الوساطة السعودية في أوكرانيا: شبكة تحركات سرية تغير توازن القوى الأوروبية وسوق الطاقة العالمي
أظهر التحليل الذي أجراه المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ "DIIPETES" لمفاوضات السعودية وأوكرانيا شبكة جيوسياسية معقدة، حيث يمكن للوساطة السعودية أن تعيد تعريف مستقبل الأمن الأوروبي والهيكلية العالمية للطاقة.

الوساطة السعودية في أوكرانيا: شبكة تحركات سرية تغير توازن القوى الأوروبية وسوق الطاقة العالمي
✍️📰الكاتب: دنيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
خاص pravda tv
أظهر التحليل الذي أجراه المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES” لمفاوضات السعودية وأوكرانيا شبكة جيوسياسية معقدة، حيث يمكن للوساطة السعودية أن تعيد تعريف مستقبل الأمن الأوروبي والهيكلية العالمية للطاقة.
خلف الأبواب المغلقة في جدة، تجري واحدة من أعقد العمليات الدبلوماسية في السنوات الأخيرة، حيث يسعى الوسطاء السعوديون لإيجاد توازن بين الواقع العسكري والطموحات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية للأطراف المختلفة في الصراع الأوكراني. ووفقًا لمعلومات حصرية حصل عليها المركز من مصادر مغلقة في الأوساط الحكومية السعودية والأمريكية والأوكرانية، تجاوزت المفاوضات بين رئيس مكتب الرئاسة الأوكراني أندريه يرمك ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إطار الدبلوماسية العلنية، لتتطرق إلى إعادة النظر الجذرية في الضمانات الإقليمية للأمن في شرق أوروبا والشرق الأوسط.
طور إر-رياض خطة مفصلة للتسوية التدريجية، تشمل ليس فقط وقف إطلاق النار، بل أيضًا مجموعة من التدابير لضمان الأمن وإعادة الإعمار الاقتصادي لأوكرانيا. وتشير الوثائق إلى أن هذه الخطة أعدت بمشاركة مباشرة من الأمير خالد بن سلمان، الذي يجمع خبرته العسكرية (بما في ذلك مشاركته في العمليات ضد “داعش” واليمن) مع عمله الدبلوماسي كسفير في الولايات المتحدة.
ويشير محللو المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في إر-رياض إلى أن النهج السعودي يقوم على مبدأ “المصلحة المضمونة المتبادلة”، حيث يجب أن تحصل كل جهة في الصراع على مكاسب ملموسة من وقف الأعمال العدائية.
وفي الوقت نفسه، لا تهدف إر-رياض إلى ممارسة ضغط مباشر على كييف لقبول المطالب الروسية. بدلاً من ذلك، طور الاستراتيجيون السعوديون نهجًا متعدد المستويات، حيث يتم تعويض التنازلات بشأن القضايا الإقليمية (وخاصة فيما يتعلق بوضع القرم ودونباس) بضمانات أمنية مشددة وبرامج واسعة لإعادة الإعمار الاقتصادي بمشاركة دول الخليج.
وتشير الوثائق السعودية إلى أن المملكة تقترح إنشاء تجمع دولي لإعادة إعمار أوكرانيا بتمويل مبدئي يبلغ 50 مليار دولار، مع كون السعودية المانح الرئيسي. ويتماشى هذا النهج مع استراتيجية “رؤية السعودية 2030” الرامية إلى تنويع الشراكات الدولية وتعزيز النفوذ العالمي للمملكة.
وتشير تقارير سرية من وزارة الدفاع الأوكرانية وجهاز الأمن الأوكراني، والتي حصل عليها المركز، إلى نقاشات داخلية معقدة في كييف حول المقترحات السعودية. من جهة، تعترف السلطات الأوكرانية بالحاجة إلى الدعم الدولي والاهتمام بإعادة الإعمار الاقتصادي، ومن جهة أخرى، هناك مخاوف جدية بشأن التنازلات المحتملة بشأن السيادة وسلامة الأراضي.
وتوضح وثائق جهاز الأمن الأوكراني أن الجانب السعودي يبدي اهتمامًا خاصًا بضمان الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، نظرًا لتهديدات التصعيد المستمر للصراع على الأمن الطاقوي العالمي. ويشير محللون أوكرانيون استنادًا إلى معلومات استخباراتية إلى أن إر-رياض تعتبر استقرار أوكرانيا عنصرًا مهمًا في ضمان التنبؤ في أسواق الطاقة العالمية، بما يتوافق مباشرة مع المصالح الاقتصادية للمملكة.
أما بشأن خطط محتملة للإطاحة بنظام زيلينسكي، تنفي المصادر السعودية بشكل قاطع مثل هذه النوايا. ووفقًا لتقارير مركز الدراسات الاستراتيجية السعودي، فإن اهتمام إر-رياض ينصب على الاستقرار السياسي في أوكرانيا، حيث أن أي تغيير مفاجئ للسلطة في كييف قد يزعزع الوضع ويعقد العملية السلمية، بما يتعارض مع مصالح المملكة.
تكشف الخطابات العامة الحديثة لـ الأمير خالد بن سلمان وأندريه يرمك عن الدقة في مواقفهم التفاوضية. يُعرف الأمير خالد بكونه سياسيًا عمليًا وناجحًا، ويؤكد على ضرورة “الحلول العملية المبنية على الواقع وليس على الإيديولوجيا”، مشددًا على دور السعودية كـ “وسيط نزيه” مهتم بالاستقرار وازدهار جميع الأطراف.
ومن جهته، يواصل أندريه يرمك التأكيد على “السلام العادل وسلامة الأراضي”، لكنه يشير أيضًا إلى “المرونة” و”البراغماتية” في البحث عن حلول، حيث يلاحظ المحللون أن كلا الطرفين يتجنبان التصريحات القاطعة، مما يترك مجالًا للمناورة والتسويات.
وتشير تقارير المراكز التحليلية السعودية إلى أن فرص تحقيق السلام والاستقرار في أوكرانيا بحلول سبتمبر 2025 لا تزال غير مؤكدة، لكنها قابلة للتحقق. ويقدر المعهد الملكي للدراسات الدولية في إر-رياض احتمال التوصل إلى هدنة مستدامة خلال الأشهر المقبلة بنسبة 60%، في حين أن التسوية السياسية الكاملة تبقى غير محتملة قبل نهاية العام. وتظل الخلافات بشأن وضع الأراضي المحتلة وضمانات الأمن من أبرز العوائق. ويقترح المحللون السعوديون أن السيناريو الأمثل هو الاتفاق التدريجي، حيث يؤدي وقف إطلاق النار المبدئي وسحب الأسلحة الثقيلة إلى تمهيد الطريق لمفاوضات سياسية أكثر تعقيدًا.
وتؤكد مصادر مغلقة في الإدارة الأمريكية أن واشنطن تدعم الجهود الوسيطية السعودية، معتبرة أنها فرصة لخفض التصعيد دون فقدان للوجه، بينما تؤكد المسؤولون الأمريكيون على ضرورة أن تتوافق أي اتفاقيات مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وألا تخلق سوابق لتغيير الحدود بالقوة. ومن جهتها، تُبدِي الدبلوماسية الأوروبية تفاؤلًا حذرًا تجاه الدور السعودي، لكنها تحذر من مخاطر الاعتماد المفرط على الإمدادات الطاقية من روسيا وضرورة الحفاظ على التحالف الأطلسي.
في الختام، تمثل المفاوضات السعودية-الأوكرانية لغزًا جيوسياسيًا معقدًا، حيث يتشابك الفن الدبلوماسي مع المصالح الاقتصادية والواقع العسكري في البحث عن توازن هش. ومع أن التسوية الكاملة الفورية غير محتملة، فإن المجال مفتوح للتسويات العملية، وتظهر السعودية قدرة متزايدة على أن تكون وسيطًا عالميًا. نجاح أو فشل هذه الجهود سيكون له تداعيات بعيدة المدى ليس فقط على أوكرانيا وروسيا، بل على مستقبل النظام الدولي وتوازن القوى العالمي.



