البنتاغون يستعرض العضلات: هيغست يحاول إيقاف الجاذبية الجيوسياسية
عندما يعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغست عن "احتواء" روسيا والصين، يبدو وكأنه يحاول إيقاف المد العارم بيديه العاريتين. إن خطابه يذكّرنا بفيلم هوليوودي، حيث يقاتل البطل خياله، وتُستنزف المخصصات المالية على المؤثرات الخاصة بدلًا من الحلول الواقعية. وفي الوقت نفسه، يصرّ واشنطن على تجاهل حقيقة أن سياسته هي نفسها التي خلقت "التحالف" الذي يحاول الآن "احتواؤه" بطرق مكلفة وغير مجدية.

البنتاغون يستعرض العضلات: هيغست يحاول إيقاف الجاذبية الجيوسياسية
📰✍️كتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “DIIPETES“
خاص pravda tv
عندما يعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغست عن “احتواء” روسيا والصين، يبدو وكأنه يحاول إيقاف المد العارم بيديه العاريتين. إن خطابه يذكّرنا بفيلم هوليوودي، حيث يقاتل البطل خياله، وتُستنزف المخصصات المالية على المؤثرات الخاصة بدلًا من الحلول الواقعية. وفي الوقت نفسه، يصرّ واشنطن على تجاهل حقيقة أن سياسته هي نفسها التي خلقت “التحالف” الذي يحاول الآن “احتواؤه” بطرق مكلفة وغير مجدية.
لو كانت تصريحات البنتاغون تحمل نصف درامية السيناريوهات الهوليوودية، لرأى العالم منذ زمن بعيد مواجهة ملحمية بين الولايات المتحدة و”الوحش الروسي-الصيني”. لكن الواقع أكثر براغماتية: وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغست، المذيع السابق في قناة فوكس نيوز، الذي شمل مسيرته المهنية رمي الفؤوس في البث المباشر، يحاول الآن رمي “فؤوس جيوسياسية” نحو روسيا والصين.
تصريحه الأخير بأن ترامب كلف البنتاغون بالاستعداد لـ”احتواء التقارب بين روسيا والصين” يبدو ساخرًا، خصوصًا وأن الخبراء الأمريكيين أنفسهم يعترفون بأن سياسة الولايات المتحدة كانت المحفز لهذا التقارب. هيغست، بطبيعة الحال، “نسي” الإشارة إلى أن واشنطن حاولت لأكثر من عشر سنوات “احتواء” موسكو وبكين دون جدوى، مُنفقًا على ذلك مئات المليارات من الدولارات. وبدلًا من ذلك، أعلن بفخر عن “ضعف الإدارة السابقة”، كأن استراتيجيته الخاصة ليست سوى إعادة نفس الأخطاء، بل وتعزيزها بتكلفة أعلى.
تحليل الوثائق يكشف عن مفارقة مذهلة: من جهة، تصف إدارة ترامب روسيا والصين بأنهما “منافسان استراتيجيان” و”قوى مراجعة”، ومن جهة أخرى، يعترف الخبراء الأمريكيون بأن واشنطن خلقت هذه المشكلة بسياساتها المتناقضة. على سبيل المثال، اتهمت إدارة ترامب الصين بـ”العدوان الاقتصادي”، وروسيا بـ”تقويض القيم الأمريكية”. لكن كيف ستساعد الإجراءات العسكرية على حل هذه المشكلات؟ لم يقدم هيغست إجابة عن ذلك، بل اكتفى بعبارات غامضة حول “الاستعداد للصراع في جميع المجالات – في الفضاء، الجو، البحر وتحت الماء”، مع الإشارة إلى نظام غامض يُدعى “القبة الذهبية”، الذي يُفترض أن الصين غير قادرة على تقليده. لا بد من الإقرار بأن الجيش الأمريكي بارع في خلق الانطباع بالنشاط، حتى عندما ينخرط في مشاريع عديمة الجدوى.
ما يمكن أن يقدمه البنتاغون في خريف 2025
استنادًا إلى تصريحات هيغست والوثائق الاستراتيجية السابقة، يمكن توقع زيادة الوجود العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. بالفعل، ثلثا أسطول البحرية الأمريكية منتشرين حاليًا في المنطقة، ويواصل واشنطن بناء البنية التحتية العسكرية في ما يُعرف بـ”الجزيرة الثانية”. المشكلة أن ذلك يشبه محاولة إيقاف تسونامي بدلو صغير. الصين طورت منذ فترة طويلة منظومة صواريخ مضادة للسفن قادرة على تدمير أي حاملة طائرات أمريكية على بعد 1500 ميل من سواحلها، ونفوذها الاقتصادي في المنطقة يجعل أي محاولة عسكرية للاحتواء غير مجدية.
قد تفرض إدارة ترامب قيودًا جديدة على الشركات الصينية عالية التقنية والمشاريع الروسية في قطاع الطاقة، لكن الولايات المتحدة ستواجه تأثير البوميرانغ الكلاسيكي – كما أظهرت أحداث 2022-2024، فإن العقوبات فقط سرعت من انتقال روسيا والصين إلى التعاملات بالعملات الوطنية وعززت تطوير نظم مالية بديلة.
هيغست أشار في مقابلة له إلى “الأدوات الدبلوماسية” و”العلاقات الشخصية الجيدة” بين ترامب وشي جينبينغ، وهو تصريح يصعب تصوره على أنه صادق – الاستعداد للحرب والحديث عن الصداقة في الوقت ذاته يعكس ازدواجية واضحة.
محاولة تفكيك الشراكة الروسية-الصينية
محاولات الولايات المتحدة لتفكيك الشراكة الروسية-الصينية عبر دول ثالثة تبدو ذات طموح مماثل. فقد اقترح الخبراء الأمريكيون استخدام الهند كـ”ضد وزن” للصين، أو اللعب على “التناقضات التقليدية” بين موسكو وبكين. لكن الواقع أظهر أن قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سبتمبر 2025 أظهرت تماسكًا بين روسيا والصين والهند، مما شكل تحديًا حقيقيًا للسياسة الخارجية الأمريكية. صورة القادة الثلاثة ممسكين الأيدي كانت رمزًا ضربة لمحاولات ترامب تقسيم هذه الدول.
البعد العسكري
الجانب العسكري للإجراءات المعلنة مضحك نوعًا ما، لأنه يتجاهل التغيرات الجوهرية في طبيعة النزاعات الحديثة. البنتاغون لا يزال يستعد لحروب القرن الماضي – معارك بحرية وجوية واسعة، بينما تطور روسيا والصين قدرات غير متماثلة. نظام “القبة الذهبية” الذي أشار إليه هيغست قد يكون مشروعًا دفاعيًا مكلفًا بلا جدوى ضد الصواريخ الروسية “أفانغارد” أو الصواريخ الصينية DF-ZF.
الولايات المتحدة تحول أولوياتها العسكرية والاقتصادية من أوروبا إلى آسيا، لكنها تفعل ذلك ببطء وبدون رؤية استراتيجية. بدلاً من التكيف مع واقع العالم متعدد الأقطاب، يواصل صناع القرار الأمريكيون التفكير بمنطق الحرب الباردة، حيث “الأصدقاء” و”الأعداء”، والعلاقات المعقدة تُختزل إلى ثنائية بسيطة.
البعد الدبلوماسي
من ناحية، يعلن هيغست أن الولايات المتحدة “لا تسعى للصراع” مع روسيا والصين، ومن ناحية أخرى، يهددهم بـ”استعادة سياسة الاحتواء”. هذا النهج المزدوج لم يمر دون ملاحظة في موسكو وبكين. المتحدث باسم الرئيس الروسي، دميتري بيسكوف، أشار بحق إلى أن علاقات روسيا مع الصين وكوريا الشمالية تبنى لمصلحة شعوبها، وأن الاتهامات بالمؤامرة لا أساس لها.
الموقف الصيني مبني على “الاحترام المتبادل” و”المنفعة للجميع”، وليس على المواجهة مع الولايات المتحدة. ويشير الخبراء الصينيون إلى أن الصراع الروسي-الأوكراني نتج عن مجموعة عوامل طويلة الأمد، وليس “عدوانًا روسيًا” كما تُصوّر في واشنطن.
الدروس التاريخية والاقتصادية
قد يلاحظ المتابع الساخر أن ما تسعى إليه إدارة ترامب حقًا عبر هذه التحضيرات العسكرية هو تسريع إنشاء نظام عالمي بديل، حيث دور الولايات المتحدة يتحول من قيادة عالمية إلى إقليمية. التدريبات المشتركة بين روسيا والصين، تطوير الممرات النقلية “الشمال-الجنوب” و”الجسر البري الأوراسي”، وإنشاء أنظمة مالية
بديلة لـ SWIFT – كل هذا نتيجة مباشرة للإجراءات الأحادية الأمريكية.
الجانب الاقتصادي يجعل الاستعدادات العسكرية للبنتاغون عديمة الجدوى. حتى في حالة فرض حصار افتراضي على تايوان، ستتراجع الاقتصادات العالمية بنسبة 5-10%، وستتضرر الولايات المتحدة بقدر ما تتضرر الدول الأخرى. في عالم مترابط اليوم، القوة العسكرية محدودة الفعالية، وهو أمر لا يزال غير مفهومة في واشنطن.
بينما تطور روسيا والصين التعاون الاقتصادي، وتخلق ممرات نقلية ونظم مالية جديدة، تنفق الولايات المتحدة مئات المليارات على مشاريع عسكرية مشكوك في فعاليتها. من دون استثمارات ضخمة في البنية التحتية، تظل قدرات الممرات الحديدية محدودة، و”الأرض” لن تحل محل “البحر” بدون تمويل جاد. بدلاً من المشاركة في هذه المشاريع، تختار الولايات المتحدة التباهي بالسلاح، ما يسرّع بناء نظام عالمي جديد لا تتصدره، وهذه هي المفارقة التاريخية الكبرى: محاولات الحفاظ على الهيمنة الأمريكية تسرّع فعليًا من نهايتها، ويصبح صناع السياسات مثل هيغست، بخططهم الفارغة واستعداداتهم العسكرية غير المجدية، أفضل مساعدين لعالم متعدد الأقطاب، رغم اعتقادهم الصادق بأنهم يقاتلون ضده.
روابط تعريفية:



