
إيران تُراوغ تحت الأرض.. و400 كيلو من اليورانيوم ما زالت بيدها رغم القصف..
✍️بقلم د. جيفري لويس – أستاذ بمعهد ميدلبري وعضو مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي
لماذا لستُ منبهرًا بهذه الضربات؟ إسرائيل والولايات المتحدة فشلتا في استهداف العناصر الحيوية من البرنامج النووي الإيراني، سواء المواد المخزّنة أو البنية التحتية للإنتاج. عمليتا “الأسد الصاعد” و”مطرقة منتصف الليل” أظهرتا براعة تكتيكية، لكن قد تتحوّلان إلى فشل استراتيجي كبير.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برّر الهجوم الأخير بقوله إن إيران أنتجت كمية من اليورانيوم عالي التخصيب تكفي لصناعة تسع قنابل نووية. هو يشير إلى مخزون إيران الذي يبلغ قرابة 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي إذا تم تخصيبه لمستوى أعلى، يمكن أن يكفي لصناعة 9 إلى 10 أسلحة نووية. دعونا نُدقق في ذلك.
هذه الكمية كانت مخزّنة في أنفاق سرية تحت الأرض قرب منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان. ورغم الضربات المكثّفة من جانب إسرائيل وأمريكا على المنشأة، لم يُبذل أي جهد فعلي لتدمير تلك الأنفاق أو المخزون الموجود بداخلها.
الحقيقة أن لا أحد يعرف مكان هذه المواد النووية الآن. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أكد أن إيران نقلتها. في المقابل، السيناتور ماركو روبيو يزعم أن “لا شيء يمكن أن يتحرك في إيران”، لكن الواقع مختلف، فالشاحنات والمعدات الثقيلة شوهدت تتحرّك بالفعل قبل يومين من الضربات، حيث أغلقت مداخل الأنفاق لحمايتها، وهناك أدلّة مرئية تثبت ذلك.
ليس هذا فحسب، بل شُوهدت شاحنات أيضًا في موقع فوردو لتخصيب الوقود (FEP) قبل الضربة مباشرة، ربما لنقل معدّات حسّاسة أو على الأقل لإخفاء مداخل المنشأة بالتراب. من الواضح أن إيران ليست منطقة حظر حركة بالكامل كما يُصوّر البعض.
حتى بعض مسؤولي إدارة ترامب يعترفون بأن إيران ما زالت تحتفظ بمخزونها النووي. السيناتور ج.د. فانس صرّح بأنهم “سيجرون محادثات مع الإيرانيين” بشأن هذه المواد، وهو تصريح يُثير السخرية في ظل التهديدات.
الإعلام الرسمي يدّعي أن الولايات المتحدة نجحت في شلّ قدرة إيران على الاستمرار في التخصيب أو تحويل المواد النووية إلى معدن، وبالتالي “الوضع تحت السيطرة”. لكن هذا الادّعاء مضلّل.
صحيح أن الضربات على منشآت التخصيب في قم (فوردو) ونتنز (PFEP وFEP) ألحقت ضررًا ملحوظًا، لكن لا توجد أي مؤشرات على استهداف المنشأة الضخمة تحت الأرض قرب نتنز، والتي نقلت إيران إليها في 2022 خط إنتاج أجهزة الطرد المركزي.
هذه المنشأة الضخمة تقع في قلب الجبل، وتُقدّر مساحتها بأكثر من 10 آلاف متر مربع، ولا يُستبعد أن تضم منشآت تخصيب إضافية أو حتى وحدات لتحويل المواد.
كما أن إيران أعلنت مؤخرًا عن منشأة تخصيب جديدة في “موقع آمن”، وأبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها على وشك تركيب أجهزة الطرد المركزي فيها. كان من المقرر للوكالة أن تُفتّش هذه المنشأة قرب أصفهان، لكنها على الأرجح لم تُستهدف بعد.
الخلاصة أن إيران ما زالت تمتلك:
400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
القدرة على تصنيع أجهزة الطرد المركزي.
منشأة تخصيب واحدة على الأقل تحت الأرض، وربما اثنتين.
مواقع سرية غير مُعلنة، لطالما أثارت جدل معارضي الاتفاق النووي (JCPOA).
في حال قررت إيران الإسراع نحو تصنيع سلاح نووي، يمكنها تركيب 1.5 سلسلة من أجهزة الطرد المركزي أسبوعيًا. خلال ستة أسابيع فقط، سيكون لديها 9 سلاسل من أجهزة IR-6 المتطورة، وهذه السلاسل تحتاج نحو 60 يومًا لتخصيب كامل الكمية إلى المستوى العسكري المطلوب. بذلك، يمكن لإيران الوصول إلى امتلاك مواد تكفي لصنع قنبلة نووية خلال أقل من خمسة أشهر، رغم وجود هامش تقديرات متباين.
الحقيقة المُرّة أن عمليتي “الأسد الصاعد” و”مطرقة منتصف الليل” لم تُبطئا البرنامج النووي الإيراني بنفس فاعلية الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA). المفارقة أننا نُحمّل الدبلوماسية معايير صارمة، بينما نقبل بالقصف رغم فاعليته المحدودة.
الغريب أن الأصوات التي اشتكت سابقًا من “انتهاء صلاحية” بنود الاتفاق النووي، أصبحت اليوم تحتفي بتأخير إيران لفترة زمنية أقل بكثير بوسائل عسكرية، بينما الهدف الحقيقي لطالما كان تغيير النظام الإيراني وليس فقط كبح البرنامج النووي.



