اخبار دولية
أخر الأخبار

هل سوريا دولة فاشلة.. أو.. لماذا تواصل إسرائيل قصف سوريا بعد سقوط الأسد؟

هل سوريا دولة فاشلة.. أو.. لماذا تواصل إسرائيل قصف سوريا بعد سقوط الأسد؟

 قراءة في استراتيجية تل أبيب الهجومية

✍️كتب سعد خلف – موسكو

عادت إسرائيل لقصف سوريا مجددا، هذه المرة في 2 مايو 2025، قصفت قرب القصر الرئاسي في دمشق على الرغم من أن ساكنه الآن ليس بشار الأسد، بل أحمد الشرع، ما يعني أنه بانهيار النظام السوري وهروب بشار الأسد وخروجه من المشهد، لم تضع الحرب أوزارها، بل دخلت في طور أكثر تعقيداً. فكما نشاهد تتصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة، والأخطر أنها شملت مناطق حيوية في عمق سوريا، بما في ذلك العاصمة دمشق. هذا السلوك العسكري لا يمكن فهمه في سياق أمني محض، بل ينبغي تفكيكه ضمن رؤية جيوبوليتيكية أشمل، ترسم من خلالها إسرائيل ملامح واقع إقليمي جديد في ظل فراغ القوة بسوريا، وإعادة تموضع اللاعبين الإقليميين والدوليين.

 أولاً: الفراغ السوري كفرصة استراتيجية لإسرائيل

 

الفراغ السياسي والعسكري الناتج عن انهيار الدولة السورية أعاد تعريف الجغرافيا السورية في المخيال الأمني الإسرائيل. فلم تعد سوريا جاراً مزعجا يجب احتوائه، بل تحولت إلى هامش جغرافي مفتوح يصلح لإعادة التشكيل وفق ما تقتضيه ضرورات الأمن القومي الإسرائيلي. ففي ظل غياب سلطة مركزية موحدة تمسك بمفاصل الدولة، وتفكيك الجيش السوري، وانقسام الأرض بين فصائل متنازعة، يجعل من سوريا ميدانا قابلا للتدخل المفتوح، دون تكلفة سياسية أو ردع دولي.. فعال

ثانياً: إعادة رسم المجال الحيوي الإسرائيلي.. من الجولان إلى قلب بلاد الشام

القراءة الجيوبوليتيكية تقول إن إسرائيل لا تتحرك فقط لحماية حدودها، كما كان يبدو في السابق، قبل 7 أكتوبر مثلاً، بل تعمل على توسيع مجالها الحيوي شمالاً، إلى ما وراء الجولان، لخلق ما يشبه الحيز العازل الجيو-أمني. 

هذا التمدد الإسرائيلي يتجلى ليس فقط في السيطرة العسكرية المباشرة على بعض المناطق السورية، بل والأهم من ذلك، حسب فهمي بالطبع، في بناء شبكة نفوذ داخلية عبر تحالفات محلية (خصوصا مع الدروز جنوبا، وفي عمليات إجلاء الجرحى اليوم 3 مايو 2025 خير مثال، ومع بعض التشكيلات الكردية شرقاً).

الهدف الأساسي من هذه التحركات، في اعتقادي، هو سعي إسرائيل لتحصين نفسها أمام أي تحولات مستقبلية قد تُعيد توحيد سوريا أو تطلق موجة تهديدات من الجنوب اللبناني أو من الداخل السوري نفسه.

ثالثاً: التوازن بين القوى الإقليمية: كبح إيران وتطويق تركيا

من الواضح أن إسرائيل تسعى لاحتواء محورين إقليميين متصارعين، وليس مجرد متنافسين، على الأرض السورية.

1- المحور الإيراني: ورغم تراجع حضوره المباشر بعد سقوط الأسد المدوي، إلا أن تل أبيب تخشى من إعادة تموضعه عبر حزب الله أو المليشيات الشيعية في الشرق السوري. لذلك تكثف الضربات على مخازن الأسلحة والممرات اللوجيستية بين العراق وسوريا.

2- المحور التركي: إسرائيل ترى في التحالف بين أنقرة والفصائل الإسلامية المسلحة، خصوصا في الشمال السوري، تهديدا هيكلياً طويل المدى، خاصة إذا تحول هذا التحالف إلى نظام حكم بديل في دمشق.. لذلك تسعى إلى احتواء النفوذ التركي عبر تحالفات مضادة في الجنوب، وضرب خطوط الإمداد والاتصال بين المناطق التي يسيطر عليها حلفاء أنقرة.

رابعاً: سوريا كمنصة اختبار لمعادلة ما بعد السيادة

من الزاوية الأمنية والقانونية، من الواضح تماماً أن إسرائيل تتعامل مع سوريا باعتبارها حالة نموذجية للدولة الفاشلة التي لم تعد تُطبق عليها قواعد السيادة التقليدية. وهذا التصور يسمح لتل أبيب ويمكنها من تبرير تدخلها عسكرياً متى شاءت، بحجة ما يعرف بـ”الأمن الوقائي”، دون العودة إلى مجلس الأمن أو التقيد باتفقيات فك الاشتباك القديمة، بمعنى أخر، ترى إسرائيل في المشهد السوري الحالي فرصة لتكريس نموذج امني جديد في الشرق الأوسط، لا يستند إلى التوازن بين الدول، بل إلى هندسة شبكات نفوذ محلية.. تُدار وتضبط عبر القوة الجوية والتفوق الاستخباراتي.

خامساً: استباق سيناريوهات الدولة البديلة

مر على سقوط الأسد خمسة أشهر تقريبا، وإسرائيل تستهدف ليس فقط الأعداء التقليديين (إيران، حزب الله) داخل سوريا، بل تسعى بكل جهد لاستباق تشكل أي نظام سوري جديد قد يعيد إنتاج العداء لإسرائيل، ولو بلغة سياسية جديدة.. والضربات على القصر الرئاسي في دمشق ليست مجرد رسالة ردع، بل تعكس استراتيجية تعرف باستراتيجية ” كسر الرموز” وتعطيل أي محاولة لبناء هيكل سيادي قادر على فرض إرادته داخل حدود سوريا أو على حدود الجولان.

وفي الختام.. هل يجب أن نرى إسرائيل كصانع جديد للخرائط الأمنية؟

الضربات الإسرائيلية ليست عَرَضا جانبياً للحرب في سوريا، بل هي تعبير مباشر عن تحول إسرائيل إلى فاعل جيوبوليتيكي نشط في تحديد شكل النظام الإقليمي القادم في المشرق العربي.. هي لا تكتفي بالدفاع، كما نرى، بل تسعى بقوة، وبدعم أمريكي مفتوح.. لإعادة تشكيل المجال الأمني على مقاس مصالحها الاستراتيجية، بما يشمل تفكيك الجغرافيا السورية، وتوجيه ديناميات الصراع الداخلي بما يمنع تشكيل أي تهديد مستقبلي لها.

وفي هذا السياق، يمكنني القول إن ما تفعله إسرائيل في سوريا اليوم لا يختلف كثيراً عما قامت به الولايات المتحدة في العراق بعد 2003، إي بعد إسقاط صدام، لكن بأسلوب أكثر براغماتية، وأدوات أقل تكلفة.. في ظل نظام إقليمي أكثر هشاشة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »