بين صفقة القرن وصفقة شرم الشيخ: استكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية
تُعقد غدًا الاثنين في مدينة شرم الشيخ المصرية قمة دولية كبرى تحت لافتة "إنهاء الحرب في غزة وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار الإقليمي"، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب عدد من القادة العرب والغربيين. غير أن خلف هذه الشعارات البراقة تختبئ أجندة سياسية معقّدة، قد لا تمتّ بصلة إلى السلام بقدر ما تعبّر عن إعادة هندسةٍ دقيقة لموازين المنطقة بعد حربٍ مدمّرة كشفت حدود القوة الإسرائيلية، وأظهرت هشاشة الموقف العربي أمام الضغوط الدولية.

بين صفقة القرن وصفقة شرم الشيخ: استكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية
✍️كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب __ الجزائر
تُعقد غدًا الاثنين في مدينة شرم الشيخ المصرية قمة دولية كبرى تحت لافتة “إنهاء الحرب في غزة وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار الإقليمي”، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب عدد من القادة العرب والغربيين. غير أن خلف هذه الشعارات البراقة تختبئ أجندة سياسية معقّدة، قد لا تمتّ بصلة إلى السلام بقدر ما تعبّر عن إعادة هندسةٍ دقيقة لموازين المنطقة بعد حربٍ مدمّرة كشفت حدود القوة الإسرائيلية، وأظهرت هشاشة الموقف العربي أمام الضغوط الدولية.
هذه القمة، التي توصف بأنها “قمة سلام”، تأتي في وقتٍ يُعيد فيه العالم قراءة خريطة الشرق الأوسط بعد عامين من الدم والدمار في غزة. لكنّ ما يجعل قمة شرم الشيخ مثار جدل واسع هو تشابهها البنيوي مع ما عُرف سابقًا بـ “صفقة القرن” التي طرحتها إدارة ترامب عام 2020، والتي سعت إلى تصفية القضية الفلسطينية سياسيًا عبر تحويلها من قضية تحرّر وطني إلى ملف إداري إنساني. واليوم، في شرم الشيخ، يبدو أن السيناريو ذاته يُعاد إنتاجه تحت عنوانٍ مختلف، وبأدواتٍ أكثر نعومة، وبتواطؤٍ عربي هذه المرة، في ظل حضورٍ أميركي مباشر ومحاولةٍ مصرية لإضفاء “الشرعية الدولية” على اتفاقٍ وُلد في حضن واشنطن وتل أبيب.
فالقاهرة – التي رعت اتفاق وقف إطلاق النار – تسعى إلى تثبيت هدنةٍ قابلة للحياة تمنع انهيار الوضع الأمني، وتُظهرها كوسيطٍ محوري في المعادلة الإقليمية، لكنّ دعوتها لنشر قوة دولية في غزة وإحالة الاتفاق إلى مجلس الأمن لإضفاء شرعية دولية عليه، تثير تساؤلات حول مدى استقلال القرار العربي، وحول ما إذا كانت هذه الشرعية المقترحة حماية للفلسطينيين أم غطاء لإعادة إنتاج النفوذ الأميركي والإسرائيلي على الأرض.
في المقابل، تتعامل إسرائيل والولايات المتحدة مع الاتفاق باعتباره فرصة جديدة لإعادة ترتيب المسرح السياسي في المنطقة وفق معايير القوة، لا العدالة. فترامب، الذي يسوّق نفسه كـ”صانع سلام”، يسعى إلى تحقيق نصرٍ سياسي يعيد إليه بريقه الانتخابي ويكرّسه كمهندسٍ للشرق الأوسط الجديد، بينما يجد نتنياهو في الاتفاق طوق نجاة من أزماته الداخلية ومحاكماته بالفساد، ومحاولة لتجميل صورة إسرائيل بعد حربٍ خلّفت آلاف الضحايا ودمارًا شاملاً .
ومن زاويةٍ أعمق، تمثّل قمة شرم الشيخ حلقةً جديدة في سلسلة طويلة من محاولات “تصفية القضية الفلسطينية” عبر تسوياتٍ مرحلية ومؤتمراتٍ دولية تنزع عن الفلسطينيين حقّهم في تقرير المصير. فبين “صفقة القرن” التي أسقطت فكرة الدولة المستقلة، و“صفقة شرم الشيخ” التي تطرح قوة دولية بديلة للسيادة، يتكرّر المشهد ذاته: تطبيعٌ قسري للهيمنة، وتدويلٌ للمأساة، وتهميشٌ للمقاومة.
إنّ ما يُراد تمريره من بوابة شرم الشيخ ليس سلامًا دائمًا، بل إدارة دائمة للاحتلال بغطاء دولي ومباركةٍ عربية. والفرق بين صفقة الأمس واليوم هو أن الأولى وُقّعت على الورق، بينما الثانية تُبنى على أنقاض غزة. وبينهما يتواصل مسلسل تصفية القضية الفلسطينية بأدواتٍ سياسية، وإعلامية، ودبلوماسية تُعيد تعريف “السلام” بوصفه خضوعًا، و“الاستقرار” بوصفه صمتًا عربيًا .
وهكذا، قد تكون قمة شرم الشيخ أخطر من “صفقة القرن” نفسها، لأنها تأتي بعد حربٍ غيّرت الوعي العربي والدولي، وتحاول إعادة فرض رواية المنتصر الأميركي والإسرائيلي، في وقتٍ تتبدّل فيه موازين القوة على الأرض. وما لم تُقابل هذه القمة بموقفٍ عربي موحّد يرفض الوصاية على فلسطين، فإن شرم الشيخ غدًا قد تُسجّل بداية مرحلة جديدة من هندسة المنطقة بلا فلسطين، ولا سيادة، ولا ذاكرة مقاومة .
من صفقة القرن إلى صفقة شرم الشيخ – وحدة المشروع وتعدّد الأدوات
من يتتبّع المسار الزمني والسياسي لما يُعرف بـ «صفقة القرن» التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020، وما يجري اليوم في إطار ما يُسمّى «اتفاق شرم الشيخ» أو «صفقة إنهاء الحرب على غزة»، يلحظ بوضوحٍ أن الاختلاف لا يكمن في الجوهر، بل في الوسائل والإخراج السياسي. فالصفقتان تنتميان إلى مشروعٍ واحدٍ يرمي إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، عبر فرض تسويةٍ مشوّهة تكرّس الأمر الواقع الاحتلالي، وتُلبسه لباس «السلام» و«الاستقرار الإقليمي».
في «صفقة القرن»، كان الهدف المركزي هو إعادة تعريف فلسطين خارج حدودها التاريخية والسياسية، من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ودمج المستوطنات ضمن السيادة الإسرائيلية، ورفض حق العودة، مقابل وعودٍ اقتصادية للفلسطينيين تحت شعار “السلام مقابل الازدهار”. أما في «صفقة شرم الشيخ» الجارية اليوم، فإن المقاربة انتقلت من التسوية السياسية إلى الهندسة الأمنية؛ فبدلًا من الحديث عن دولة فلسطينية أو حلٍّ نهائي، يجري التركيز على ترتيباتٍ أمنية في غزة، تشمل وقف إطلاق النار، ونشر قوة دولية، وإدارة المرحلة الانتقالية برعاية أمريكية، تحت ستار “الاستقرار” و“المساعدات الإنسانية”.
إنّ ما يجمع بين الصفقتين هو المنهج الأمريكي الإسرائيلي القائم على إدارة الصراع لا حله. فـ«صفقة القرن» كانت محاولةً لتجاوز القانون الدولي عبر فرض رؤية أحادية تُنهي فكرة الدولة الفلسطينية، بينما «صفقة شرم الشيخ» تمثّل محاولةً لتدويل غزة على نحوٍ يجعلها ساحة مراقبةٍ دولية أكثر منها أرضًا ذات سيادة. في الحالتين، الهدف واحد: إخراج فلسطين من المعادلة السياسية الفاعلة، وتحويلها إلى ملفٍّ إداري وأمني تُقرره العواصم الكبرى.
ومن اللافت أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي استطاع أن يبدّل أدواته بما يتناسب مع الظرف الدولي؛ ففي المرحلة الأولى (صفقة القرن)، كانت المقاربة اقتصادية تقوم على إغراءات الاستثمار وتمويلات الخليج، أما اليوم (صفقة شرم الشيخ)، فقد تحوّل الخطاب إلى لغة الأمن والاستقرار الإقليمي، مستفيدًا من حالة الإنهاك العربي والانقسام الداخلي الفلسطيني، ومن حربٍ دمّرت البنية التحتية لغزة وجعلت المأساة الإنسانية مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي.
وإذا كانت صفقة القرن قد فشلت سياسيًا بسبب الرفض الفلسطيني الشعبي والعجز العربي عن تمريرها، فإن صفقة شرم الشيخ تسعى إلى تحقيق الهدف ذاته تحت غطاء الشرعية الدولية. فالدعوة المصرية إلى إحالة الاتفاق إلى مجلس الأمن ليست مجرد إجراء دبلوماسي، بل خطوة استراتيجية تمنح الولايات المتحدة القدرة على احتكار تعريف الشرعية؛ إذ إن أي قرار أممي سيخضع حتمًا لفيتو أمريكي في حال تجاوزه السقف الإسرائيلي.
وفي العمق، يجري استبدال مفردات الخطاب: من «التطبيع» إلى «الشراكة»، ومن «الاحتلال» إلى «الأمن»، ومن «التحرير» إلى «إعادة الإعمار». هذه الهندسة اللغوية ليست عرضًا لغويًا، بل جزء من عملية إعادة تشكيل الوعي العربي تجاه الصراع، بحيث يتحوّل القبول بالواقع القائم إلى خيارٍ عقلانيٍّ مقبول. وبهذا، تصبح شرم الشيخ اليوم استكمالًا موضوعيًا لصفقة القرن، ولكن في نسخة أكثر دبلوماسيةً وأشدّ إحكامًا.
لقد أدركت إسرائيل بعد حرب غزة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء المقاومة، وأنّ الطريق إلى تثبيت مكاسبها يمرّ عبر قنوات السياسة الدولية، لا عبر فوهة المدفع. وهنا يأتي الدور الأمريكي – مدعومًا ببعض العواصم العربية – لتوفير الغطاء القانوني والسياسي لهذا التحول. فبينما كانت «صفقة القرن» تستند إلى الانحياز الأمريكي الفجّ لإسرائيل، تستند «صفقة شرم الشيخ» إلى إعادة تدوير هذا الانحياز في قالبٍ جماعيٍّ دوليٍّ يعطيه طابعًا شرعيًا.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة قمة شرم الشيخ بمعزل عن السياق العام لمشروعٍ أوسع يسعى إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق معادلة “الأمن مقابل السيادة”، حيث تُكافَأ إسرائيل بالاعتراف، وتُعاقَب فلسطين بالوصاية، وتُستبدل العدالة بالمساعدات. وبين الصفقتين – الأولى الفاشلة والثانية الجارية – تتجلى وحدة الهدف الأمريكي الإسرائيلي في تحويل السلام من قيمةٍ أخلاقية إلى صفقةٍ استراتيجية تحفظ مصالح الأقوياء وتُشرعن نتائج الحرب لا نهايتها.
الدور المصري بين الوساطة والوصاية – دبلوماسية التوازن أم إدارة التبعية؟
📍 الدور المصري بين الوساطة والوصاية – دبلوماسية التوازن أم إدارة التبعية؟
يتموضع الدور المصري في قلب معادلة غزة باعتباره «وساطةً لازمة» من منظور الجغرافيا والأمن، و«وساطةً ملتبسة» من منظور السيادة وتراتبية النفوذ. فالقاهرة تمسك بمفاتيح معبر رفح وملف التهدئة وملفات التبادل، لكنها تتحرك داخل فضاء مقيد بثلاثة محددات: السقف الأمريكي، والهواجس الإسرائيلية، وضغوط الداخل المصري. هنا تتبدى المعضلة: كيف تحافظ مصر على صورتها كوسيطٍ مستقلٍّ وهي تطلب شرعنة أممية لاتفاق صوغه الفاعل الأمريكي والإسرائيلي؟ وهل يتحول «طلب الشرعية» إلى مدخلٍ لفرض وصاية دولية تُفرغ الوساطة من مضمونها السيادي؟
🎯 دوافع القاهرة: بين الضرورة الأمنية ورأس المال الدبلوماسي
تتحرك القاهرة في ملف الحرب على غزة ضمن معادلةٍ دقيقة تجمع بين الهاجس الأمني الداخلي والطموح السياسي الخارجي. فالموقع الجغرافي يجعل مصر أول المتأثرين بانفجار الأوضاع في القطاع، لكن التاريخ يمنحها شرعية الوساطة التي لا غنى عنها لأي تسوية. من هنا تبدو دوافعها مركّبة، يتداخل فيها البُعد الواقعي بالحسابات الرمزية.
🛡️ أولًا – الأمن القومي المباشر
استمرار الحرب يهدد استقرار سيناء، إذ يُخشى من تمدد الفوضى إلى الحدود الشرقية، وازدياد عمليات التهريب، وتدفّق موجات نزوح فلسطيني قد تخلّ بتوازن «الأمن–التنمية» الذي تبنيه الدولة هناك منذ سنوات. لذا، ترى القاهرة أن ضبط الجبهة الفلسطينية هو جزء من تحصين الجبهة الداخلية.
🌐 ثانيًا – استعادة مركزية الدور الإقليمي
مع تراجع أوزان عواصم عربية أخرى بسبب الانقسامات أو الانشغال بالأزمات الداخلية، تجد مصر فرصة لإعادة تثبيت صورتها كـ«الوسيط التاريخي» الذي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تخصّ فلسطين. إنها محاولة لإحياء رأس المال الدبلوماسي المصري وتأكيد أن شرم الشيخ لا تزال منصة القرار العربي لا مجرد ساحة للضيوف الدوليين.
💰 ثالثًا – تحييد الكلفة الاقتصادية والسياسية
الحرب رفعت أسعار الطاقة والغذاء، وأثقلت كاهل الدولة بضغطٍ إعلامي وإنساني متواصل. إن وقف النار يُخفف الأعباء ويمنح القاهرة متنفسًا في الداخل، خصوصًا في ظل تصاعد التململ الشعبي من عجز النظام العربي عن حماية الفلسطينيين.
🤝 رابعًا – بناء رصيد تفاوضي مع واشنطن وأوروبا
الدور النشط في إدارة الملف الفلسطيني يمنح القاهرة أوراق ضغطٍ إضافية للحصول على دعم اقتصادي وأمني مستمر، ويجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه في الحسابات الغربية الخاصة بأمن شرق المتوسط والبحر الأحمر.
إن الدور المصري في هذه المرحلة يقف على خيطٍ رفيع بين دبلوماسية التوازن وإدارة التبعية. فالقاهرة تمتلك أدوات القوة الناعمة والتاريخ الرمزي، لكنها تواجه شبكة من القيود تجعل نجاحها مرهونًا بقدرتها على تحويل الوساطة إلى ممرٍّ سيادي لا قناةٍ وظيفية. فإذا تحولت قمة شرم الشيخ إلى أداةٍ لفرض «سلامٍ أمني بلا سيادة»، تكون الوساطة المصرية قد انزلقت – من حيث لا تريد – إلى هندسة وصايةٍ دولية على حساب فلسطين ومكانة مصر معًا. أمّا إذا استطاعت القاهرة أن تفرض ربط أي ترتيبات أمنية بضمانات سياسية واضحة تفضي إلى دولة فلسطينية، فإنها تعيد تجسيد دورها التاريخي بوصفها قلب العروبة النابض ووسيط السيادة لا التبعية .
في ظاهرها، تقوم الفكرة على منطق إنساني نبيل، مفاده أنّ استمرار الحرب في غزة يهدّد حياة المدنيين ويزيد من الكارثة الإنسانية التي باتت تلاحق ضمير العالم. تُقدَّم القوة الدولية في هذا السياق كآلية لتأمين الحماية الميدانية للسكان، وضمان دخول المساعدات والإغاثة، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية المدمّرة. ويروّج لهذا الطرح تحت عناوين مثل “حماية المدنيين”، “وقف دوامة العنف”، وتثبيت الاستقرار الإقليمي .
كما تسعى الأطراف الداعمة للمقترح إلى إضفاء شرعية قانونية دولية على اتفاق وقف إطلاق النار عبر إحالة الملف إلى مجلس الأمن، ما يمنح الاتفاق طابعًا ملزمًا ويجعله خارج نطاق المساومات الثنائية. من منظورٍ دبلوماسي، تبدو هذه الخطوة محاولة لضمان ديمومة الهدنة ومنع تراجع إسرائيل أو الولايات المتحدة عن التزاماتها، وهو ما تحاجج به القاهرة وبعض العواصم الأوروبية .
وتضيف واشنطن إلى هذا الخطاب بعدًا آخر يتمثل في الرغبة في تهدئة الرأي العام الدولي الذي صُدم من حجم الدمار في غزة. فالولايات المتحدة، التي وُصمت بالتواطؤ في الحرب، تسعى إلى استعادة صورتها كوسيطٍ دولي “عادل”، فتطرح القوة الدولية كدليل على اهتمامها بحماية المدنيين، في حين أنّ الهدف العملي هو تحسين صورتها الأخلاقية بعد موجة الانتقادات العالمية .
القوة الدولية المقترحة في غزة – حماية المدنيين أم وصاية متعددة الجنسيات؟
🌍 غير أنّ هذا الخطاب الإنساني المعلن لا يصمد طويلاً أمام التدقيق في السياق السياسي والعسكري الذي يُحيط بالمقترح، إذ تكشف القراءة المتأنية أنّ القوة الدولية المقترحة قد تتحول من ضمانةٍ للحماية إلى آليةٍ للهيمنة، ومن وسيلةٍ لإنهاء الحرب إلى أداةٍ لتجميد الصراع وتفريغه من مضمونه الوطني.
🎯 خلف الشعارات الإنسانية، تكمن مجموعة من الأهداف الخفية التي تشترك فيها أطرافٌ دولية وإقليمية عدة، أبرزها الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبعض القوى الغربية.
هذا الشكل من “الإدارة الدولية” يُعيد إلى الأذهان نماذج الانتداب القديمة، لكن بصيغة محدثة تتناسب مع منطق “السلام المفروض” الذي تروّج له واشنطن.
فوجود قوة متعددة الجنسيات سيسمح بإعادة رسم قواعد الاشتباك في غزة، بحيث يُجرَّم أي فعلٍ مقاوم باعتباره تهديدًا للقوات الدولية أو خرقًا لقرارات مجلس الأمن.
وبهذا المعنى، فإنّ المقترح ليس مجرد مشروع لحماية المدنيين، بل خطة لنزع أنياب المقاومة وإخضاعها لمعادلة أمنية جديدة ترضي إسرائيل.
فالقوة الدولية المقترحة لن تكون أممية خالصة كما يُروَّج، بل من المتوقع أن تتكوّن من وحداتٍ أمريكية وأوروبية مدعومة بغطاءٍ رمزي عربي.
هذا الوجود العسكري يتيح للولايات المتحدة السيطرة على مفاصل حساسة في شرق المتوسط، ويمنحها أوراق ضغط إضافية في ملفات البحر الأحمر وإيران وأمن الطاقة.
ومن الزاوية الإسرائيلية، تحمل الفكرة منفعة استراتيجية مزدوجة: فهي تتيح لتل أبيب أن تُبعد نفسها عن مسؤولية الإدارة اليومية للقطاع وما يرافقها من أعباء سياسية وإنسانية، وفي الوقت نفسه تضمن أن تبقى غزة تحت مراقبةٍ دولية تمنع إعادة تسليحها أو ترميم قوتها المقاومة. أي أنّ إسرائيل تنقل عبء الاحتلال إلى العالم، لكنها تحتفظ بالتحكم في مفاتيح القرار عبر النفوذ الأمريكي داخل مجلس الأمن .
الدور الأوروبي في القوة الدولية المقترحة لغزة – مصالح غربية أم حماية إنسانية؟
🌍 أمّا بالنسبة لبعض العواصم الأوروبية، فيتمثل الدافع الخفي في إعادة تثبيت الحضور الغربي في الملف الفلسطيني الذي تراجع لصالح واشنطن في السنوات الأخيرة.
فالقوة الدولية تمنح أوروبا منفذًا للمشاركة في “هندسة ما بعد الحرب”، سواء من خلال المساعدات، أو الإشراف على الإعمار، أو السيطرة على المعابر البحرية.
بهذا تتحول غزة إلى ساحة تنافسٍ دولي مقنّع يتداخل فيه الإنساني بالاقتصادي بالاستراتيجي.
فبدلًا من السعي إلى حلٍّ سياسي يعيد الحقوق لأصحابها، تتجه القوى الكبرى نحو إدارةٍ أمنية للصراع تُبقيه تحت السيطرة دون إنهائه.
هكذا تتحول غزة إلى كيان مراقَب دوليًا، لا يملك قرار الحرب ولا قرار السلام، ويُعاد إنتاجه في كل دورةٍ سياسية بلباسٍ جديد
إنّ القوة الدولية المقترحة، بقدر ما تحمل من بُعد إنساني ظاهري، تخفي في عمقها مشروعًا لإعادة صياغة السيادة الفلسطينية في صورةٍ جديدة من الوصاية الجماعية. فهي لا تُعيد بناء غزة فحسب، بل تُعيد بناء ميزان القوة في المنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، ويجعل من “السلام” أداةً لإدامة السيطرة، لا طريقًا إلى العدالة أو الاستقلال .
بين التجارب السابقة ومخاطر التكرار
إنّ مقترح القوة الدولية في غزة لا يمكن النظر إليه بمعزلٍ عن التجارب التاريخية السابقة لنشر قواتٍ أممية أو متعددة الجنسيات في مناطق النزاع، إذ تكشف تلك السوابق عن نمطٍ متكرر تُقدَّم فيه فكرة الحماية الدولية كحلٍّ إنساني، لكنها تتحوّل بمرور الوقت إلى أداةٍ لتجميد الصراعات وترسيخ موازين القوى القائمة بدل تغييرها. ومن هنا تكتسب المقارنة أهمية خاصة، لأن فهم دروس الماضي يُنذر بما قد تؤول إليه التجربة الغزّية في حال غياب رؤيةٍ فلسطينية وعربية واضحة تحدّد سقف التفويض ومجاله الزمني والسياسي .
أولًا: الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية
🌍 أبرز مثالٍ يُستدعى إلى الأذهان هو تجربة القوة الدولية في جنوب لبنان (اليونيفيل) التي أُنشئت عام 1978 ثم توسّع تفويضها بعد حرب تموز 2006.
فبرغم مضي أكثر من أربعة عقود على وجودها، ما زال الجنوب اللبناني يعيش تحت تهديد الحرب، وتُتهم القوة الأممية بالعجز عن حماية المدنيين أو منع الخروقات الإسرائيلية المتكررة.
إنّ هذه التجربة تُبرز أنّ وجود قواتٍ أممية لا يعني بالضرورة نهاية التهديد، بل قد يُكرّس حالة اللاسلم واللاحرب ويجعل من التدخل الدولي غايةً في ذاته.
أما في سيناء، فقد مثّلت تجربة القوة متعددة الجنسيات والمراقبيننموذجًا آخر لتثبيت واقعٍ سياسي معيّن. فالقوة التي أُنشئت بعد معاهدة كامب ديفيد عام 1979 تحت إشرافٍ أمريكي مباشر لم تعد أداة لحفظ السلام بقدر ما أصبحت آلية مراقبةٍ دائمة تضمن التزامات مصر الأمنية ضمن المعاهدة. صحيح أنّ وجودها ساهم في استقرار الحدود، لكنه في المقابل قيدَ حرية القرار المصري في إعادة انتشار قواته داخل سيناء، وجعل أي تعديلٍ ميداني رهنًا بموافقةٍ أمريكية أو إسرائيلية. إنّها تجربة تُظهر كيف يمكن لقواتٍ أجنبية أن تتحول من ضامنٍ مؤقتٍ إلى وصيٍّ دائمٍ على السيادة الوطنية .
وفي الساحة الأوروبية، قدّمت البوسنة وكوسوفو نماذج أخرى لما يسمى “السلام المفروض” الذي تُديره الأمم المتحدة أو حلف الناتو بعد النزاعات العنيفة. فالقوات الدولية هناك نجحت في وقف القتال، لكنها أفرزت واقعًا سياسيًا هشًّا قائمًا على الانقسام العرقي والوصاية الغربية الطويلة الأمد. وبذلك غدت تلك المناطق محميةً دولية أكثر منها دولًا مستقلة. هذا النمط يعكس خطورة أن تُفرض ترتيبات الأمن قبل ترسيخ أسس العدالة، وأن تُدار الدولة بأوامر الخارج بدلًا من إرادة الداخل .
ثانيًا: إسقاط التجارب على الحالة الغزّية
🌍 عند إسقاط هذه النماذج على غزة، تبدو المخاطر واضحة ومتعددة.
فالقوة الدولية المقترحة قد تبدأ بتفويضٍ محدود لحماية المدنيين، لكنها سرعان ما قد تتحوّل إلى جهاز رقابةٍ شامل يتحكم في المعابر والحدود والمجال الجوي تحت ذريعة “منع التصعيد”.
ومع الوقت، قد تتحول غزة إلى منطقة منزوعة السيادة تُدار بتقاريرٍ دورية تُرفع إلى مجلس الأمن، بينما يُهمَّش القرار الفلسطيني الوطني تمامًا.
وإذا تشكّلت قوة غزة بتمويلٍ غربي وإدارةٍ أمريكية، فسيكون من الطبيعي أن تُقدّم أولويات الأمن الإسرائيلي على أي اعتباراتٍ إنسانية أو وطنية.
أما تجربة “سيناء” فتشير إلى احتمال أن يُعاد إنتاج صيغةٍ مشابهة في غزة، بحيث يُربط أي تحرك فلسطيني أو عربي بضرورة التنسيق مع القوة الدولية، ما يعني عمليًا تجميد القرار السيادي وتحويل القطاع إلى منطقة وصاية جماعي.
كما أنّ النموذج البوسني يُظهر خطرًا إضافيًا يتمثل في تفتيت الهوية السياسية للمجتمع الخاضع للوصاية. فحين تُدار غزة من قبل مجلسٍ أمني أو لجنةٍ دولية تشارك فيها أطراف متعددة، سيجري استبعاد القوى الوطنية الفلسطينية من القرار، وتُستبدل مؤسساتها بهيئاتٍ فنية ترفع تقاريرها للأمم المتحدة. وبهذا يُفرَّغ مفهوم الدولة الفلسطينية من مضمونه القانوني والسياسي، وتُختزل القضية في إطارٍ إنساني إداري أشبه بملف اللاجئين .
ثالثًا: المخاطر البنيوية للتكرار
⚠️ تكمن خطورة التكرار في أن المشروع الدولي المقترح لا يقتصر على احتواء العنف الحالي، بل يهدف إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية في غزة بطريقةٍ تضمن استمرار الهيمنة الإسرائيلية تحت غطاء الشرعية الدولية.
فباسم حماية المدنيين قد تُفرض آليات رقابةٍ على التحركات العسكرية، وتُنشأ مراكز مراقبة تابعة للأمم المتحدة تُشرف على المعابر والمساعدات، في حين تظلّ إسرائيل صاحبة القرار الفعلي في السماح أو المنع.
وهذا ما يجعل التحذير ضروريًا: فقبول وجودٍ دولي دون تحديد سقفٍ زمني واضح واشتراطاتٍ سياسية دقيقة يعني عمليًا تسليم القطاع إلى إدارةٍ خارجية مفتوحة الأمد.
والأخطر من ذلك أنّ تدويل غزة سيؤدي إلى تفكيك المرجعية العربية للقضية الفلسطينية. فبدلًا من أن تكون القاهرة أو الجامعة العربية مرجعية إدارة الأزمة، سيُصبح مجلس الأمن هو الحكم الأعلى، ما يعني نقل الملف من أيدي العرب إلى أيدي القوى الكبرى، وبالتالي إضعاف الموقف العربي الجماعي في أي تسوية مستقبلية .
تُثبت التجارب التاريخية أن النية الحسنة لا تكفي في مشاريع حفظ السلام، وأنّ أي تفويضٍ أمميٍّ لا يرافقه ضمان سياسي واضح ينقلب مع الوقت إلى أداةٍ لضبط التوازنات لا لتحقيق العدالة. وغزة اليوم تقف على هذا المفترق الخطير: فإما أن تُفرض عليها وصايةٌ جديدة تحت شعار حماية المدنيين، أو تُصاغ رؤيةٌ عربية فلسطينية بديلة تحدد إطارًا وطنيًا للتهدئة والإعمار دون الارتهان إلى الخارج .
إنّ تكرار النمط نفسه – من جنوب لبنان إلى سيناء إلى البلقان – يجعل من المقترح الدولي الراهن إعادة تدويرٍ لمنطق السيطرة عبر أدواتٍ ناعمة، تُقدَّم كقوات سلام لكنها تؤسس لنظام مراقبةٍ دائم. لذا، فإنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في شكل القوة أو جنسياتها، بل في من يملك قرارها ومن يحدّد نهايتها .
فإن غابت هذه الإجابة، سيكون مصير غزة نسخة جديدة من تجاربٍ أليمة، تُدار فيها الأرض باسم الأمن، ويُغتال فيها الحق باسم الشرعية الدولية .
قمة شرم الشيخ.. من وقف النار إلى تثبيت النفوذ: حين تُشرعن القاهرة سلامًا بلا سيادة
🌍 تُعقد غدًا الاثنين في مدينة شرم الشيخ المصرية واحدة من أهم القمم السياسية في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي الحديث، قمةٌ تُقدَّم على أنها خطوة نحو إنهاء الحرب على غزة، لكنها في العمق تحمل أبعادًا أعمق تتجاوز حدود وقف إطلاق النار إلى إعادة هندسة خريطة النفوذ الإقليمي وترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط.
تأتي القمة في لحظة متوترة سياسيًا وأخلاقيًا، بعد حربٍ مدمّرة استمرت أكثر من عامين وأفرزت مآسي إنسانية غير مسبوقة.
وفي الوقت الذي يحتفل فيه الإعلام الغربي بـ«اتفاق السلام» بوصفه نصرًا للدبلوماسية، يرى المراقبون أن توقيت القمة ليس مصادفةً إنسانية بل قرارًا استراتيجيًا مدروسًا.
فالإدارة الأمريكية التي تواجه استحقاقات انتخابية قريبة، والرئيس الإسرائيلي الذي يُصارع أزماته الداخلية وملفات الفساد، وجدا في “قمة شرم الشيخ” منصة لتصوير نفسيهما كصانعي سلام بعد حربٍ دموية.
أما القاهرة، فدخلت القمة وهي تسعى إلى استعادة مركزيتها التاريخية في الملف الفلسطيني، لكنها تجد نفسها في مواجهة معادلة صعبة: أن تُظهر نفسها وسيطًا محايدًا دون أن تفقد دعم واشنطن، وأن تحافظ على أمنها القومي دون الاصطدام بـ إسرائيل.
في ظاهر الأمر، الهدف من القمة هو تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، لكنّ جوهرها الحقيقي هو تثبيت النفوذ الدولي على الأرض الفلسطينية. فالقمة لا تناقش مستقبل غزة بوصفها أرضًا محتلة تستحق التحرير، بل بوصفها منطقة نزاعٍ بحاجة إلى إدارةٍ دولية.
تسعى واشنطن إلى نقل الملف الفلسطيني من الإطار العربي إلى الإطار الأممي، وتعمل على تحويل القوة الدولية المزمع نشرها في القطاع إلى أداة رقابةٍ غربية بواجهة إنسانية.
أما إسرائيل، فترى في ذلك فرصة ذهبية لتفريغ المقاومة من محتواها وإخضاع القطاع لنظام مراقبةٍ دائم يضمن أمنها الاستراتيجي دون كلفة الاحتلال المباشر.
وهكذا، يتحول “وقف النار” من أداة لحماية المدنيين إلى رافعةٍ لإعادة توزيع السلطة، حيث تُمنح القوى الكبرى حق الإشراف على حدود غزة وممراتها البحرية، بينما يُقصى الفلسطينيون مجددًا عن طاولة القرار.
أن التحولات الأخيرة تُظهر أن هذه المعادلة باتت مهددة، فبين ضغوط البيت الأبيض وتعنّت تل أبيب، يبدو أن القاهرة مضطرة إلى شرعنة سلامٍ بلا سيادة حفاظًا على موقعها في المعادلة الإقليمية.
الولايات المتحدة وإسرائيل هندسة “سلام المراقبة
قمة شرم الشيخ: هل هو سلام أم إدارة الاحتلال؟
تسعى واشنطن من خلال هذه القمة إلى صياغة نموذج جديد للسلام في الشرق الأوسط، ليس سلام الشعوب بل سلام الأجهزة الأمنية، حيث يتحول الاستقرار إلى مفهومٍ تقنيٍّ يُقاس بعدد نقاط التفتيش والمراقبين الدوليين.
وتعمل الإدارة الأمريكية على فرض ما تسميه “قوة الاستقرار الدولي” في غزة، لتكون بمثابة الذراع التنفيذية لاتفاق شرم الشيخ، تحت قيادة مشتركة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو.
أما إسرائيل، فترى في هذا الترتيب مكسبًا مزدوجًا: تتخلص من عبء الاحتلال المباشر، وتحافظ على سيطرتها الفعلية عبر آلية دولية تضمن مصالحها، وتمنحها غطاء قانونيًا ضد أي مقاومة مستقبلية تحت ذريعة حماية القوات الدولية.
بهذا المعنى، تتحول قمة شرم الشيخ إلى نقطة انطلاق لمشروع تدويل الصراع الفلسطيني تحت غطاء الأمن والسلام، في مشهد يذكّر بصفقة القرن التي حوّلت القضية الفلسطينية من مشروع تحررٍ إلى مشروع إدارةٍ إنسانية.
ما يُخشى من قمة شرم الشيخ أن تُعيد إنتاج معادلة أوسلو القديمة ولكن بآلياتٍ جديدة؛ أي: شرعية دولية بلا سيادة وطنية، وهدنةٌ بلا أفقٍ سياسي.
التجارب السابقة أثبتت أن كل وقفٍ لإطلاق النار لا يُتوج بمسارٍ سياسي حقيقي، يتحول إلى هدنةٍ مؤقتةٍ تُستغل لترسيخ الاحتلال.
اليوم، يبدو أن القمة ستمنح واشنطن وتل أبيب تفويضًا مفتوحًا لإدارة مرحلة “ما بعد الحرب” في غزة، مقابل دورٍ رمزي لمصر وبعض الدول العربية التي ستُستخدم كغطاء دبلوماسي لشرعنة هذا السلام الموجّه.
وفي حال مضت القمة في هذا المسار، فإنها قد تُسجّل في التاريخ لا كقمة سلام، بل كقمة تثبيتٍ لسلامٍ بلا سيادة، تُصاغ بنوده في واشنطن وتُوقّع على شواطئ شرم الشيخ.
سلامٌ يطفئ نار الحرب مؤقتًا، لكنه يُبقي جمر الاحتلال متّقدًا تحت رماد الشرعية الدولية.
الشرق الأوسط بعد قمة شرم الشيخ: بين سلام المصالح وغياب العدالة
تفتح قمة شرم الشيخ الباب أمام مرحلةٍ جديدة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، مرحلة لا تقوم على منطق التسوية الشاملة، بل على منطق إدارة الأزمة وتدويرها بما يخدم مصالح القوى الكبرى. فبينما يحتفي الخطاب الرسمي الغربي بـ«السلام» الذي وُقّع على شواطئ البحر الأحمر، فإنّ الواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن ما جرى ليس إنهاءً للحرب بقدر ما هو إعادة تموضع للنفوذ تحت غطاء الشرعية الدولية.
لقد تشكّل القمة تتويجًا لمسارٍ طويل من إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق رؤيةٍ أمريكية–إسرائيلية تُفضّل الاستقرار الأمني على العدالة السياسية. فبدل أن تكون غزة بوابةً لبعث مشروع الدولة الفلسطينية، تحوّلت إلى مختبرٍ لتجريب نموذجٍ جديد من السلام الهجين: سلام بلا سيادة، ووطن بلا حدودٍ واضحة، وحقوقٍ مؤجلةٍ إلى أجلٍ غير مسمّى.
أنّ السلام القمة لم يعد مشروعًا عربيًا قائمًا على مبادئ الحق والكرامة، بل أصبح اتفاقًا مصلحيًا مؤقتًا تديره العواصم الكبرى وتباركه الأنظمة الإقليمية التي تخشى الفوضى أكثر مما تطمح إلى العدالة.
فواشنطن ستخرج من القمة وقد استعادت زمام المبادرة في المنطقة، وأعادت تسويق نفسها كـ«وسيطٍ لا غنى عنه»، بينما نجحت إسرائيل في فرض روايتها الأمنية على جدول الأعمال، فتمحورت البنود حول “ضمان أمنها” لا حول ضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
إنّ ما يجري هو تحويل الصراع من مواجهةٍ حول السيادة إلى تفاوضٍ حول التسهيلات: المعابر، الكهرباء، المساعدات، وإدارة الإعمار. وبهذا يصبح الفلسطينيون شركاء في إدارة مأساةٍ إنسانية لا طرفًا في معركة تحررٍ وطني.
سلام المصالح هذا، القائم على مبدأ “التهدئة مقابل التمويل”، لا يصنع استقرارًا دائمًا، بل يؤسس لجولاتٍ جديدة من الانفجار حين يكتشف الجيل القادم أنّ العدالة لا تُشترى بالمساعدات ولا تُستبدل بالأمن.
القمة ستكشف أيضًا عن تراجع الدور العربي المستقل في صياغة الحلول. فالقاهرة، رغم سعيها لاستعادة مركزيتها، وجدت نفسها محاطة بقيودٍ أمريكية وإسرائيلية تحدد سقف تحركاتها، فيما انشغلت بعض العواصم العربية بترتيب مصالحها الثنائية مع واشنطن أو تل أبيب.
لقد فقد النظام العربي الجماعي قدرته على فرض أجندةٍ موحدة، فصارت الملفات تُدار كلٌّ على حدة، من صنعاء إلى طرابلس ومن غزة إلى دمشق، وفق مبدأ “الصفقات الجزئية” لا “الاستراتيجيات الشاملة”.
وفي هذا السياق، فإنّ قمة شرم الشيخ قد تكون علامةً على انتقال النظام الإقليمي العربي من مرحلة المبادرة إلى مرحلة التلقي. فبدل أن يصوغ العرب تصورهم للسلام، أصبحوا يوقّعون على تصوراتٍ صاغها غيرهم، وبدل أن يكونوا أصحاب الأرض والقرار، غدوا شهودًا على اتفاقاتٍ تُنسَج بخيوطٍ أجنبية في أراضيهم.
من أخطر ما تفرزه القمة هو الخلط المقصود بين مفهوم الشرعية والوصاية. فقد طُرح القرار الأممي بوصفه ضمانةً لالتزام الأطراف بالاتفاق، لكنه في الجوهر تحوّل إلى أداةٍ لتدويل القرار الفلسطيني وإخضاعه لمجلس الأمن حيث تمتلك واشنطن حق النقض.
وبذلك، لم تعد الشرعية الدولية مظلةً للحماية، بل صارت أداة ضبطٍ سياسي تُستخدم لتقنين الاحتلال وتجميد أيّ حراكٍ وطني خارج الإطار المرسوم.
تحت هذا الغطاء، قد تتحول غزة إلى “منطقة مراقبةٍ أممية” تُدار بشعارات الإنسانية، بينما تُفرغ من مضمونها الوطني. وهذا ما يجعل القمة بداية مرحلة جديدة من الانتداب الدولي المقنّع، تُمارس فيه الوصاية بأدواتٍ قانونية بدلًا من الجيوش التقليدية.
ما يجري اليوم هو استكمال لمسار بدأ منذ سنوات تحت عناوين مختلفة. فـ“صفقة القرن” سقطت سياسيًا لكنها عادت بثوبٍ جديد في “صفقة شرم الشيخ”، حيث تُدار التصفية بأدواتٍ دبلوماسية لا إملاءات صريحة.
القاسم المشترك بين الصفقتين هو تغييب الفلسطينيين عن تقرير مصيرهم، وتحويل السلام إلى مشروعٍ وظيفي يخدم أمن إسرائيل واستقرار الحلفاء الغربيين.
إنّ قمة شرم الشيخ تمثّل لحظة تاريخية تكشف حدود الإرادة العربية في زمن العولمة السياسية. فإما أن تتحول إلى منصة لتصحيح المسار وإعادة الاعتبار لفكرة العدالة والسيادة، أو تُسجَّل في الذاكرة كقمةٍ كرّست عصر “السلام الأمريكي” الذي يطفئ الحروب بالنار الباردة ويُعيد رسم الخرائط بمداد المصالح لا بدماء الشعوب.
ستبقى قمة شرم الشيخ محطة مفصلية في الذاكرة السياسية العربية: فهي اختبارٌ حقيقي لقدرة العرب على تحويل مأساة الحرب إلى مشروع نهضةٍ سياسية، أو تركها تتحول إلى بوابةٍ لعصر الوصاية المقنّعة.
في الغد، حين تُضاء قاعات قمة شرم الشيخ بالأعلام والخطب والابتسامات الدبلوماسية، سيكون السؤال الحقيقي المعلّق في سماء العروبة: هل تُطوى صفحة الحرب… أم تُطوى صفحة فلسطين ذاتها؟
لقد جاءت القمة بلباس السلام، لكنها تحمل بين طياتها كفن القضية الفلسطينية. فبين خطابات “الشرعية الدولية” ووعود “القوة الدولية” وابتسامات “الاستقرار الإقليمي”، يجري تشييع آخر ما تبقّى من حلم الدولة الفلسطينية.
إنها ليست قمة لوقف النار بقدر ما هي قمة لتثبيت الخضوع؛ تُطفئ البنادق كي تشتعل الخرائط من جديد، وتُسكت صوت المقاومة كي تتكلم لغة الوصاية.
في شرم الشيخ، يجتمع العالم لا ليفرض السلام العادل، بل ليفرض صمتًا طويلًا على جرحٍ مفتوح منذ سبعين عامًا. هناك، تُغسل أيادي القتلة بماء “الدبلوماسية”، وتُمنح إسرائيل شهادة حسن سلوكٍ بعد أن دمّرت غزة فوق رؤوس أهلها.
وفي المقابل، يُطالب الفلسطينيون بالهدوء… بالصبر… بالانصياع، وكأنّ العدالة ترفٌ لا يليق بالمقهورين.
ما يجري غدا في شرم الشيخ ليس صفقة سياسية، بل صفعة أخلاقية على وجه الأمة.
سلامٌ يُصاغ في ظلّ المجازر لا يصنع سلامًا، بل يُكرّس الهزيمة في ثوبٍ جديد.
وحين تُستبدل القدس بمحاضر مؤتمرات، والسيادة بقراراتٍ أممية معلّقة، والمقاومة بخطاباتٍ عن “التنمية”، فاعلم أنّ القضية تُدفن ببطءٍ في رمال سيناء، تحت صمتٍ عربيٍ ثقيل.
لكنّ التاريخ لا يكتب بالبيانات الختامية، بل بدماء الذين يرفضون أن تُكتب نهاية فلسطين في فندقٍ من فنادق شرم الشيخ.
فكلما حاولوا إغلاق القصة، نهض من تحت الركام طفلٌ يرفع حجرًا ويعيد للعالم ذاكرته. قد تُعلّق فلسطين مؤقتًا على طاولة المساومات، لكنها لن تُدفن ما دام في الأمة قلبٌ ينبض، وصوتٌ يصرخه: هنا كانت… وهنا ستبقى.
فمن يعتقد أنّ شرم الشيخ كانت “قمة سلام”، فليتذكّر أنّ السلام الذي يُصاغ فوق ركام غزة، ليس سوى هدنةٍ فوق جثة العدالة.
بين صفقة القرن وصفقة شرم الشيخ: استكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية
✍️ كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب الجزائر

- 📌 القمة في شرم الشيخ تُقام بحضور ترامب والسيسي وعدد من القادة العرب والغربيين، لكنها تحمل أجندة سياسية معقدة.
- 📌 تشبه القمة السابقة “صفقة القرن” في هدف تصفية القضية الفلسطينية، لكن بأساليب أكثر دبلوماسية ونعومة.
- 📌 القاهرة تسعى لإضفاء شرعية دولية على الاتفاق عبر مجلس الأمن، لكنها تواجه قيودًا أمريكية وإسرائيلية.
- 📌 واشنطن وإسرائيل تسعيان لتحويل الصراع إلى إدارة أمنية واستقرار إقليمي، لا إلى حل سياسي للحقوق الفلسطينية.
- 📌 صفقة شرم الشيخ تركز على القوة الدولية والأمن في غزة بدل الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة.
- 📌 أدوات الصفقة تشمل نشر قوة دولية، إدارة المرحلة الانتقالية، وتثبيت النفوذ الأمريكي والإسرائيلي.
- 📌 تكرار التجارب السابقة (اليونيفيل في لبنان، سيناء، البلقان) يظهر خطر تحوّل القوة الدولية إلى أداة للوصاية والسيطرة.
- 📌 الدور المصري يوازن بين الوساطة التاريخية والحفاظ على مصالحه الأمنية والسياسية، لكنه معرض للتحول إلى قناة شرعية لتثبيت النفوذ الخارجي.
- 📌 القوة الدولية المزمع نشرها في غزة قد تبدأ بحماية المدنيين لكنها قد تتحول إلى جهاز رقابة شامل على المعابر والحدود والمجال الجوي.
- 📌 المخاطر تشمل تفكيك المرجعية العربية، تجميد القرار الفلسطيني، وإعادة إنتاج الاحتلال تحت مظلة الشرعية الدولية.
- 📌 القمة تعكس تحول السلام من مشروع حقوقي إلى مشروع مصلحي مؤقت يركز على “التهدئة مقابل التمويل”.
- 📌 الفلسطينيون يتحولون إلى شركاء في إدارة مأساة إنسانية لا طرفًا في معركة تحرر وطني.
- 📌 الصفقات الجزئية وسلطة القوى الكبرى تُسقط مفهوم السيادة الفلسطينية وتحوّل غزة إلى منطقة مراقبة أممية.
- 📌 القمة قد تُسجل في التاريخ كقمة لتثبيت السلام بلا سيادة، تحت إشراف واشنطن وتل أبيب، بينما يُستبعد الفلسطينيون من القرار.
- 📌 الرسالة النهائية: الشرعية الدولية تُستغل كأداة لضبط التوازنات وفرض الهيمنة، وليس لتحقيق العدالة.



