خاص pravdatv
أخر الأخبار

«المسألة الشرقية تعود بثوب عبري: من تفكيك الخلافة إلى هندسة الشرق الأوسط الجديد»

منذ أن وطئت أقدام العثمانيين أوروبا، ووقع ما وقع من توسّع في أرضها وبلادها، ولم يملك الأوروبيون حيلة لصدّهم ولا وسيلة لدفعهم، وقعد بهم العجز دون مجاراة السلطنة العثمانية، رغم أنهم بذلوا جهدهم وبلغوا من الحرص في محاربتها كل مبلغ، ولكنها أعمال حبطت وآمال خابت.

✦✧✦

«المسألة الشرقية تعود بثوب عبري: من تفكيك الخلافة إلى هندسة الشرق الأوسط الجديد»

كتب ✍️📰: أيوب نصر

الباحث: أيوب نصر، المختص في المدارس الفكرية والاستشراق

 

✍️منذ أن وطئت أقدام العثمانيين أوروبا، ووقع ما وقع من توسّع في أرضها وبلادها، ولم يملك الأوروبيون حيلة لصدّهم ولا وسيلة لدفعهم، وقعد بهم العجز دون مجاراة السلطنة العثمانية، رغم أنهم بذلوا جهدهم وبلغوا من الحرص في محاربتها كل مبلغ، ولكنها أعمال حبطت وآمال خابت.

✧✦✧

هنا بدأ ما يُعرف في التاريخ بـ المسألة الشرقية، وهي خطط أوروبية لإسقاط الخلافة العثمانية عن طريق تفكيكها من الداخل عبر بثّ (النزعات العرقية والدينية)، مع أنّ من كانوا يدينون بغير دين السلطنة أو لا ينتمون للعرق التركي لم يكونوا يعانون أيَّ تمييز، وذلك لما ينصّ عليه التشريع الإسلامي في هذه المسألة، ولما تميّز به الإسلام من تبنّي ما يُسمّى اليوم بـ (الدولة المدنية).

وأنا هنا — لا سمح الله — لست مدّعياً أنّ آل عثمان كانوا ملائكة منزّهين أو أنبياء معصومين أو صدّيقين أتقياء أو حملاً وديعاً. لا، لست أدّعي هذا، وأنا على يقين بأنّ السلطة الزمنية لها سيفها وحكمها فتظلم وتتجنّى وتسفك وتخسف، ولهذا نهى الإسلام عن مقارعة الأمر أهله ومواجهة السلطة الزمنية دون توفّر شروط.

وعلى العموم فهذا ليس موضوعنا الآن، ولا لأجله أنشأنا هذا المقال، ولعلّنا نعود إليه لاحقاً ببسط القول فيه.

✧✦✧

ولم تكن المسألة الشرقية الموجّهة لإسقاط الدولة العثمانية واحدة، بل كانت مسائل شرقية، فكل قرن من القرون — منذ القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر — عرف مسألة شرقية اهتمّت بتنفيذ هذه المخططات في طرف من أطراف السلطنة المترامية.

وسأخصّ بالحديث هنا ما كان في القرن التاسع عشر وما بعده؛ فقد أدّت الجواسيس الأوروبية، (الاستشراقية والتبشيرية)، عملها في خلق النزعة العربية.

وكان العرب السواد الأعظم والأهم في الدولة العثمانية، فاستغلّ الأوروبيون النار الكامنة في داخلهم لعزّ عدنان وفخر قحطان، مستغلّين الصحف السيارة من بغداد ومصر وبلاد الشام لتهييج القاعدة الشعبية العربية على الدولة العليّة، مغريين إيّاهم بالوعود الزائفة والعهود الباطلة، كما حدث بالطريقة نفسها والأسلوب ذاته مع شعوب الاتحاد السوفياتي.

خفت نور آل عثمان، وفُلّ سيفهم، وسكنت صولتهم، وأُحيط بهم الأسوار وأُغلقت الأبواب، ثم كان ما كان، ووجد العرب أنفسهم ضائعين في البلاد أيدي سبأ.

 

وهنا تعمل الطبيعة البشرية عملها وتكره الانفراد والشتات، فتنفتح أعين العرب على خطأ الأمس القريب، لكن بعدما قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

فسُوِّلت لهم أنفسهم إنشاء جامعة عربية تقوم مقام الجامعة الإسلامية التي ذهبت منذ قليل، فأنشئت على يد رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، من أمثال شكيب أرسلان وعبد الرحمن عزّام.

وهنا — وقبل أن أكمل أطوار المسألة الشرقية — أودّ أن أفتح قوساً آخر وأعتذر للقارئ الكريم على هذا الخروج، وليجد لي في نفسه عذراً، فالموضوع ذو شجون وأنا أكتب فيه بدم القلب لا بمداد المحابر.

✍️وأشير هنا إلى أنّ الذين حملوا على عاتقهم مشقّة إنشاء الجامعة العربية هم أنفسهم الذين عارضوا من قبل سقوط الجامعة الإسلامية.

أمّا أولئك الذين كانوا يدعون إلى الوحدة العربية وعزّ عدنان وفخر قحطان، فقد تواروا بالحجاب ودفنوا رؤوسهم في التراب. فكن على ذكر من هذا، فستحتاجه بعد حين.

أُحدِثت الجامعة العربية، وبدأت عملها في توحيد الصفّ العربي ولملمة شظاياه المتناثرة شرقاً وغرباً.

لكن هنا تعود المسألة الشرقية في القرن العشرين جذعة كما بدأت أول مرة بمخططاتها الغربية، لكن ليس لإسقاط الخلافة الإسلامية، بل للحؤول دون توحيد العرب ومنع تقوية شوكتهم وجامعتهم.

🛑وحَمَلةُ تنفيذ هذا المخطط ضربان من الناس:
 الأول: من كانوا يهاجمون الجامعة الإسلامية ويدعون إلى الجامعة العربية

(وحسبي فيك أنك على ذكر مما قلته لك قبل قليل، ولعلك نسيت وتركتني أهذي وحدي!!)

🛑الثاني: طلبة البعثات الذين عادوا من البلاد الغربية تحت تأثير أساتذتهم المستشرقين، فانقلب هؤلاء إلى أولئك، وبدأت الدعوة إلى النظرية الإقليمية، وأن الأمر يقوم على أساس الأقطار العربية بدل القطر العربي. ثم ظهرت الدعوة إلى (الفينيقية، والآشورية، والفرعونية، والأمازيغية، وما شاء الله ذهنك من “الواوات”).

فكان دور المسألة الشرقية في القرن العشرين إضعاف الجامعة العربية وجعلها أهون على العرب، وهذا ما كان، والله المستعان.

ثم انتهى بنا الزمن، وانحدرت بنا الأيام والسنون، إلى يوم الناس هذا، وبلغنا القرن الحادي والعشرين، ولا بدّ له من مسألة شرقية. لكنها مسألة شرقية مختلفة تماماً عمّا سبق؛ إذ كانت السابقات تعمل على الفرقة والتشتّت، أمّا هذه فتهدف إلى جمع الشّتات ولمّ الشمل، ليس فقط العربي بل الإسلامي، ولكن ليس تحت الخلافة الإسلامية ولا الجامعة الإسلامية، بل تحت (الجامعة العبرية) (وزغرتي يا انشراح!)، أساسها الشرق الأوسط الجديد.

وطريقها الاتفاقيات الإبراهيمية التي أخذت طريقها نحو آسيا الوسطى، لربط هذه الدول أمنياً وعسكرياً واقتصادياً بإسرائيل، وهذا أشدّ أنواع “الجامعات” لأنه اتحاد قهر وذل وتبعية.

فقد بدأ كل شيء بتفريق الجامعة الإسلامية، ثم أصاب الوهنُ الجامعةَ العربية، ثم العمل على إنشاء الجامعة العبرية.

✍️وأنا لا أعجب من هذا، فهو كان بيّناً  لدي منذ سنوات، ولكن العجب من أنّ الذين يروّجون اليوم للجامعة العبرية هم السلالة العلمية نفسها التي هاجمت الجامعة الإسلامية تحت شعار الجامعة العربية، ثم هاجمت الجامعة العربية تحت شعار الدولة الوطنية والقطرية. فلك أن تعجب أيضاً إن بقي لديك شيء من الإحساس!!!

وأما الآن فلم يبق لقلمي شيء يبوح به بعد هذا البيان غير المخلّ، متجنباً طرائق الاسترسال مخافة الملل الذي يعتريك وقلة الصبر التي تحيط بك، إلا أن أتمثل قول رجل قديم:

❖✦❖

بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد.

❖✦❖

الكاتب أيوب نصر

المختص في المدارس الفكرية والاستشراق

✦ أبرز النقاط في المقال ✦

🧾المسألة الشرقية بدأت كخطط أوروبية لتفكيك الخلافة العثمانية من الداخل.

✍️الأقليات داخل الدولة العثمانية لم تكن متعرضة للتمييز، وفق التشريع الإسلامي.

🛑الجواسيس الأوروبية ساهموا في خلق النزعة العربية في القرن التاسع عشر.

✍️تأسست الجامعة العربية لتوحيد الصف العربي بعد سقوط الجامعة الإسلامية.

🧾القرن العشرين شهد محاولات لإضعاف الجامعة العربية عبر دعاة النظرية الإقليمية والفينيقية والآشورية وغيرها.

🧾القرن الحادي والعشرين شهد تحويل المسألة الشرقية لإنشاء “الجامعة العبرية” في إطار الشرق الأوسط الجديد.

🧾الاتفاقيات الإبراهيمية ربطت دول آسيا الوسطى أمنياً واقتصادياً وإدارياً بإسرائيل.

✧✦✧

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »