بوركينا فاسو تنتفض لإرادتها وسيادتها: دولة تصنع قرارها في زمن التحولات الإفريقية
في قلب غرب إفريقيا، تقف بوركينا فاسو اليوم كإحدى أكثر الدول التي تتصدَّر مشهد التحوّل السياسي في القارة، بعد عقود كانت فيها ساحة مفتوحة للنفوذ الفرنسي والغربي. وعلى الرغم من أنها دولة منخفضة الدخل، يهيمن على اقتصادها القطاعان الزراعي والاستخراجـي، ويعيش أكثر من 40% من سكانها تحت خط الفقر، فإنها باتت عنوانًا جديدًا لمعركة السيادة والقرار الوطني.

بوركينا فاسو تنتفض لإرادتها وسيادتها: دولة تصنع قرارها في زمن التحولات الإفريقية
✍️ كتب المحلل والكاتب السياسي إدريس احميد
صحفي، وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي.
من فولتا العليا إلى “أرض الرجال النزهاء”
شهدت البلاد نقطة تحول مفصلية مع صعود الضابط الثوري توماس سنكارا عام 1983، الذي غيّر اسم الدولة من “فولتا العليا” إلى بوركينا فاسو أي أرض الرجال الشرفاء.
مثّل سنكارا أول محاولة جريئة لإعلان القطيعة مع فرنسا، ودفع البلاد نحو التنمية الذاتية والاعتماد على مواردها. غير أن تجربته انتهت باغتياله على يد رفيقه بليز كمباوري، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لسنوات طويلة، ليعيد تنشيط النفوذ الفرنسي ويُدخل البلاد في دائرة الفساد والتبعية.ومع سقوط نظامه عام 2014، دخلت بوركينا فاسو مرحلة جديدة اتسمت بانقلابات متتالية، وصعود موجات عنيفة من الإرهاب دفعت بملايين السكان إلى النزوح، حتى بلغ عدد النازحين داخليًا أكثر من 2 مليون في 2023.
إبراهيم تراوري… الجيل الجديد من زعماء السيادة
جاء استلام الضابط الشاب ابراهيم تراوري للسلطة في سبتمبر/أيلول 2022 ، و أدى اليمين رئيسًا انتقاليًا في أكتوبر 2022، قبل أن تُمدَّد المرحلة الانتقالية إلى خمس سنوات. ومنذ اليوم الأول، قدّم نفسه بوصفه امتدادًا لروح سنكارا، رافعًا شعار: “إرادة الشعب فوق إرادة المانحين.”في ظل تراجع الثقة بالتحالفات الغربية وتزايد انتقادات فشل فرنسا والغرب في محاربة الإرهاب، تبنّى تراوري مسارًا يقوم على:
✍️استعادة السيادة العسكرية عبر طرد القوات الفرنسية.
✍️تنويع الشراكات الخارجية باتجاه روسيا والصين وتركيا.
✍️تبنّي سياسة صناعية وزراعية وطنية لتقليل الاعتماد على الخارج.
✍️إعادة تنظيم قطاع التعدين ورفع إنتاج الذهب، المصدر الأول لاقتصاد البلاد.
قصة “غيتس” ومشروع البعوض المعدّل… معركة السيادة البيئية
شكل قرار تراوري في أغسطس 2025 بإيقاف مشروع “Target Malaria” الممول من مؤسسة بيل غيتس محطة صدام كبرى بين بلاده والغرب. المشروع الذي بدأ منذ 2019 لتحرير بعوض معدّل وراثيًا بدعوى مكافحة الملاريا، أثار اعتراضات واسعة داخل المجتمع المحلي بسبب مخاوف بيئية وصحية.إغلاق المختبرات وتدوير العينات كان رسالة واضحة: “الأرض الإفريقية ليست مختبرًا لتجارب الآخرين.”
هذه الخطوة رفعت مكانة تراوري في إفريقيا، وقُرئت كإعلان استقلال علمي وبيئي أمام القوى الدولية، ورسَّخت صورته كقائد يرفض الهيمنة بجميع أشكالها.
النهضة الاقتصادية… من المصفاة الوطنية إلى الثروة الزراعية
منذ 2024، بدأت حكومة تراوري تنفيذ مشاريع تنموية ذات طابع سيادي:افتتاح أول مصفاة ذهب وطنية لوقف تصدير المادة الخام وزيادة القيمة المضافة.
تشغيل مصنع حديث لمعجون الطماطم بطاقة 5 أطنان في الساعة لتعزيز الأمن الغذائي.
إعادة إحياء القطاع الزراعي رغم تراجع مساهمته بسبب تغيّر المناخ.
تحسين البنية التحتية للكهرباء والمياه والطرق لتسهيل الصناعة.
تأهيل الشباب عبر برامج مهنية تجعلهم جزءًا من النهضة.
ورغم التحديات، بلغ النمو الاقتصادي في الربع الأول من 2025 نحو 3.8%، ويتوقع أن يصل إلى 4.7% خلال السنة. كما يتوقع انخفاض الفقر المدقع من 37.5% إلى 34.2%.
الغرب بين القلق والمراقبة… دولة صغيرة تهزّ منظومة النفوذ
من وجهة النظر الغربية، ما يحدث في الساحل يمثل:تهديدًا لمنظومة النفوذ التقليدية.صعودًا لنماذج قيادية جديدة لا تتبع المعادلات الكلاسيكية.فراغًا استراتيجيًا تستفيد منه قوى منافسة مثل روسيا والصين.
التحدي الأمني… الإرهاب كأداة لعرقلة السيادة
تعاني البلاد منذ 2015 من توسع التنظيمات الإرهابية، وهو الخطر الأكبر الذي يهدد:
✍️الاستقرار السياسي
✍️عودة النازحين،
✍️إطلاق المشاريع التنموية.
بينما يتراجع النفوذ الفرنسي، تخشى واغادوغو أن تُستخدم هذه التنظيمات لعرقلة استقلال قرارها، خصوصًا في ظل اشتداد المنافسة الدولية على إفريقيا.
تحالف دول الساحل… نواة سياسة إفريقية جديدة؟
في سبتمبر 2023، أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تأسيس تحالف دول الساحل AES، ثم أعلنت الدول الثلاث في 2024 انسحابها من “إيكواس”، وفي 2025 من المنظمة الدولية للفرانكوفونية.هدف التحالف:
✍️مكافحة الإرهاب بعيدًا عن الوصاية الخارجية.
✍️بناء منظومة دفاع مشترك.
✍️تأسيس تعاون اقتصادي وصناعي وزراعي.
✍️خلق سوق إقليمية مستقلة عن النفوذ الفرنسي.
الاتحاد الإفريقي… دعم حذر أم شراكة مستقبليّة؟
رغم تحفظه على الانقلابات، يدرك الاتحاد الإفريقي أن الساحل يواجه أزمة تهدد استقرار القارة ككل. ولذلك بدأ:دعم مشاريع إعادة الإعمار.
تعزيز التنسيق الأمني.
الدفع نحو حلول إفريقية دون تدخل غربي مباشر.
الضغط لتجنب عزل دول الساحل دوليًا.
وإذا استطاع الاتحاد الارتقاء بدوره، فقد يصبح مظلة سياسية تحمي مسار الاستقلال الاقتصادي الذي تتبناه دول مثل بوركينا فاسو.
الصراع الدولي… هل تصمد بوركينا فاسو؟
تقف البلاد ومعها دول الساحل أمام معادلة معقدة:من جهة، رغبة قوية في التحرر من الهيمنة الغربية.
ومن جهة أخرى، صراع عالمي بين واشنطن وبروكسل من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى، يجعل منطقة الساحل ساحة نفوذ ساخنة.
يبقى السؤال: هل تستطيع بوركينا فاسو والدول الرافضة للهيمنة بناء نموذج تنموي مستقل دون الوقوع في تبعية جديدة؟
التحدي الأكبر… هل تستطيع الدول الإفريقية الفقيرة الصمود؟
الصمود أمام إرث الاستعمار، الذي يرفض استقلال القرار السياسي والاقتصادي ويستخدم أدوات مثل مقاييس الديمقراطية وحقوق الإنسان وقطع المساعدات، يعتمد على:بناء اقتصاد داخلي قوي ومستدام.
تعزيز التنسيق الإقليمي والتحالفات الإفريقية الجديدة.
إدارة العلاقة مع القوى الكبرى بذكاء لتجنب التبعية.
حماية الموارد الوطنية وضمان التنمية المستقلة.
تجربة بوركينا فاسو اليوم، بقيادة إبراهيم تراوري، توضح أن السيادة الحقيقية تبدأ بالإرادة الوطنية والعمل العملي، وأن الاستقلال السياسي والاقتصادي ممكن إذا ترافق مع تخطيط استراتيجي طويل المدى وتنمية القدرات المحلية.
وفي حال نجحت الدولة في هذا المسار، فقد تتحول من دولة فقيرة مهمشة إلى رمز للنهضة الإفريقية، ولقدرة القارة على رسم مستقبلها بنفسها بعيدًا عن الهيمنة الخارجية.
🔹 أبرز نقاط المقال
✍️بوركينا فاسو تستعيد إرادتها وسيادتها بقيادة إبراهيم تراوري.
✍️مشاريع التنمية والسيادة تشمل الذهب، الزراعة، والصناعات الوطنية.
✍️إيقاف مشروع “غيتس” يعكس الاستقلال البيئي والعلمي.
✍️الدولة تواجه الإرهاب، التحديات الاقتصادية، والضغط الغربي.
✍️تحالف دول الساحل يشكل نموذجًا جديدًا للسياسة الإفريقية المستقلة.
✍️الصراع الدولي بين الغرب وروسيا/الصين يجعل الساحل ساحة نفوذ استراتيجية.
✍️السيادة الحقيقية تتطلب إرادة وطنية وتخطيط طويل المدى.



