس كان ترامب يخاطب اليمين الإسرائيلي والقاعدة الإنجيلية المحافظة في أميركا، اللتين تمثلان وقود حملته الانتخابية. أما في شرم الشيخ فكان يكلّم القادة العرب والدبلوماسيين الذين يحتاج دعمهم المالي والسياسي لترتيب مرحلة ما بعد الحرب. لذلك استخدم لغتين متناقضتين دون أن يغيّر جوهر سياسته: أميركا أولاً، والمصلحة قبل المبدأ.

ترامب لم يتناقض بقدر ما مارس ما يمكن تسميته بـ”التناقض المقصود”. رفع السقف في الكنيست ليكسب إسرائيل والرأي العام الأميركي، ثم خفّف النبرة في شرم الشيخ ليتفادى العزلة الدولية ويظهر كقائد سلام. إنه نفس الأسلوب الذي استخدمته الإدارات الأميركية السابقة، لكن بجرأة فجة وعلنية لم تعرفها الدبلوماسية التقليدية. فواشنطن لطالما تحدثت بلغتين: واحدة لتطمين إسرائيل، وأخرى لطمأنة العرب. ترامب فقط جعل هذه الازدواجية أكثر وضوحاً.

خطابه الأول كتبته يد التيار الأيديولوجي في إدارته، التي ترى في إسرائيل خط الدفاع الأول عن الغرب، أما خطابه الثاني فجاء بصياغة فريق الأمن القومي والدبلوماسيين الذين يخشون أن يتحول الانحياز الكامل إلى عبء على المصالح الأميركية في المنطقة. وبين الخطابين، لعب ترامب لعبة التوازن القديمة ذاتها: منح إسرائيل شرعية الحرب، وطلب من العرب شرعية ما بعد الحرب.

لكن جوهر التناقض لا يقف عند حدود اللغة، بل يتصل بطبيعة الخطة الأميركية نفسها. فبرغم كل ما تحدث عنه ترامب من “رؤية جديدة للسلام”، لم تحمل الخطة أي أفق سياسي حقيقي يفضي إلى حلول دائمة، لا لحلّ الدولتين ولا لتقرير مصير الفلسطينيين. كل ما طرحه كان مجرد إعادة ترتيب للواقع القائم، مع تحسينات شكلية لإدارة الصراع، لا لإنهائه. بكلمات أخرى، هي سياسة “السلام الإداري”: تهدئة مؤقتة مقابل استمرار الاحتلال بوجه جديد، تُبقي الوضع تحت السيطرة من دون معالجة جذور الأزمة.

ربما كان أكثر ما يميز ترامب أنه لا يرى السياسة التزاماً أخلاقياً، بل صفقة قابلة للتبديل. في الكنيست عقد صفقة سياسية مع اليمين الإسرائيلي، وفي شرم الشيخ سعى إلى صفقة مالية ودبلوماسية مع العرب. كل صفقة لها لغتها، وكل خطابٍ له جمهوره، أما المضمون فواحد: الحفاظ على النفوذ الأميركي في قلب المنطقة، ولو تطلّب الأمر قول الشيء ونقيضه في اليوم نفسه.

هكذا، لم يكن التناقض بين خطابَي ترامب زلّة لغوية أو تناقضاً شخصياً، بل تجسيداً صافياً للبراغماتية الأميركية في أقسى صورها. فبين لغة النصر في الكنيست ولغة التهدئة في شرم الشيخ، تتجلى الحقيقة ذاتها: واشنطن لا تغيّر موقفها، بل فقط طريقة تسويقه. والشرق الأوسط، كما يبدو من خطتي ترامب، ليس أمامه طريقٌ نحو سلامٍ عادل، بل دورة جديدة من إدارة الصراع بدل حله — سياسة تُبقي الجرح مفتوحاً، لتبقى واشنطن وحدها قادرة على مداواته متى شاءت.

العقيد المتقاعد محسن الشوبكي

📌📚✍️أبرز نقاط المقال

📌ترامب يستخدم وجهين: خطاب القوة في الكنيست وخطاب السلام في شرم الشيخ.

📌الازدواجية موجهة لجمهورين مختلفين: إسرائيل والرأي العام الأميركي من جهة، والقادة العرب والدبلوماسيين من جهة أخرى.

📌السياسة الأميركية تركز على المصلحة قبل المبدأ، مع الحفاظ على النفوذ في المنطقة.

📌خطابات ترامب ليست حلولاً سياسية حقيقية، بل تهدئة مؤقتة واستمرار للاحتلال بوجه جديد.

📌الترامبية تبرز براغماتية واضحة: كل صفقة لها لغتها وجمهورها، والمضمون واحد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »