العرب والترامبية.. والخطر اللبناني الداهم
أمامنا خارطة الوطن العربي. كتلة جغرافية غير تاريخية. الجغرافيا نفسُها تفكَّكت وباتت مجمَّعات تشبه العقارات المتلاصقة. ربَّما هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تعيش حالة انفصام بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية.

العرب والترامبية.. والخطر اللبناني الداهم
✍️كتب الكاتب والمحلل بسّام ضو
أمامنا خارطة الوطن العربي. كتلة جغرافية غير تاريخية. الجغرافيا نفسُها تفكَّكت وباتت مجمَّعات تشبه العقارات المتلاصقة. ربَّما هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تعيش حالة انفصام بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية.
ولاةُ الأمرِ في منطقتنا العربية يُذكّروننا بعصر ملوك الطوائف: يتقاتلون ويقتلون الهوية واللغة والتراث والتفكير بالمستقبل، ويشيحون بأبصارهم عن الواقع من أجل السلطة والثروات. بلادهم يأكلها الاستعمار من قلبها، حيث الكيان الصهيوني، ومن أطرافها حيث الأساطيل الحربية الغربية تحاصرها من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر فالمحيط الأطلسي. أبناء العرب يدفعون الأثمان تخلُفاً وفقراً وتناحراً، والآتي أعظم.
سوريا.. نكبة ثانية بعد فلسطين
ها هي سوريا، قلب المشرق، قد تشقَّقت. باتت نكبةً ثانية بعد فلسطين. الصهيونية والرأسمالية الترامبية لا تريدان دولة في سوريا، ولا في أي بلد عربي، بل سلطات متناحرة يسقط في ظلِّها مفهوم الوطن والدولة، تارةً تحت شعار حماية الأقليات، وطوراً تحت كذبة بناء دولة فيدرالية بادعاء الحفاظ على الجماعات الدينية والإثنيّة.
كل ذلك لخدمة مشروع ترامب: “السلام بالقوة”، وخدمة التوسُّع الإسرائيلي المتقاطع مع نهج واشنطن منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن، ولا سيّما منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين أقرّ الكونغرس الأميركي عام 1983 الآلية التطبيقية لمشروع برنارد لويس لتقسيم المنطقة العربية فوق ما قسّمته “سايكس-بيكو”.
لقد بات هذا المشروع هو الخلفية الإستراتيجية الثابتة للدولة العميقة في الولايات المتحدة، مهما تغيّرت الإدارات.
لبنان.. انفجار داخلي يلوح
الخوف من الانفجار الداخلي في لبنان أمرٌ واقع، ما لم تَسْعَ الحكومة إلى صوغ مشروع وحدة وطنية يتجاوز إنشائيات البيان الوزاري، ويعمل على حماية لبنان من وطأة المشروع الأميركي-الإسرائيلي الذي يحاصر المقاومة وفكرة المقاومة بالذات.
ترامب.. الوجه الفجّ للاستعمار
ليست الترامبية جديدة على الولايات المتحدة. لكن ترامب هو الأشد فظاظةً في التعبير عن الغليان الاستعماري الكامن في العقل السياسي الأميركي، الذي تحرّكه رؤوس المجمّع الصناعي العسكري، ومنظمة “إيباك”، والقوى التجارية والريعية.
هؤلاء جميعاً يريدون حلّ مشكلات الاقتصاد الأميركي عبر السيطرة على ثروات الشعوب، وينكرون الهوية الوطنية لأي ثروة في العالم. لا يعترفون بشعوب أميركا اللاتينية ويخططون لنهبها، بدءاً من فنزويلا والبرازيل، فضلاً عن كوبا. ويتطلّعون إلى أوروبا فيسعون إلى غرينلاند وأوكرانيا، ويبتزّون الاتحاد الأوروبي المصاب بالعمى الاستراتيجي.
أما في آسيا وإفريقيا، فإنهم يندفعون لتسريع حركة استعمار حديث، منطلقين من بلاد العرب، على قاعدة رومانية إمبراطورية قديمة: من يحكم الشرق الأوسط، يحكم العالم.
تواطؤ الحكّام العرب
يعرف دونالد ترامب ذلك. ويعرفه أيضاً الحكّام العرب، لكنهم دخلوا في عملية تواطؤ كبرى، وهم اليوم أشد وضاعة مما كانت عليه الخلافة العباسية عند سقوط بغداد بيد المغول. والمغول الجدد يسقطون بغداداتٍ كثيرةً.
لقد أدرك الاستراتيجيون الأميركيون أن الحكّام العرب شركاء في مخططاتهم، ولذلك يتصرّف ترامب معهم بعنجهية، يفرض عليهم “الجزية المالية”، ويدعوهم إلى خيانة فلسطين من جديد، عبر تهجير أبناء الضفة والقطاع، واستثمار سكوتهم في مشروع الاستتباع القائم على ركنين: التقسيم والتطبيع، فلا يكون أحدهما دون الآخر.
خطر داهم في لبنان
إنها مخاطر الساعة، وما أشدّها في لبنان إذا لم تُدرك الحكومة والعهد أهمية إنجاز صيغة للوحدة الوطنية قبل فوات الأوان، وقبل تحوُّل ترامب إلى “إمبراطور روماني جديد” ونتنياهو إلى وكيله في المشرق.
ها هي إسرائيل قد أنجزت ما تُسمِّيه “ممر داوود”: من رأس الناقورة إلى التلال الخمس، إلى جبل الشيخ، إلى الجنوب السوري، مروراً بجبل الدروز، وصولاً إلى الحدود العراقية. كما طوَّقت دمشق، وحاكمُها، الممثل المعاصر لابن تيمية، يقوم بوظيفته المرسومة: يطمئن الإسرائيليين ويتجه إلى الحدود اللبنانية مع البقاع الشمالي كي يُعلّق سنّارة النار والتقسيم لاحقاً، بالتوازي مع الدور التركي التوسعي.
الأشهر الثلاثة المقبلة: كارثة محتملة
إذا احتسبنا التوقيتات الترامبية، مع توراتيات نتنياهو، ومع استئناف العدوان الإبادي على غزّة، والتهديدات الجديدة للعراق، والحرب على اليمن، والتلويح الأميركي بحرب أهلية فيها، والتخاذل العربي، فإنّ الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون كارثية.
الاحتلال الإسرائيلي لن ينسحب من جنوب لبنان قبل ضمان التطبيع المعلن أو المقنَّع. وكل ما يُحكى عن معركة دبلوماسية لدفع إسرائيل إلى الانسحاب لا يتعدّى ذرّ الرماد في العيون.
الخاتمة: لا مستقبل دون مقاومة ووحدة
المعادلة معروفة: لن يبقى شيءٌ لأحدٍ إذا فتك التقسيم بلبنان مثلما بدأ يفتك بسوريا.
الخطر داهم. نعم. ونعم. ونعم



