قمة شرم الشيخ.. هل يمكن تنفيذ الاتفاق في ظل التجارب المريرة مع إسرائيل؟
نحن أمام منعطف خطير في تاريخ القضية الفلسطينية بعد العدوان الصهيوني الغاشم على غزة، الذي أعقب عملية طوفان الأقصى، ففتح الباب أمام متغيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة، وكشف عن وجهٍ وحشيٍّ للآلة العسكرية الإسرائيلية، وعن حجم مأساة إنسانية لم يشهد لها العالم مثيلًا في العصر الحديث.

❓ قمة شرم الشيخ.. هل يمكن تنفيذ الاتفاق في ظل التجارب المريرة مع إسرائيل؟
✍️ كتب إدريس احميد – باحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي
نحن أمام منعطف خطير في تاريخ القضية الفلسطينية بعد العدوان الصهيوني الغاشم على غزة، الذي أعقب عملية طوفان الأقصى، ففتح الباب أمام متغيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة، وكشف عن وجهٍ وحشيٍّ للآلة العسكرية الإسرائيلية، وعن حجم مأساة إنسانية لم يشهد لها العالم مثيلًا في العصر الحديث.
مشاهد القتل والتدمير والإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني مثّلت المعيار الحقيقي لاختبار الضمير الإنساني، وكشفت عن عجز الأمم المتحدة وتواطؤ المجتمع الدولي، في ظل دعم أمريكي وغربي غير محدود لإسرائيل، وتبريرات سياسية تُغلف العدوان بعبارات “حق الدفاع عن النفس”.
تحولات في المواقف الدولية
رغم هذا المشهد القاتم، برزت بوادر تحول في الوعي العالمي تجاه حقيقة الصراع. فقد شهدت الولايات المتحدة نفسها حراكًا شعبيًا واسعًا رفض الدعم الأعمى لإسرائيل، وتبنّت شخصيات أكاديمية وسياسية أمريكية مواقف أكثر اتزانًا.
وفي أوروبا، صدرت مواقف قوية غير مسبوقة من بعض الزعماء الذين أدانوا العدوان الإسرائيلي بوضوح، ما أثار غضب تل أبيب وتهديداتها باتخاذ إجراءات ضد كل من يجرؤ على إدانتها.
أحد أهم التحركات جاء من جنوب إفريقيا، التي تقدمت بشكوى إلى محكمة العدل الدولية متهمة إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. كما طالبت بإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من وزرائه.
هذا التحرك شكل نقطة تحول قانونية وإنسانية في مسار القضية الفلسطينية، وأحرج الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي وجدت نفسها أمام مساءلة أخلاقية وقانونية.
الازدواجية الأمريكية
لا شك أن الموقف الأمريكي ما زال منحازًا لإسرائيل بشكل تقليدي، إذ يتغلغل النفوذ الصهيوني في مفاصل القرار داخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
أما الرئيس السابق دونالد ترامب، فهو يجسد حالة من الازدواجية السياسية بامتياز؛ إذ يمارس النفاق السياسي وفق مزاجية تخدم مصالحه الشخصية والانتخابية.
فهو من جهة يعلن دعمه لإسرائيل دون حدود، ومن جهة أخرى يحاول الظهور بمظهر رجل السلام القادر على إنهاء الأزمات سلمياً.
سياسته، كما في أزمة أوكرانيا، تقوم على الاستفادة من كل الأطراف: يبيع السلاح لأوروبا، ويحافظ على توازن شكلي مع روسيا، ويضغط على الهند، وكل ذلك بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية خفية.
وفي الشرق الأوسط، يسير النهج ذاته؛ يسعى لإرضاء إسرائيل ودول الخليج، ويتقارب مع مصر، ليقدم نفسه كوسيط قادر على صناعة السلام مقابل تحقيق مصالح أمريكية مباشرة.
قمة شرم الشيخ.. الدور المصري الحاسم
وسط هذه المعادلات، جاءت قمة شرم الشيخ لتعيد لمصر مكانتها المركزية في إدارة الملف الفلسطيني والعربي.
فقد نجحت القاهرة، بالتعاون مع قطر وعدة دول إقليمية، في تحقيق أفضل الممكن سياسيًا وإنسانيًا، من خلال تثبيت هدنة، ومنع تهجير سكان غزة إلى سيناء، وهو إنجاز استراتيجي يحسب لمصر ويؤكد ثبات موقفها التاريخي في رفض توطين الفلسطينيين خارج أرضهم.
كما ساهمت القمة في إعادة إحياء المسار السياسي، وإجبار إسرائيل على الجلوس إلى طاولة التفاهمات الدولية، ولو بشكل مؤقت.
ترامب والرهان على نوبل
في المقابل، سعى ترامب من خلال خطابه في الكنيست الإسرائيلي إلى طمأنة تل أبيب بأنه كان وما زال الداعم الأول لها، لكنه في الوقت ذاته حاول إقناعها بقبول مبادرته لتحقيق “السلام”، إدراكًا منه أن أي اختراق في هذا الملف قد يعيد إليه الأضواء وربما جائزة نوبل للسلام التي يسعى إليها مجددًا.
إنه يضرب عصفورين بحجر واحد: إنهاء الأزمات الشكلية، وتحقيق مكاسب سياسية وشخصية كـ“رجل السلام الأمريكي”.
وثيقة شرم الشيخ.. بين الالتزام والواقع
تم في القمة التوقيع على وثيقة شرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة، والتي تضمنت عدة نقاط جوهرية:
- 📌 بقاء سكان غزة في أرضهم ورفض أي مخطط للتهجير.
- 📌 إعلان نية إسرائيل الانسحاب من القطاع.
- 📌 الحديث عن تشكيل إدارة مدنية جديدة بقيادة فلسطينية مستقلة.
- 📌 طرح رؤية لإقامة دولة فلسطينية، وإعادة الالتزام بالاتفاقات السابقة.
إلا أن التساؤل الأبرز اليوم: هل ستلتزم إسرائيل بهذه التعهدات؟ أم أن الأمر لا يعدو استراحة محارب تمهد لمرحلة جديدة من الصراع تشمل جبهات أخرى في لبنان وسوريا وربما إيران؟
السيناريوهات القادمة
من الواضح أن إسرائيل لا تزال تراهن على منطق القوة، وتتعامل مع السلام كتكتيك وليس كخيار استراتيجي.
ففكرة السيطرة والتوسع مغروسة في عقيدتها السياسية والأمنية، كما أظهرت التجارب السابقة مع منظمة التحرير والشهيد ياسر عرفات.
من هنا، تبدو التساؤلات مشروعة حول مدى استعداد تل أبيب للاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو الالتزام بأي اتفاق دولي مستقبلي.
خاتمة: نحو وعي عربي جديد
قمة شرم الشيخ ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من الوعي العربي بضرورة امتلاك القرار المستقل، وبناء موقف موحد في مواجهة الانحياز الغربي، واستعادة زمام المبادرة في القضية الفلسطينية.
فالقضية لم تعد اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل امتحانًا للضمير الإنساني والعربي، بين من يقف مع العدالة، ومن يبرر الإبادة.
ويبقى السؤال معلقًا: هل ستكتب شرم الشيخ بداية سلامٍ حقيقي، أم أنها فصل آخر من فصول الهدنة المؤقتة في صراع لم ينتهِ بعد؟
📌 أبرز نقاط المقال
- 📌 العدوان الصهيوني على غزة كشف مأساة إنسانية ضخمة وعجز الأمم المتحدة.
- 📌 بوادر تحول في المواقف الدولية، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة.
- 📌 جنوب إفريقيا رفعت شكوى ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.
- 📌 الموقف الأمريكي ما زال منحازًا لإسرائيل، وترامب يجسد ازدواجية سياسية واضحة.
- 📌 قمة شرم الشيخ أعادت لمصر الدور المركزي في إدارة الملف الفلسطيني.
- 📌 التوصل إلى هدنة ومجموعة من الالتزامات الإسرائيلية المحتملة.
- 📌 التساؤلات حول التزام إسرائيل بالاتفاقات وضرورة المراقبة الدولية.
- 📌 إسرائيل لا تزال تراهن على القوة وليس السلام كخيار استراتيجي.
- 📌 الحاجة لوعي عربي جديد وقرار مستقل في مواجهة الانحياز الغربي.
- 📌 قضية فلسطين لم تعد فقط اختبارًا للشعب الفلسطيني بل للضمير الإنساني والعربي.



